لماذا تخلّت عنها الرياض؟.. انحسار دور السعودية في لبنان يفتح الباب أمام تنامي نفوذ إيران

تم النشر: تم التحديث:
HEZBOLA
MAHMOUD ZAYYAT via Getty Images

رغم قيام إيران والسعودية بدعم طرفي النقيض خلال الحرب المريرة في سوريا، إلا أن كلا الخصمين قد تمكنا من الحفاظ على الهدوء المقترن بالتوتر على الحدود في لبنان، حيث يتنافسان منذ عهد طويل من أجل فرض النفوذ.

ويبدو الآن كما لو كانت السعودية تنسحب فجأة – تاركة لبنان تحت سيطرة حزب الله برعاية إيرانية، بحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

وبدلاً من المنافسة وراء الكواليس من أجل صد إيران على غرار العقود الماضية، لجأت السعودية إلى معاقبة لبنان جراء وقوف حزب الله إلى جانب إيران في سوريا.

فقد خفضت من مساعداتها إلى لبنان بما يبلغ قيمته مليارات الدولارات وأصدرت الأوامر إلى السياح السعوديين بتجنب زيارة تلك الدولة المتوسطية وأعلنت يوم الأربعاء أن حزب الله، المنظمة اللبنانية المسلحة الأكثر قوة من الناحيتين السياسية والاجتماعية، منظمة إرهابية.

وفجأة خضعت هذه الدولة التي يعشق السعوديون لياليها وشواطئها وجبالها، لمعركة من أجل الهيمنة الإقليمية بين إيران والسعودية..

ويمكن أن تكون العواقب وخيمة على دولة نجت بالكاد من الحرب الأهلية وتتاخم حدودها إسرائيل وتستضيف أكثر من مليون لاجئ سوري وتعتمد على إجراءات تقاسم السلطة بين طوائفها المختلفة من أجل تحقيق الاستقرار.

ولم تغير إيران سياساتها داخل لبنان، رغم تغيير السعودية لسياساتها في أحدث سلسلة من تطورات السياسة الخارجية الجديدة التي يقرها الملك الجديد ونجله ولي ولي العهد.


مواجهة النفوذ الإيراني


وفي كل حالة، أكدت السعودية على ما تعتبره حقها، بل وواجبها، في مواجهة النفوذ الإيراني. ففي اليمن، تحارب المملكة جماعة الحوثيين التي تدعمها إيران. وفي سوريا، تتولى دعم قوات المعارضة لحكومة الرئيس بشار الأسد، التي تدعمها إيران.

ولذا كان من المفاجئ أن تتراجع المملكة في لبنان، بدلاً من أن تواجه إيران – وهو تحرّكٌ خطير يزيد من نفوذ إيران ويؤدي إلى تفتت منافسيها السنيين. ولا أحد يعتقد أن هذه السياسة سوف تجبر لبنان على قمع جماعة حزب الله الشيعية.

وذهب علي رزق، المحلل السياسي اللبناني المقرب من حزب الله، إلى ما ذهب إليه محللون آخرون في أن المملكة باتت تنزع إلى اتخاذ ردود أفعال عنيفة منذ غضب قادتها من الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة.

إن التحرك الذي اتخذته الرياض لا يهدد بإعادة صياغة سياسات المنطقة فحسب، بل يقوض اقتصاد هذه الدولة الصغيرة وتوازنها السياسي. وبالفعل، تزايد التوتر من عدة جهات: بعد أن أذاعت إحدى المحطات التلفزيونية برنامجاً يسخر من زعيم حزب الله حسن نصر الله، قام مؤيدو الجماعة بإغلاق الطرق وحرق الإطارات ليلة السبت، مما أدى إلى حدوث مواجهات سريعة مع الجماعات المنافسة في الشوارع.

وردّ حسن نصر الله خلال حديث له مساء الثلاثاء متهماً السعودية باقتراف جرائم خلال ضرباتها الجوية الموجهة ضد اليمن ودعا المملكة إلى "تسوية الحسابات مع حزب الله، وليس مع الشعب اللبناني".


لبنان في موقفٍ لا تُحسد عليه


قضى الدبلوماسيون والمحللون عدة أسابيع في محاولة فهم السبب وراء العقوبة التي فرضتها السعودية على لبنان – وربما حلفائهم اللبنانيين – بشأن النفوذ القوي لحزب الله، والذي لا يمثل جديداً.

ويرى السياسيون في المعسكر السعودي أن قرارات المملكة قد وضعت لبنان في موقف سيء للغاية. فقوات تنظيم حزب الله الشيعية أكثر قوة من الجيش اللبناني وتمارس أنشطتها باستقلالية تامة، وخاصة فيما يتعلق بتنفيذ العمليات البرية الكبرى في سوريا، والتي ساعدت على بقاء الأسد في السلطة.

وتشير الشخصيات السياسية من كافة الأطراف أن ما تطلبه المملكة من لبنان – من إدانة إيران وحزب الله على سبيل المثال – أمرٌ غير واقعي.

وقال وليد جنبلاط، زعيم الدروز الذي تحالف أخيراً مع حركة المستقبل الموالية للمملكة، لقناة Orient TV السورية الإخبارية المعارضة "إذا ظن أحدٌ أن حزب الله سينسحب من سوريا نتيجة لبعض المواقف العربية، فلن يحدث ذلك".

وحتى حزب حركة المستقبل اللبناني المقرّب من المملكة لا يستطيع إعلان حزب الله منظمة إرهابية – بل صرح يوم الأربعاء أن حزب الله يشارك في "أنشطة إرهابية".


توتر سعودي إيراني


تصاعدت حدة التوتر بين السعودية وإيران وحلفائها في لبنان وعلى امتداد الإقليم منذ بدء النزاع في سوريا، الذي يدخل عامه الخامس. وتزايدت التوترات بصورة أكبر منذ وصول الملك سلمان إلى سدة الحكم في العام الماضي وتبنّيه سياسة خارجية أكثر حزماً، بما في ذلك شن الحرب في اليمن.

وبدأت جولة تبادل الاتهامات حين قامت المملكة بإعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر. وهاجم المتظاهرون الإيرانيون السفارة السعودية في طهران.

وفي يناير/ كانون الثاني، سعت المملكة خلال اجتماعات جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي إلى الحصول على إدانات رسمية للاعتداء على سفارتها وللأدوار التي تضطلع بها إيران وحزب الله في المنطقة، فرفض لبنان التوقيع.

وأعلن وزير خارجية لبنان جبران باسيل – الذي يتزعم الحركة الوطنية الحرة، وهي حزب مسيحي موالٍ لحزب الله – أن لبنان يتضامن مع المملكة في موقفها من الاعتداء على سفارتها. وقال إن التوقيع على البيان رغم ذلك يعد انتهاكاً لسياسة لبنان وحياده الرسمي بشأن النزاع السوري.

وانتقد الحليف السني الرئيسي للسعودية في لبنان، والمتمثل في حركة المستقبل بزعامة سعد الحريري، باسيل بقوله إن موقفه لا يمثل لبنان.

ترتب على ذلك توجيه إصبع الاتهام فيما بين الطوائف السياسية بلبنان، التي أدى بها النزاع حول سوريا والقضايا الأخرى إلى بقاء البلاد دون رئيس لأكثر من عام كامل.

من ثم، أعلنت الرياض إلغاء المساعدات التي تعهدت بسدادها إلى لبنان والبالغ قيمتها 4 مليارات دولار، منها 3 مليارات دولار مخصصة للجيش اللبناني. وقد تم تقديم المساعدات من أجل دعم الجيش وزيادة قدرته على التماسك والعمل بصورة مستقلة عن حزب الله.


تأثيرٌ غير مستحق لحزب الله


وأشارت المملكة وحلفاؤها إلى أن القرار يستند إلى ما اعتبرته تأثيراً غير مستحق لحزب الله على السياسة الخارجية، بالإضافة إلى المخاوف الأمنية بعدما ذكرت العديد من الحكومات العربية بمنطقة الخليج أنها كشفت عن خلايا تابعة لحزب الله في بلدانها.

وذكر غطاس خوري، عضو البرلمان اللبناني السابق متحدثاً نيابة عن معسكر الحريري، أن حلفاء المملكة في لبنان يتفهمون موقفها ولكنهم سيسعون إلى أن تغير المملكة رأيها في هذا الصدد.

وأشار قائلاً "الجيش اللبناني هام بالنسبة لنا".

وفي الأسبوع الماضي، أعلنت السعودية – وأربعة من حلفائها الخمسة بمجلس التعاون الخليجي – أن لبنان أصبح غير آمن لمواطنيها، رغم عدم وجود أي تغير واضح في الوضع الأمني.

ويمكن أن يكون لهذه الخطوات تأثيرٌ ملموس: لم يتم بعد تقديم مساعدات التسليح البالغ قيمتها 3 مليارات دولار، بالإضافة إلى هجر السعوديين وغيرهم من السياح لبنان إلى حد كبير خلال الحرب السورية.

ومع ذلك، تستطيع المملكة وحلفاؤها أيضاً طرد نصف مليون لبناني يعملون بمنطقة الخليج، وهو ما يمثل دعماً اقتصادياً رئيسياً للدولة.

ويبدو أن المملكة قد ألغت دعمها لسعد الحريري نجل رفيق الحريري رئيس الوزراء الأسبق المقرب من المملكة، الذي اغتيل عام 2005، ويلقي السعوديون اللوم في ذلك على حزب الله.

ويذكر العاملون في وسائل الإعلام التابعة لحزبه أنه لا يسدد لهم الرواتب بصورة منتظمة.

ويفتقر الحزب للتمويل قبيل انعقاد الانتخابات البلدية هذا الربيع، حيث يمكن للحزب أن يخسر أمام حزب الله وغيره من المنافسين دون وجود أي تمويل لحشد الناخبين.

وفي سؤال حول تبرير خفض الدعم السعودي، ذكر العديد من الدبلوماسيين والمحللين أن لبنان تقاعس عن اتخاذ أي موقف بشأن النزاعات في اليمن وسوريا وغيرها من النزاعات الأخرى.

وأضاف أحد الدبلوماسيين قائلاً "لم يعد لذلك أي أولوية على الإطلاق".

هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة New York Times الأميركية.