الشومة الصعيدية رمز النبل والشهامة والرقص والبهجة.. تراث يتجدد

تم النشر: تم التحديث:
TAHTIB
social media

لم يترك الأهلون من نبل العصا.. في لعبة التحطيب ميراثا لأوغاد الزمان النذل.. هل رجلٌ وضربته تجيء من الوراء؟!

بهذه السطور الشعرية لخّص الشاعر المصري الراحل محمد عفيفي مطر لعبة التحطيب وجوهر العصا في يد لاعبها، بأنها عصا نبيلة لا تضرب منافساً من الظهر وإلا فقد اللاعب رجولته وكبرياء المنافسة.

عفيفي الذي كتب قصيدته "هلاوس ليلة الظمأ" كان يتهم العصا في يد رجال الأمن في السجن بأنها بلا نخوة، وأفرد القصيدة لسرد قصة لعبة التحطيب في قريته بدلتا مصر ومفتخراً بنسبه لهؤلاء الرجال الذين جعلوا من عصا التحطيب أداة للبهجة ورمزاً للنبل.


الذراع الثالثة


وغير بعيد عن عفيفي، وإن كانت بلغة غير شاعرية ولكنها لا تخلو من رمزية يقول لنا لاعب التحطيب حسين الدالي: "العصا ذراعي الثالثة التي لا أستغني عنها ولي فيها مآرب أخرى.. فالعصا مذكورة في القرآن مع سيدنا موسى (وما تلك بيمنيك يا موسى قال هي عصاي اتوكأ عليها وأهشّ بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى).. ونحن في الصعيد نستخدم العصا كما أشار إليها النبي موسى.. نتوكأ عليها وخاصة عندما تدركنا الشيخوخة فتصبح العصا ساقاً ثالثة وذراعاً تسند تقوس الظهر وانحناء البدن، ونهش بها على الغنم ونقود بها الماشية في الغيطان ولنا فيها مآرب أخرى.

العصا ذراع الصعيدي في مصر يحملها أينما ذهب؛ تساعده في حياته ولا تفارقه في المناسبات الاجتماعية كرمز للرجولة والقوة، بل ويرقص بها فى الأفراح والموالد، ويستخدمها فى اللعب والترفيه. إنها معشوقة أهالي صعيد مصر.. "الشومة" أو "الزقلة".

عصا غليظة تنتشر بقوة عند أهالي الصعيد "جنوب مصر"، ولم يُعرف بعد على وجه التحديد الحقبة الزمنية التي بدأت بالانتشار فيها، إلا أن المؤكد أنها كانت موجودة في العصر الفرعوني حيث تظهر في نقوش جدران المعابد.


مباريات للمبارزة


وبحسب دراسة قدمها الباحث الدكتور حسام الدين محسب عن لعبة التحطيب في مصر، فإن المؤرخ اليوناني القديم هيرودوت أشار في كتاباته عن مصر أن ثمة مباريات للمبارزة بالعِصي، وأن المتبارين كانوا يصيب بعضهم بعضاً بإصابات قاتلة"..ولو أنه لم يسجل فى التاريخ المصري القديم أية إشارة لوقوع حوادث مؤسفة نتيجة لتلك المباريات، التي كانت أشبه بمعارك غايتها النيل من الخصم بإصابته بضربات، قد تكون مؤثرة أو عديمة التأثير".

ويرى الباحث في كتابه أن التحطيب أو المبارزة بالعصي بقصد اللعب حتى صار جزءًا أساسيًّا من تقاليد الصعيد المصري، فهو إحدى المهارات التى يتعلمها الشاب، مثله مثل حمل السلاح، مع اختلاف الوظيفة. "فالتحطيب بالدرجة الأولى له وظيفة تسلية، أما حمل السلاح وإطلاق النار فله وظيفة قتالية بالدرجة الأولى، وخاصة فى مسائل الثأر والدم.
لرقصة التحطيب أصول فرعونية، وللتحطيب نفسه وظائف متعددة أيضا، وأهمها: أنه علامة على القوة والفتوة، كما كان سلاحاً حربيًّا في وقت من الأوقات. ولكنه الآن لعبة من ألعاب التسلية في أوقات السمر والفراغ وفي الأفراح الشعبية".

ويضيف أن العصا هنا هي العنصر الأساسى فى رقصة التحطيب، "وقد بدأت اللعبة بالحطب وهو أعواد الذرة الجافة. واكتسبت اللعبة اسمها من هذا الأمر، ثم سرعان ما استبدلها المصريون بالشومة الغليظة، وهذه غير مستخدمة الآن لأنها تؤذي، وتسمى العصا الغشيمة أو شوم محلب، أي شومة شديدة مكسورة من الشجرة بالقوة، ويستخدمون بدلاً منها عصا من الخيزران، التي يبلغ طولها حوالي 180سنتيمتراً، وهذا الطول يجعلها صعبة المراس على أي راقص بحيث تكشف مدى قدرة اللاعبين في الإمساك بها والرقص أو استخدامها في الضرب".

ومن قواعد لعبة التحطيب -بحسب الباحث محسب- إنها تبدأ بالتحية فليس الأمر معركة، بل مباراة. ثم يبدأ الراقص المفرد رقصة لاستعراض مهاراته ويبدأ الراقص الثاني رقصته أيضا، ثم يبدأ النزال بحركات كمحاولات للهجوم ومحاولات لصدها والفوز يحتسب عندما يلمس اللاعب رأس منافسه.

t ahtib


آداب التحطيب


ومن آداب التحطيب أيضاً أنه إذا رأي الجمهور أن اللاعبين توترت أعصابهم وتحول التنافس إلى شد عصبي قد يفسد جماليات اللعبة وأخلاقهم، فمن حقهم التدخل وإيقاف اللعب ويطلقون كلمة (سو) التي تعني أخد العصا من اللاعبين حتى تهدأ أعصابهم.

وكما قال عفيفي مطر في سطره الشعري، لا يجوز للاعب التحطيب أن يضرب من يدير له ظهره، فاللعبة تقوم على الفروسية التي لا تتم إلا بمواجهة الخصم.

وربما كان لأبناء الصعيد الذين نزحوا إلى الأحياء الشعبية في القاهرة، أثر في انتشار ظاهرة الفتوات، التي رصدها بعبقرية كبيرة الروائي الراحل نجيب محفوظ، وخاصة في روايته الشهيرة الحرافيش، والتي يقوم فيها الفتوة بالدفاع عن أهل حارته، ولا بد له من أن يكون بارعاً في اللعب بالعصا واستخدامها في القتال.

وإذا كان زمن الفتوات الذي وظفه نجيب محفوظ للحديث عن العدل قد انتهى، فإن "الزقلة" لم تنته، حيث يقول محمود عزمي سويفي، الذي يملك ورشة لتصنيع الأخشاب بمحافظة أسيوط بصعيد مصر، إن هناك أقبالا من أبناء الصعيد على شراء "الزقلة" سواء التي تلك التي يتم تصنيعها بشكل يدوي فى ورشته أو التي تُباع جاهزة فى الأسواق.

rahtib

صورة أرشيفية لمحمود سويفي في ورشته لتصنيع الأثاث والعصا

وعن سعرها وخامتها يقول سويفي " أستخدم الخشب الزان فى صناعة الشومة حتى تكون ثقيلة الوزن وقوية ورشيقة في الوقت نفسه. ويترواح سعرها بين 50 و 300 جنيه مصري".


قوة ورجولة ورياضة


ويلخص زايد الصعيدي أحد أبناء سوهاج حبه لاستخدام "الشومة" بأنها عادة ورثها من أجداده كما أنها تعطيه القوة والهيبة والمظهر المناسب فى بلدته أمام عموم الناس، بجانب أنها تساعده في الدفاع عن نفسه إذا تشاجر مع أي شخص، على حد قوله.

said


ويضيف الصعيدي وهو يلوح بالعصا في الهواء: "مسك العصايا عز وقيمة وسط الأحباب.. أصلها فى يد الكبير هيبه لا يعرفها سوى الرجال، والعصايا ليها معانا 100 حكاية و100 موال، ومن اعتاد على حمل العصايا لو سابها تلقى الحمل منه مال".

بينما أرجع محمد الشطوري حبه لحمل "الزقلة" للاستناد عليها فى الغيطان (الأراضي الزراعية)، بجانب ممارسته لعبة "التحطيب" مع ابن عمه زايد.

"أحب حمل الزقلة للرقص البلدي في الأفراح والموالد"، هكذا برر علي مصطفى الماوي من قرية الزيرة بمحافظة أسيوط حمله الدائم للعصا.. "جرت العادة فى الصعيد على الرقص بالعصا فى الأفراح تحت أنغام صعيدية ومزمار وطبل بلدي لكننا لا نعتدي بها على أحد".