"الدَّين شين".. كيف تواجه قطر لعنة إفراط مواطنيها في القروض؟!

تم النشر: تم التحديث:
BANKS QATAR
Bloomberg via Getty Images

بطاقات ائتمان بلا قيود واقتراضٌ هائل من البنوك وصعوباتٌ في سداد القروض.. تلك هي مشكلات القروض الشخصية التي يعاني منها بعض القطريين رغم ما يعرف عن البلد الخليجي من ثراء.

فالرواتب الحكومية السخية والرعاية الصحية المجانية التي تموّلها ثروات البلاد الضخمة من الغاز الطبيعي في بلدٍ يبلغ عدد مواطنيه نحو 300 ألف شخص لا تترجم دائماً إلى أرصدة بنكيّة قوية لدى كثيرٍ من المواطنين القطريين.

بل إنهم قد يتعرّضون لضغوطٍ اجتماعية كبيرة للعيش في مستوى يتجاوز مواردهم بكثير إذ ينفقون ببذخ على كل شيء من أحدث الهواتف الذكية وصيحات الموضة وحتى حفلات الزفاف. وبدأت المشكلات تتفاقم حالياً حيث يجبر انخفاض أسعار الطاقة العالمية دول الخليج ومن بينها قطر على ترشيد النفقات.

وتشير دراسة أجرتها جامعة قطر إلى أن الكثيرين يقترضون مبالغ ضخمة من البنوك المحلية لتمويل أنماط من الحياة لا يسعهم تحمّل تكلفتها.

وقال لوران لامبرت من معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية التابع للجامعة "ما يقال عن أن القطريين قلة قليلة محظوظة وسعيدة - ما هو إلا ضربٌ من الخيال... الكثيرون لا يملكون من الدخل ما يكفي لتغطية نمط الحياة وهناك نسبةٌ صغيرة تعدّ فقيرة بالمعايير المحلية وهم يكافحون لتغطية نفقاتهم."

ولا يبدو حتى الآن أن القروض الشخصية المنتشرة في قطر تهدد النظام المالي عموماً وهي شائعة في أرجاء منطقة الخليج حيث تنتشر مظاهر الإنفاق الواسع والبنوك ذات الإجراءات التنظيمية المتساهلة.

ويظهر تقرير لاستراتيجية التنمية الوطنية في قطر صدر في عام 2014 أن أغلب الأسر المدينة -والتي تشكل 75 بالمئة- تدين بأكثر من 250 ألف ريال (68700 دولار). ولا تعجز سوى قلة قليلة من هذه الأسر عن سداد مدفوعات القروض وهي جريمة يعاقب عليها بالسجن.

لكن إجراءات اتخذت في الآونة الأخيرة منها تسريح موظفين عموميين وزيادة أسعار البنزين -وهي إصلاحات تسارعت بسبب انهيار أسعار الطاقة- سلطت الضوء مجدداً على المديونية والمشكلات التي قد تمثلها.


حمى القروض


وشبّه معلّقون قطريون الإفراط في الاستدانة ب "لعنة اجتماعية" و"حمى تنتشر من بيت إلى بيت" ومشكلة باتت تثير قلقاً وطنياً.

وتبث برامج إذاعية مقابلات مع موظفين عموميين يكتنفهم الحزن ويشكون من الانزلاق في مستنقع الديون بعد اقتراضهم من البنوك دون أن يدركوا حجم تكاليف السداد.

وفي خطب الجمعة ينتقد الأئمة من يموّلون قضاء عطلات في أوروبا وحفلات الزفاف الباذخة بقروض قد تلتهم الرواتب وتفضي إلى الاكتئاب والطلاق.

ويقول بعض القطريين إن جزءاً من المشكلة يكمن في أن الطفرة الاقتصادية في البلاد خلال فترة ارتفاع أسعار الطاقة التي استمرت حتى منتصف 2014 رفعت بسرعة مستويات المعيشة والتوقعات بشأن ما يعنيه أن تكون ثرياً وناجحاً.

وقال محمد المري وهو شرطي مرور سابق يعمل حالياً في قطاع العمل الخيري "لا يمكنك أن ترتدي ساعة سيئة في معصمك وتركب سيارة مستعملة أو تستخدم هاتفاً قديماً. ينبغي أن تمتلك أحدث الموديلات حتى لا تبدو ‘فقيراً‘."

وأضاف "الناس في النهاية يتظاهرون بأنهم يمتلكون المال لمجرد الحفاظ على المستوى. هذا الضغط الاجتماعي موجود."

وقال المري أنه تمكن من سداد ديونه وادّخار أموال خلال سنوات عمله لكنه يعرف شخصاً تخرّج حديثاً من الجامعة يواجه صعوبات. وقال "يشتري أحدث أجهزة آيفون لأن أقرانه يمتلكون مثلها.. لكنه في نهاية الشهر يبيع الجهاز لسداد فواتيره."

وروى المري أيضاً كيف أن قطريةً سافرت في الآونة الأخيرة إلى دبي لشراء حقيبة يد مقلدة. وقال "اشترت صديقتها حقيبة أعجبتها ولم تكن تملك ثمنها."

وفي حين تسود ثقافة البذخ والإنفاق على المظاهر بين البعض ينتقد آخرون "أعراض الرفاهية" التي دفعت جيلاً بأكمله للعيش بلا مبالاة والاعتقاد أن باستطاعته التمتّع برغد العيش والاعتماد وقت الأزمات على أقاربهم أو حكومتهم.


توزيع الثروات


في إطار استراتيجية الحكومات الخليجية الرامية لتوزيع بعض ثرواتها التي اكتشفت حديثاً جرى تقديم قروض للمواطنين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ثم في مطلع القرن الحالي لمساعدتهم على شراء أسهم في شركات الطاقة الحكومية التي تقدّر قيمتها بمليارات الدولارات.

وفي وقت لاحق امتدت القروض التي تقدمها البنوك المحلية الغنية بالسيولة بفضل الاقتصاد السريع النمو إلى الأسر التي تريد على سبيل المثال بناء منزل لقضاء العطلات أو شراء سيارة جديدة. وجرى تقديم القروض لهؤلاء دون ضمانات تقريباً وفي معظم الأوقات كانت تتجاوز القروض رواتبهم السنوية عدة مرات.

وقال محمد الكبيسي عالم الاجتماع القطري وأحد كتاب أعمدة الصحف "كان الأمر متاحاً للجميع. فكان بمقدور أي أحد اقتراض المبلغ الذي يريده ببساطة."

وبعد تنامي القلق من انتشار القروض وتزايد عدد القطريين الذين يعجزون عن سدادها فرَضَ مصرف قطر المركزي في 2011 سقفاً يبلغ مليوني ريال على القروض الاستهلاكية التي لا يضمنها سوى رواتب المقترضين على ألا تتجاوز فترة السداد ست سنوات.
وفي وقت لاحق من ذلك العام رفعت الحكومة رواتب موظفي الدولة بنسبة 60 بالمئة ورواتب العسكريين بنسبة 120%.

وفي خطوة مماثلة اتخذتها السعودية رفعت المملكة الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية كثيراً في محاولة على ما يبدو للحفاظ على السلم الاجتماعي.

وفي عام 2011 أيضاً أسست الإمارات العربية المتحدة صندوقاً لمساعدة المواطنين محدودي الدخل على سداد ديونهم. وقامت الكويت الغنية بالنفط أيضاً بسداد قروض شخصية على مواطنيها استجابة لضغوط شعبية.

وينقسم القطريون بشأن كيفية معالجة مشكلة الديون.

فأولئك الذين يرون عيوباً تشوب عادات الإنفاق الباذخ يؤيدون فرض حدودٍ قصوى على الإنفاق على حفلات الزفاف وغيرها من المناسبات الاجتماعية ومعاقبة من يخالفها.

ويقول آخرون إن على الحكومة أن تنظم بشكل أفضل عمل البنوك التي تظل القروض الشخصية من أنشطتها المربحة كما ينبغي لها أن تساعد في طرح المزيد من الأسهم لتشجيع المواطنين على التمتع بالفوائد البعيدة المدى مثل إصدارات الأسهم المجانية والتوزيعات الدورية.

وكانت السلطات سعت لرفع الوعي العام بشأن مدى عمق المشكلة وأطلقت حملة بعنوان "الدين شين" في عام 2013 شهدت جمع تبرعات للمساهمة في سداد ديون المسجونين وغيرهم من المهددين بمواجهة اتهامات جنائية.

لكن بعض القطريين يقولون إن إعفاء المواطنين من ديونهم يرسي سابقة غير حميدة.

وقال مصطفى الخميسي صاحب إحدى شركات المحاسبة "إذا أسقطت الدين عن شخص فإنك تعفيه من مسؤوليته الشخصية عن سداد الدين."

وأضاف "هذا أمرٌ خطير حقاً لأنك إن بدأت في تقويض مسؤولية الفرد تجاه المجتمع فإنك تبدأ في تقويض المجتمع نفسه."