مرِّروا قانوني واحبسوني.. حقوقي مصري يعرض سجنه مقابل إقرار قانون ضد التعذيب

تم النشر: تم التحديث:
NEGAD ELBORAI
SOCIAL MEDIA

لم يتوقع الناشط الحقوقي المصري نجاد البرعي أن يواجه 6 تهم لقيامه فقط بصياغة تصور لمشروع قانون لمواجهة التعذيب في مصر عام 2015 وإرساله إلى رئيس الجمهورية ووزير العدل بعد أن وضع فيه تعريفاً دقيقاً للتعذيب، ورفع سقف التعويضات، ولكن هذا ما حدث معه، قبل أن يتم الإفراج عنه الخميس 3 مارس/آذار 2016 بضمان محل إقامته.

وقال البرعي في حوار مع "هافينغتون بوست عربي"، إنه مستعد لدخول السجن مقابل إقرار قانونه، "وسوف تكون الصفقة مربحة للحكومة لأنها سترتاح من وجع الدماغ من ناحيتنا"، على حد تعبيره.

ومن بين التهم التي يتابع بها البرعي "إنشاء جماعة على أساس مخالف للقانون هدفها منع سلطات الدولة من القيام بأعمالها والتحريض علي مقاومة السلطات العامة وممارسة نشاط حقوق الإنسان دون ترخيص".

ويرد البرعي على التهمة الأخيرة متسائلاً ما إذا كان الدفاع عن حقوق الإنسان في مصر بحاجة إلى ترخص من السلطات، ويقول "إن النظام المصري يقوم بمطاردة ممنهجة للمدافعين عن حقوق الإنسان في البلاد".

وهذا نص الحوار

ما هي الاتهامات الرسمية الموجهة إليك؟

6 اتهامات على رأسها إنشاء جماعة على أساس مخالف للقانون هدفها منع سلطات الدولة من القيام بأعمالها والتحريض على مقاومة السلطات العامة وممارسة نشاط حقوق الإنسان دون ترخيص وتلقي تمويل من الخارج وإذاعة أخبار كاذبة عمدًا وتكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة.

متى بدأت تفاصيل القضية؟

القضية بدأت في مارس 2015، وذلك مع الإعلان عن إعداد مشروع قانون لمواجهة التعذيب داخل السجون وأقسام الشرطة في مصر، حيث كان من ضمن المجموعة القانونية التي أعدت هذا المقترح الذي تم إرساله إلى رئاسة الجمهورية، اثنان من المستشارين هما عاصم عبد الجبار وهشام رؤوف، وفور إرسال نسخة من القانون إلى وزارة العدل، فوجئنا ببلاغ مقدم من مجلس القضاء الأعلى ضدي، مع تحويل المستشارين إلى التحقيق بتهمة التعامل مع جماعة مخالفة للقانون، وباقي الاتهامات الموجهة إليَّ كما ذكرت من قبل، وهذا التحقيق ليس الأول في القضية، ولكنه رابع تحقيق أخضع له في ذات القضية، وذلك بعد انتداب وزير العدل قاضياً للتحقيق.

ما المختلف في تحقيقات الأمس؟

هي المرة الأولى التي يتم القبض عليّ فيها بخصوص تلك القضية، وذلك قبل أن يصدر قاضي التحقيق أمراً بالإفراج عني بضمان محل إقامتي، وكذلك كان هناك تفنيد للاتهامات الرسمية الموجهة إلى شخصي في التحقيقات.

هل تم منعك من السفر؟

منذ بدء التحقيق في القضية لم يتم منعي من السفر، وكان هناك مرة وحيدة تعرضت لمضايقة بالمطار أثناء رجوعي من السفر، وبعد اتصالي بمكتب وزير الداخلية أبلغوني أن الأمر تشابه أسماء، وتقدموا باعتذار، ولكن لا أعلم ما هو الوضع الحالي بعد تحقيقات الأمس، وسوف أتوجه إلى المطار لتجربة الأمر.

كيف سار التحقيق معك؟

القاضي كان على درجة عالية من الرقي في التعامل، ولاحظت أن هناك حرصاً من وزارة الداخلية في تنفيذ قرار إخلاء سبيلي بشكل سريع، دون محاولة لتعطيل الإجراءات.

وفيما يتعلق بالاتهامات الموجهة إلي، أخبرت قاضي التحقيق أن المجموعة المتحدة "محامون ومستشارون قانونيون"، هو مكتب محاماة يعمل منذ 1941، تم إنشاؤه وفق نصوص القانون، والمجموعة هي مستشار قانوني لعدد كبير من المؤسسات المعروفة في مصر، فنحن وكلاء لصحف "المصري اليوم" و"الوطن" و"الشروق"، وموقع "العربي الجديد" بلندن، ونحن مكتب قانون وليس لنا صلة بقانون الجمعيات الأهلية.

أكدت أيضاً أنه لا يحق لأحد إلا مصلحة الضرائب أن يسأل المكتب عن مصدر تمويله من القضايا، أما عن تهمة العمل الحقوقي دون ترخيص، فأخبرت القاضي أن الاهتمام بحقوق الإنسان ليس حكراً على أي شخص بمصر، بل هو واجب على كل مصري، فما بالنا ونحن مجموعة من المستشارين الضالعين في العديد من القضايا المتعلقة بملف حقوق الإنسان في مصر؟!

ما هي الدوافع الحقيقية للمطاردة القانونية ضدك؟

عمليًّا في مصر ملف حقوق الإنسان يشهد تراجعاً كبيراً خلال العامين الماضيين، وعموماً فإن حقوق الإنسان هو أكبر ضحية في مصر منذ ثورة 25 يناير، حيث تواصل التراجع في عهود المجلس العسكري والرئيس محمد مرسي، والمستشار عدلي منصور ثم الرئيس عبد الفتاح السيسي.. إجمالي تلك التراجعات كانت مذهلة مقارنة بمساحة حقوق الإنسان التي كانت موجودة في عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك.

ولكن المختلف في عهد الرئيس السيسي، هو المطاردة الواضحة للمنظمات الحقوقية، أو الأشخاص والمجموعات المهتمين بهذا الملف، وهو ما حدث مع حسام بهجت وجمال عيد ومنعهما من السفر، وكذلك ما يحدث الآن مع مركز النديم ومحاولات غلقه رغم كونه مركزاً طبيًّا لمعالجة ضحايا التعذيب، وهناك الكثير داخل السجون المهتمين بحقوق الإنسان منهم طفل كانت جريمته ارتداء تيشرت مكتوب عليه "لا للتعذيب".

وللأسف لم يقتصر الأمر عند المهتمين بالملف الحقوقي في مصر، ولكن طال الإعلاميين الذين يتحدثون في الملف، وذلك في ظل كم البلاغات التي قدمها المستشار أحمد الزند وزير العدل في الحكومة الحالية التي وصل عددها أكثر من 20 بلاغاً، آخرهم 3 بلاغات ضد الإعلامي المعروف يوسف الحسيني، وهذا وزير العدل المسؤول في الحكومة.

كيف سيكون تحركك الحقوقي في الفترة القادمة في ظل تلك المطاردات التي تمارسها الدولة بحقك؟

"إحنا مش هينفع معانا شغل الضغط الذي تمارسه الدولة"، ونحن مكاننا إما "الصدر أو القبر"، والدولة ليس أمامها غير خيارين، إما احترام حقوق الإنسان ووقف الانتهاكات التي تمارسها، أو غلق مكاتبنا وحبس المهتمين بحقوق الإنسان.

نحن كما يقول المثل الشائع في مصر "عريانين وضهرنا في الحيطة"، وليس هناك ما نخشاه، ولا نخشى أي قمع، ومن المعروف أن من يخاف لا يعمل بملف حقوق الإنسان في دول العالم الثالث.

ما هو مستقبل القضية؟

الخطوات القادمة فيما يخصني هى تجهيز الأوراق والسند القانوني في دفاعنا فيما يخص الاتهامات الموجهة إلينا، واختيار مجموعة المحامين المدافعين عني، أما التحرك في القضية وتحويلها إلى جلسات محاكمة فهذا اختصاص قاضي التحقيق.

لماذا شعر النظام بالخطر في مشروع القانون الذي تسبب في تلك الأزمة؟

أعتقد أننا وضعنا مواد قانون هي الأفضل في هذا الأمر، وعالجت الكثير من القضايا الجوهرية بملف التعذيب في مصر، وقمنا بسد الخانات التي كانت سبباً في ضياع حقوق الضحايا، وإفلات الكثير من الضباط والقائمين على التعذيب داخل السجون أو أقسام الشرطة.

والقانون تضمن تحمل مأمور مركز الاحتجاز المسئولية كاملة عن التعذيب الذي يحدث داخل مركزه، حتى ولو لم نعرف من قام بالتعذيب، وهو أمر غير مسبوق، ويسهل الإثبات لصالح الضحية، وتحمل هذا الشخص المسئولية كاملة.

والمشكلة الثانية التي تسببت في غضب النظام من القانون، هو التعريف الذي وضعناه للتعذيب، حيث جعلناه مطابقاً للمادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب، وهذا لا يعجب النظام، أما الأمر الثالث فهو تعويضات وامتيازات قضايا التعذيب، فقد جعلنا الحد الأدنى للتعويض 200 ألف جنيه، وأسقطنا الضرائب عن الضحية ونصصنا على علاجه على نفقة الدولة، وعدد آخر من الامتيازات التي ترهق الدولة لصالح ضحايا التعذيب في مصر.

هل ستتراجع عن القانون المتسبب في تلك الأزمة؟

على العكس تماماً، فنحن بصدد إعادة الضغط مرة أخرى لإصدار القانون، سواء بمؤتمر صحفي قريب لإعادة نشر القانون، أو إرساله إلى أعضاء مجلس النواب.

وأرجو أن تكتب على لساني أنني على استعداد لعقد صفقة مع النظام الحالي، تتمثل في قيام الحكومة بإصدار القانون في مقابل الموافقة على حبسي، وسوف تكون الصفقة مربحة للحكومة، في ظل حصولها على تأييد دولي جيد بعد إصدار القانون، وترتاح من وجع الدماغ من ناحيتنا.

كيف جاءت فكرة طرح القانون من الأساس؟

نحن نعمل منذ عامين في تقديم الدعم القانوني لضحايا التعذيب، وتقدمنا بأكثر من 170 بلاغاً للنائب العام تشمل أكثر من 400 حالة تعذيب موثقة لدينا، واكتشفنا في النهاية أن عدد المحالين للمحاكمة من الضباط قليل جدًّا في ظل مئات البلاغات التي تقدم منا أو من غيرنا، إذ لا يحاكم إلا 10 ضباط تقريباً في مثل تلك القضايا.

وجدنا أيضاً أن هناك العديد من الثغرات التي يتهرب بها مرتكبو تلك الجرائم من العقاب، فتصدينا لمحاولة سدها، خصوصاً في ظل تعهدات الدولة أمام المجتمع الدولي بمناهضة التعذيب والتوقيع على الاتفاقيات الملزمة لذلك، ولكن للأسف وجدنا أن النظام في الأخر "بيتقمص" -يغضب- من الحديث في هذا الملف رغم أن الدولة ألزمت نفسها بمحاربة التعذيب أمام المجتمع الدولي.

هل من الممكن أن تقدم الدولة على استكمال التحقيق في مثل تلك القضايا، أم أنك تتوقع أن تتراجع مع الكثير من بيانات التضامن معك؟

أنا شخصيًّا مؤمن جدًّا أن "بتوع" -دعاة- حقوق الإنسان في مصر هم مثل أبي ذر الغفاري الصحابي الشهير الذي قال عنه الرسول، إنه يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده، وذلك لأن المهتمين بهذا الملف بإخلاص ليس لديهم أجندة سياسية، وكل التيارات السياسية ربما لا تتعاطف معهم أو ترغب في توظيفهم، ونحن دورنا أن نقول كلمتنا دون خوف وعلى المجتمع أن يتلقى تلك الكلمات بإمعان، ونحن نرفع شعار الاستشهاد في سبيل ما نؤمن به.

والواقع في مصر الآن أن الدولة لا تريد أن تستمع إلى النصائح ولا تتحدث مع من يرغب في الإصلاح، وهم مثل ما جاء في الآية القرآنية في سورة نوح "وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا"،.. ونحن لسنا "نوح".. وليس هم قوم نوح، ولكن هناك تماثل كبير في الواقع العملي.

ما الرسالة التي ترسلها إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بصفته المسؤول الأول في هذا النظام؟

حصِّنْ مدينتك بالعدل.. ونقِّ طرقها من الظلم.. فهذا هو حصنها.