الموضة أم السياسة.. بماذا تهتم المرأة الإيرانية "الأكثر تحرّراً من الخليجيات"؟

تم النشر: تم التحديث:
WOMEN IN IRAN
Anadolu Agency via Getty Images

لا شك أن دار أزياء “دولتشي آند غابانا Dolce & Gabbana” الإيطالية كانت تضع نصب عينيها الدخول إلى سوق المبيعات الإيرانية من بين أهدافها عندما أطلقت مجموعة أزيائها الخاصة بالحجاب في الشرق الأوسط ذي اللونين الأسود والبيج الرملي الناعم، خاصةً أن السوق الإيراني الذي انفتح على مصراعيه بعد الاتفاق النووي واعدٌ جداً؛ نظراً للكثافة السكانية.

هوما سوروش (28 عاماً) زوجة رجل أعمال يعيش بأميركا، وبالكاد تغطي رأسها بوشاح زهري اللون، هزت رأسها مشككةً في نجاح المجموعة التي لم تطرح بعد في فرع “دولتشي آند غابانا” بالعاصمة طهران.


الإيرانيات أكثر تحرراً


تقرير نشرته صحيفة The Independent البريطانية، الخميس 25 فبراير/شباط 2016، نقل قولها “لعل المجموعة تحقق مبيعات أعلى في دول الخليج، أما هنا؟ فلا أظن ذلك لأن أزياء الناس هنا أكثر تحرراً”.

تتفحص سوروش معطفاً أحمر قاني اللون بأزرار ذهبية لامعة، لكن سعره الباهظ (3 آلاف و340 دولار) يثنيها عن شرائه.

تقف سوروش وسط جمع صغير من رواد مركز تسوّق “سام سنتر” الواقع على شارع فيريشته، وهو مول مخصّص للماركات الفخمة. تقرأ على لافتة موضوعة خارج المركز إعلاناً بقدوم المزيد من الماركات قريباً مثل Gianfranco Ferré، أما Roberto Cavalli فقد افتتح محله في منطقة الزعفرانية المجاورة.

ورغم وطأة العقوبات الثقيلة على اقتصاد البلاد طوال العامين الماضيين، فإن أرقى الماركات كانت مع ذلك تجد طريقها إلى داخل البلاد.

فمحل “دولتشي آند غابانا” مثلاً كان طوال الفترة الماضية يدخل بضاعته رغم ملاحقة الجمارك له بحجة أن المحل لا يملك تصريحاً وإذناً باستيراد هذه البضائع الغالية، لكن بائعاً في المحل أخبر الصحيفة البريطانية بأن دار الأزياء تمكنت من إدخال مجموعاتها بعد دفع “ضريبة خاصة”.

وأضاف البائع أن المشكلة كانت في قلة أموال الناس، لكن الآن مع فتح السوق أبوابها للشركات الأجنبية فسينتعش الاقتصاد ويتحرر، ولا بد أن السيدات سيغتنمن الفرصة.


نساء إيران.. ودور هامشي


نظام الحكم الإسلامي في إيران لا يبدي تشدداً كبيراً إزاء فرض الحشمة على النساء، لكن المرأة تعاني في مجال السياسة، والانتخابات الحاسمة المقرر عقدها غداً الجمعة تشكو من قلة مرشحاتها.

النقص الحادّ للعنصر النسائي في الانتخابات ليس مردّه قلة الطموح السياسي، ولا انعدام الاهتمام بصندوقي الاقتراع (البرلمان ومجلس الخبراء) الذي يختار كل بضع سنوات مرشداً أعلى للبلاد.

بل يعود السبب إلى رفض مجلس صيانة الدستور طلبات المئات من النساء للترشح، فالمجلس المنوط به فحص وتدقيق طلبات الترشح تلقى هذا العام 12 ألف طلباً لعضوية البرلمان، منها 1400 طلب ترشح نسائي، لكن 584 طلباً فقط هي التي قُبلت.

أما عن طلبات الترشح لمجلس الخبراء، فتلقت لجنة الوصاية 801 طلباً، منها 16 طلباً نسائياً قوبلت جميعها بالرفض.


الموضة أم السياسة؟


وعلقت سوروش على ذلك معربة عن خيبة أملها بقرارات مجلس صيانة الدستور؛ لأن “المفروض لهذه الانتخابات أن تظهر للعالم كيف أن إيران تتغير، لكن ما حدث دليل ضعف. وكثيرات من صديقاتي لا تهمهن السياسة، بل همهن معرفة آخر صيحات الموضة”.

تقاطعها صديقتها آسية محمودية بقولها، “لكن ليست الموضة الغربية المحطّ الوحيد لاهتمامنا، فهناك الكثير من المصممين الإيرانيين الجيدين مثل ندى صادغي وأوركيد غانجي، لكن الحق أننا ما عدنا نكترث بالسياسة”.

وهنا تكمل سوروش، “أما أنا فمهتمة بالسياسة وسوف أشارك بصوتي. بالطبع علينا زيادة عدد النساء في البرلمان، ولطالما كنّ هناك أساساً، لكن التطور بطيء جداً”.

وعلى بعد بضعة كيلومترات تجلس فاطمة رهبر وسط برلمان إيران، وتحدث تقرير The Independent عن عملها في رئاسة لجنة الرقابة ذات الصلة بالجمهور.

فعندما فازت فاطمة رهبر بمقعدها قبل 12، عاماً لم يكن معها الكثير من النساء في عضوية البرلمان، ولم يطرأ تغيير يذكر على الوضع منذ ذلك الحين.


حقوق المرأة والبرلمان


وقالت الناشطة السياسية آسا أوزاربور (30 عاماً) إن النقاد يعيبون على أعضاء البرلمان من النساء إهمالهن للدفاع عن حقوق المرأة؛ لأنه كان بإمكانهن بذل مجهود أكبر، ولذلك خابت آمال الكثيرات من الشابات بميدان السياسة.

وافقتها في كلامها فاطمة راكع التي تشارك في حملة مساواة بين الرجال والنساء، وأضافت أن معظم النساء من أعضاء البرلمان فشلن؛ ليس فحسب في إسداء أي إنجاز يُذكر للمرأة، بل إنهن كذلك أسهمن في تعزيز الأفكار المعادية للمرأة بصمتهن وسكوتهن عنها أو بموافقتهن عليها.

مثلاً طُرِح في البرلمان مشروع قرار يحرر الرجال من مسؤولية تسجيل “الزيجات المؤقتة” التي يحصل بها الزوج على إذن زوجته الأولى ليتزوج ثانية، والقرار ساندته عدة نساء محافظات من أعضاء البرلمان، حتى أن إحداهن واسمها لالا إفتخاري أعلنت جهراً “طبقاً لشرع الله وأمره، ليس الرجل مطالباً بإذن زوجته كي يتزوج ثانية”.

وساندتها امرأة محافظة أخرى في البرلمان هي زهرة إلاهيان التي وصفت القرار بأنه “عصري”، ودعت مع افتخاري إلى عدم الاستسلام والوقوع فريسة الضغوطات الدولية ضد التمييز على أساس الجنس.

أما فاطمة رهبر، وهي امرأة محافظة ترتدي عباءة سوداء، فرفضت أي تلميح أو إشارة إلى أنها تهمل مصلحة النساء، وقالت أنها إن أعيد انتخابها فستتقدم بمشروع قرار يضمن قروضاً حكومية لربات البيوت، وأنها ستسعى لكي تتمكن الموظفات النساء العاملات في القطاع الحكومي من مغادرة دوامهن قبل 40 دقيقة من زملائهن الرجال كي يتسنى لهن الاعتناء بأطفالهن.


تمكين المرأة سياسياً


وكانت حملة لزيادة عدد أعضاء البرلمان من النساء (اللواتي يبلغ عددهن 9 حالياً) انطلقت الخريف الماضي، ودعا الرئيس الإيراني حسن روحاني ذو الاتجاهات الإصلاحية إلى تمكين المرأة في السياسة رغم قلة أفعاله في هذا المجال.

وكان العضو الداعي للإصلاح علي مطهري قد دعا وزير الداخلية للوقوف أمام المجلس ليشتكي ارتداء النساء بنطلونات ضيقة في الأماكن العامة.

ولام مطهري على حكومة روحاني تساهلها الشديد، كما في حكومة أحمدي نجاد مع لباس المرأة.

إنه التناقض الإيراني، فالرئيس المتشدد أحمدي نجاد عدو الليبرالية السياسية كان متساهلاً جداً مع موضوع الحجاب ولم يجد حرجاً في اختلاط الجنسين في الأماكن العامة، بل كان يقول لنقاده “اتركوا الناس مبسوطين!”.

لكن "دولتشي آند غابانا" لم يفتتح إلا بعد نهاية ولاية أحمدي نجاد. تقول هوما سوروش إن اسمه يرمز إلى فترة اتسمت بالعنف خاصة عندما أعيد انتخابه، ولذلك هاجر كثيرون إلى أوروبا حتى هدأت الأوضاع.

أما خارج المول فوقفت فتاتان وصبي يدخنون بشراهة غير آبهين لا بالانتخابات ولا بعدد النساء في البرلمان، على حد قولهم.

تحدثت باسم المجموعة فتاة تدعى نيلوفر قائلة إن لا أحد يثق بالسياسيين بغضّ النظر عن الحزب والجنس، فكلهم سيان.

أما اهتمامهم، فكان موجهاً حالياً على إنستغرام وحساب يستعرض فيه أثرياء الشباب حول العالم ثرواتهم، تحت اسم “شباب طهران الأثرياء”.

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Independent البريطانية.