"حاتم جديد بالإعدادية".. تعرف على خطة الداخلية المصرية للتخلص من دولة أمناء الشرطة

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT POLICE
أمناء الشرطة المصرية | MOHAMED EL-SHAHED via Getty Images

أصبح مستقبل أمناء الشرطة، قضية الساعة في مصر، وذلك بعد تصاعد الحملات الإعلامية ضدهم أعقاب ثورة الغضب التي حدثت بالقاهرة إثر قتل أحد أمناء الشرطة لأحد السائقين، وتصاعد المطالب بوقف انتهاكات ما يطلق عليه بـ"دولة أمناء الشرطة".

مصادر قضائية مصرية قالت الأحد 21 فبراير/شباط 2016، إن النيابة العامة المصرية أحالت أمين الشرطة قاتل سائق الدرب الأحمر بالقاهرة إلى المحاكمة بتهمة القتل العمد، في الحادث الذي أثار غضباً عاماً بعد سلسلة انتهاكات نسبت لرجال شرطة ضد مواطنين وأدى إلى احتجاج أمام مديرية أمن القاهرة.

وأمس السبت 20 فبراير/شباط 2016، كان هو يوم أمناء الشرطة المصريين بامتياز بعد قيام بعضهم بارتكاب جرائم جديدة بحق المواطنين، كان منها قتل مواطنة بالمنوفية على يد أمين شرطة، ومواطن بالخصوص على يد جاره أمين الشرطة أيضاً.

ويبدو أن للأزمة عدة أبعاد، وأنها لم تكن وليدة اليوم، وذلك بعد أن أصبح أمناء الشرطة بتجاوزاتهم بمثابة صداع في رأس وزارة الداخلية بعد ثورة 25 يناير، بعد تحولهم من أداة للقمع أو عصا غليظة في يد السلطة لتنفيذ القانون تعمل تحت السيطرة إلى مصدر تهديد لضباط وقيادات الوزارة يخشون الصدام معهم.


بداية القصة


ووفقا لتاريخ نشأة معهد أمناء الشرطة، فإن الهدف الأساسي من إنشائه في عام 1967م على يد وزير الداخلية شعراوي جمعة، هو تخريج رجل شرطة بديلا عن "الكونستبلات" من راكبي الخيول، يكون قادراً على معاونة الضباط في السيطرة الأمنية.

وكان من أسس الالتحاق بالمعهد، أن يكون الطالب حاصلاً على الثانوية العامة أو ما يعادلها، ثم يلتحق بمعهد أمناء الشرطة لمدة عامين يدرس خلالهما المواد الشرطية والحقوقية ويتم بعدها تخريجه على درجة أمين شرطة ثالث، ويتدرج من ثالث إلى أمين ثان ثم أمين أول، وبذلك يكون مرَّ على خدمته 15 عاماً وبذلك يكون من حقه الترقية لرتبة ملازم شرطة.

وأصبحت تلك الفئة عصب الوزارة بعد وصول أعدادهم إلى أكثر من 400 ألف أمين شرطة، بمعدل 10 أضعاف عدد ضباط الشرطة، حسب العقيد محمود قطري الخبير الأمني الذي أكد أنهم ينتشرون في كل قطاعات الوزارة ومفاصلها الحيوية. ولكنهم ظلوا تحت السيطرة في ظل حزمة إجراءات رادعة فرضتها الدولة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك لمن يفكر أن يخرج منهم عن سيطرة الوزارة، وخاصة بعد واقعة انتفاضة جنود الأمن المركزي الشهيرة التي وقعت في العام ١٩٨٦.


الخروج من القمقم


بعد ثورة يناير 2011، مارس الأمناء ضغوطاً كبيرة، وحصلوا على العديد من المكاسب، كان أهمها تطبيق قانون الالتحاق بكلية الشرطة بعد الحصول على ليسانس الحقوق، حيث كان هناك تعنت من وزارة الداخلية إزاء هذا الأمر، وكذلك إلغاء المحاكمات العسكرية لأمناء الشرطة والتي كانت بمثابة السيف المسلط على رقابهم.

العقيد محمود قطري الخبير الأمني، يقول لـ"هافنغتون بوست عربي" إن النظام الشرطي في مصر حرص على أن تكون تلك الفئة صاحبة الوجه القمعي أمام الرأي العام، خاضعة للسيطرة رغم قوتهم العددية والتنفيذية في الشارع، وهي معادلة ولدت شعور القهر والكراهية لدى فئة الأمناء تجاه ضباط الشرطة، خصوصاً في ظل شعورهم بأن الضابط يستمد قوته الفعلية من قوة أمين الشرطة في الشارع.

وأضاف أن ما زاد من هذا الشعور تعنت الدولة في عهد مبارك بمسألة تصعيدهم داخل الهرم الأمني بمنع تدرجهم إلى فئة الضباط، رغم أن القانون يمنحهم هذا الحق، وإخضاعهم لسطوة حديدية من محاكم عسكرية لأتفه الأسباب.

وأكد قطري أن قيادات الداخلية بدأت تشعر بخطر الأمناء بعد ثورة 25 يناير، خاصة وأن الأمناء هم الذين تعرضوا للخطر على الأرض في مواجهة الشعب والثوار، وأن الضغوط التي مارسها الأمناء بعد الثورة مكنت عدداً كبيراً منهم من التحول إلى شريحة ضباط الشرطة، ووصل الأمر إلى أن أصبحوا يمثلون ثلثي عدد الضباط العاملين بالجهاز، بالمقارنة بمن تخرج من كلية الشرطة. ما يعني أن للأمناء ظهيراً يدافع عنهم من الضباط من زملائهم القدامى الذين ترقوا في المهنة.

ويقول الخبير الأمني إن المعادلة تغيرت أمام قيادات الداخلية، الذين أصبحوا في حالة قلق من فئة الأمناء جعلتهم يفكرون في التخطيط للتخلص منهم، أو إضعاف سلطتهم، خصوصاً بعد أن أظهرت تلك الفئة ترابطاً وتنسيقاً كبيرين لم تتخيله قيادات الوزارة، تمثلت في الائتلافات التي تم تكوينها عقب ثورة 25 يناير وقدرتها على الحشد، وجرأتهم التي وصلت إلى غلق أقسام الشرطة واحتجاز بعض الضباط بداخلها.

وكشف أن التخطيط لإلغاء نظام أمين الشرطة بدأ بالفعل من عدة سنوات، وذلك بعد إيقاف تخريج الأمناء منذ 3 سنوات تقريباً، وتعويض تلك الشريحة في هيكل الأفراد بالوزارة باستبدالها بفئة "مندوبي الشرطة" أو معاوني الشرطة، من الحاصلين على الإعدادية.


خروج عن السيطرة


ويشير العديد من المحللين السياسيين في مصر، إلى أن العامين الماضيين شهدا ارتفاع نسبة الجرائم التي يقوم بها أمناء الشرطة في مصر، وذلك بالتوزاي مع السلطة المطلقة التي منحها النظام المصري لجهاز الشرطة لقمع المظاهرات المعارضة له.

"هافنغتون بوست عربي" رصد كيف تعددت جرائم "دولة حاتم" -نسبة إلى شخصية أمين الشرطة في فيلم "هي فوضى" للمخرج يوسف شاهين- في تقريرها الذي نشرته منذ يومين.

حيث يقول العميد خالد عكاشة، الخبير الأمني، إن تجاوزات أمناء الشرطة باتت ظاهرة، فلا يمر أسبوع من دون وقوع حوادث انتهاك وتجاوزات من جانبهم، "الأمر يحتاج إلى وقفة مهمة، وأصبح من الملحِّ مراجعة كل القوانين واللوائح التي صدرت عقب ثورة يناير، وجعلت ترقية الأفراد إلى أمناء شرطة بشكل أوتوماتيكي بعيدًا عن التأهيل أو النظر في مدى قدرتهم على القيام بالمهام المطلوبة منهم".

وأكد عكاشة في تصريحات خاصة، أن تصاعد الغضب الشعبي، سيجبر وزارة الداخلية على إعادة النظر في وضع الأمناء والتعجيل بوضع آلية جديدة وحديثة، للتعامل مع كل من يقومون بمساعدة الضباط على أداء وظيفتهم، وأن يكون التصور والفلسفة شاملين بما يضمن وضع ضوابط جديدة للمحاسبة والتأهيل، وذلك لضمان قيامهم بالمهام المطلوبة.


خريف الغضب مستمر


hatmlazmythakm

ويبدو أن خريف الغضب تجاه انتهاكات أمناء الشرطة لن يتوقف عند غضبة الأطباء، أو تصعيد أهالي الدرب الأحمر المؤقت، وذلك بعد انتشار دعوات التظاهر ضد الداخلية، وظهور حملتين يحملا الشعار نفسه "حاتم لازم يتحاكم"، تدعو الأولى للتظاهر على سلم نقابة الصحفيين يوم 26 فبراير/شباط، فيما حددت الثانية موعد التظاهر يوم 25 مارس/آذار، ووصل عدد الذين أعلنوا عن نيتهم المشاركة في كليهما أكثر من 50 ألف شخص، فيما أبدى أكثر من 170 ألف شخص اهتمامهم بتلك الدعوات، وذلك في غضون 48 ساعة فقط من انطلاقها.

وتأتي تلك الدعوات الجديدة مع استمرار حملة الأطباء التصعيدية ضد الداخلية، وبدأ التصعيد على الأرض بتنظيم وقفات احتجاجية بالمستشفيات منذ أمس السبت، مع انتقال موجة الغضب إلى مجلس النواب، وإعلان الدكتور سمير غطاس، عضو المجلس عن نيته جمع توقيعات من النواب، لتقديم طلب بإعادة هيكلة الداخلية وإغلاق معهد أمناء الشرطة، بعد أن أثبتت التجربة أن المعهد يضر بمصلحة الأمن ووزارة الداخلية.

فيما طالب النائب محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية، بإقالة وزير الداخلية، بعدما وصفه بالانهيار المخيف في مستوى الانضباط وضبط النفس بين أفراد جهاز الشرطة، وفي ظل التجاوزات التي لم تعد قاصرة على الشق الجنائي فقط، وإنما امتدت لتشمل تجاوزات أخرى كثيرة تتعلق بالأمن السياسي تحت شماعة "الظروف الاستثنائية" التي تمر بها البلاد.


تحرك عكس مطالب الثورة


ويبدو في الأفق أن قيادات الداخلية تسعى للاستفادة من موجة الغضب الشعبي وتسريع خطة إبدال "حاتم" الحاصل على الثانوية، الذي خرج عن السيطرة، بـ"حاتم" الحاصل على الإعدادية، مع إعادة القبضة الحديدية مرة أخرى لإخضاع الأمناء داخل الخدمة، مع الظهور أمام الرأي العام بشكل مُرضٍ، رغم أن هذا التحرك يختلف تماما عن تصورات إعادة هيكلة الوزارة بعد ثورة 25 يناير.

هذا الأمر كشفته التقارير الإعلامية التي نشرتها المواقع المصرية عقب بيان الرئيس عبد الفتاح السيسي، والذي أعلن من خلاله عن إدخال تشريعات خلال 15 يوما لعودة الإنضباط داخل المؤسسة الأمنية، وكشفت التقارير عن السيناريو المطروح، وذلك بالتوسع في الاستعانة بـ"معاونى الأمن" للاستغناء سريعا عن أمناء الشرطة مع مرور الوقت.

وأعلنت الداخلية بدء تلقى الطلبات لتلك الوظيفة وفقًا لأسس ومعايير، منها أن تتراوح أعمار المتقدمين بين 19 و23 عامًا، ومن حملة الشهادة الإعدادية، وأن يقضي 18 شهراً دراسيًّا، يتخرج بعدها بوظيفة معاون أمن ثالث، قابل للترقى حتى درجة معاون أمن أول فقط.

وهنا يقول اللواء محمد الغباشي نائب رئيس حزب حماة الوطن، والخبير الأمني والعسكري، إن فكرة "المعاون" كانت أحد أهم مطالب إعادة هيكلة وزارة الداخلية بعد ثورة يناير، ولكن كان الهدف أن يكونوا من خريجي كلية الحقوق، ويحصل الخريج على مزايا ضابط الشرطة المالية من دون الحصول على لقب الضابط.

وأكد الغباشي لـ"هافينغتون بوسيت عربي"، أن الدراسات والخطط التي تم إعدادها من الجهات المختلفة اتفقت على أن يكون هؤلاء هم العناصر الأساسية الذين يتم توزيعهم على جميع أماكن التعامل مع الجماهير بوزارة الداخلية، سواء في قطاع المرور والسجل المدني والجوازات، أو في قطاعات شرطة المرافق والكهرباء، وبقية الخدمات التي تقدمها الوزارة وتتطلب تواصلاً مباشراً مع الجمهور، على أن يكون ضباط الكلية هم القوة المسلحة، والخاصة بالأمن العام والأمن المركزي وأمن الدولة، ويتم إبعادهم عن الجمهور.