سترثان الفوضى.. ديفيد هيرست يتنبّأ بمصير موسكو وطهران في أتون الحرب السورية

تم النشر: تم التحديث:
WRITER DAVID HIRST
SOCIAL MEDIA

أكد الكاتب الصحفي البريطاني ديفيد هيرست أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي نجح في استعادة موطئ القدم الروسية في الشرق الأوسط بعد شهور قليلة من غاراته الجوية التي رجحت كفة بشار الأسد على حساب المعارضة قد ورث أيضاً الفوضى.

وقال هيرست في مقال له نشرته صحيفة middleeasteye الخميس 18 فبراير/ شباط 2016 "ستكون الولايات المتحدة الأميركية هي أول من يخبر الروس بأن قانون التدخل الأجنبي الأول ينص على: إذا ما تسببت في تفكيك دولة فإنك تملكها.

وقال إذا كانت روسيا قد دخلت كقوة مقاتلة فاعلة، فإنها تملك الفوضى التي ترثها، حيث سيرث بوتين بلداً يعيش ما لا يقل عن 28% من سكّانه في مخيمات لجوء في الخارج في كل من تركيا ولبنان والأردن.

ويرث حرباً أهلية تدخل عامها السادس تسببت في مقتل وإصابة أعداد من المدنيين تفوق بمراحل تلك الأعداد التي سقطت جراء الغزو الأميركي للعراق.

هيرست أكد أيضاً أن بوتين سيرث ساحة تعمقت فيها جذور التيارات الدينية المتطرفة المقاتلة، ويرث المسؤولية عن قنابل البراميل التي يلقي بها نظام الأقلية على رؤوس المدنيين من أبناء الأغلبية السنية، مما تسبب في الدفع بأمواج من اللاجئين نحو الحدود.

وخلص هيرست إلى أن الصراع في سوريا لا يتعلق بنزاع على الأرض، ولن يحله تقسيم البلاد وتجزئتها، وإنما يتعلق بالسلطة وبالهوية وبمن يمثل ويحمي المسلمين السنة.

وأضاف "لا روسيا ولا إيران لديهما استراتيجية للخروج من هذه الورطة. فإحداهما تمثل الأرثوذكسية المسيحية بينما تمثل الأخرى الثيوقراطية الشيعية الأصولية، ولا يملك أي منهما السلطة أو الإذن بالإملاء على العرب السنة كيف يحكمون أنفسهم في أرضهم".


طالع نص المقال


منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، ساد التباين في العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة. أيّاً كان المزاج، لقد تأرجح البندول من حالة من الشغف الشديد بالغرب وأنماط الحياة فيه إلى التعبير عن مشاعر قومية في غاية العداء له، لم تتوقف نخبة السياسة الخارجية الروسية عن إعطاء الجماهير الغربية محاضرات من الوعظ ملوحة في وجوهها بإصبع التنبيه والتحذير. ويتعمّق إحساس روسيا بالغدر والخيانة لأن اعتبار الروس أوروبيين يمثل بالنسبة لهم قضية هوية.

والتباين في هذا الخطاب واضح: لقد خرج الغرب من قاعة المحاضرات. ولكم نطق الرؤساء المتعاقبون في الولايات المتحدة الأميركية بصيغ (لم يكونوا هم مقتنعين بها) مفادها أن روسيا قوّة عظمى، رغم أنهم لم يترددوا في خرق المعاهدات معها. لقد تعاملت واشنطن مع أوكرانيا على أنها قضية أوروبية، والولايات المتحدة أكثر قلقاً حول طموحات بكين في بحر الصين الجنوبي.

يمكن للشريك المهمل أن يتسبب من حين لآخر بإلحاق أضرار تفوق تلك التي يتسبب بها الخصم. فزعيمٌ مثل فلاديمير بوتين، الذي يستقي من بئر راكدة من القومية الروسية (من النوع الذي عبر عنه لاعب نادي لوكوموتيف في مباراة الدوري الأوروبي التي أقيمت في تركيا)، يحتاج إلى استراتيجيات أخرى لجلب الاهتمام على مسرح السياسة الدولية. ومثل ذلك تلك الصواريخ التي يطلقها كيم جونغ أون في الهواء ليذكر جيرانه بأن كوريا الشمالية ماتزال موجودة.

لقد تحقق ذلك لبوتين في سوريا. فخلال شهور قليلة وقصيرة تمكنت الغارات الجوية الروسية من ترجيح كفة الحكومة في الحرب الدائرة بين قواتها وقوات المعارضة، وتمكنت روسيا من اغتيال عدد من قادة المعارضة، وسعت إلى إملاء من ينبغي أن يعتبروا معارضة سورية شرعية ومن لا ينبغي أن يصنفوا كذلك. وفرضت روسيا نفسها لتصبح جزءاً من التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة وضمنت مقعدها في كل منتدى دولي طرحت فيه قضية سوريا للنقاش.

حينما يتعلق الكلام بسوريا، يتوجب على وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن يتبادل الرأي بشكل منتظم مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، بغض النظر عمّا إذا كان يعتقد بأن لافروف، أم رئيس الاستخبارات العسكرية الروسي، له أي نفوذ على الرئيس السوري بشار الأسد. ولربما لا يتمتع أي من الرجلين بمثل هذا النفوذ على أية حال.

والنتيجة هي أن الزعماء العرب ذهبوا، الواحد تلو الآخر، للإعراب عن إجلالهم لموسكو، كانت البداية مع مصر والأردن ودولة الإمارات العربية المتحدة. ثم جاء الدور في يناير على أمير قطر، وما لبث ملك البحرين حمد بن عيسى أن لحق بهم حين أهدى بوتين "سيف النصر" المصنوع من الفولاذ الدمشقي. بوتين دعا ضيفه إلى التزلج معه على سفوح سوتشي. ولعل الملك حمد لم ينتبه إلى أن تلك كانت مقبرة لشعب مسلم آخر، هم الشركس، كانت قد أبادته عن بكرة أبيه روسيا القيصرية. على كل حال، اعتذر الملك البحريني عن قبول الدعوة.

لقد تمكن بوتين في سوريا من استعادة موطئ القدم الروسية في الشرق الأوسط والذي جرى التخلي عنه من قبل حينما خضع رئيس وزرائه، ديمتري ميدفيديف، للتدخل الذي قاده تحالف الناتو في ليبيا.

تلك كانت، حينها، استراتيجية بوتين للدخول ، فما هي استراتيجيته للخروج يا ترى؟

ستكون الولايات المتحدة الأميركية هي أول من يخبر الروس بأن قانون التدخل الأجنبي الأول ينص على ما يلي: إذا ما تسببت في تفكيك دولة فإنك تملكها. إذا كانت روسيا قد دخلت كقوة مقاتلة فاعلة، فإنها تملك الفوضى التي ترثها.

وها هو بوتين يرث بلداً يعيش ما لا يقل عن 28 بالمائة من سكانه في مخيمات لجوء في الخارج في كل من تركيا ولبنان والأردن. ويرث حرباً أهلية تدخل عامها السادس تسببت في مقتل وإصابة أعداد من المدنيين تفوق الأعداد التي سقطت جراء الغزو الأميركي للعراق. ويرث ساحة تعمقّت فيها جذور التيارات الدينية المتطرفة المقاتلة. ويرث المسؤولية عن قنابل البراميل التي يلقي بها نظام الأقلية على رؤوس المدنيين من أبناء الأغلبية السنية، مما تسبب في الدفع بأمواج من اللاجئين نحو الحدود. رغم أن الأردن حليفٌ لروسيا إلا أنه يحمل على عاتقه عبء المأساة الإنسانية التي يولدها التدخل الروسي في سوريا. وإذا استمر معدّل تهجير المدنيين تحت سطوة الهجمات التي تشنها قوات الحكومة فإن نصف السكان قد يكونون خارج بلدهم قريباً.

ما هي الفرص الآنية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في مثل هذه الظروف؟ صفر. وما هي فرص التوصل إلى مصالحة بين السنة والشيعة؟ اسألني عن ذلك مرةً أخرى بعد عشرة أعوام.

لقد باتت سوريا الموحدة هي الاحتمال الأبعد نتيجة للضغوط المادية الهائلة التي تمارس عليها، وفي أفضل الأحوال سوف تتجزأ سوريا إلى ثلاثة قطاعات: دولة كردية في الشمال، ودولة علوية في الغرب، وصحراء سنية شاسعة ستنطلق منها الهجمات التي ستجد لتنفيذها معيناً لا ينضب من المتطوعين الانتحاريين. بفتح الطريق أمام قوات الأسد، تفكك روسيا سوريا إلى قطع صغيرة مثل تلك التي تتكون منها ليبيا الآن.

خارطة سوريا ليست نتاجاً عارضاً لحرب استمرت خمسة أعوام، وليست أيضاً نتيجة حصرية لوصول المقاتلين المتشددين وانخراطهم في صفوف تنظيم الدولة وجبهة النصرة. وإنما هي امتداد طبيعي للاستراتيجية التي انتهجها الأسد لقتال ما كان في البداية مجرد حركة احتجاجية سلمية متعددة الأديان والمذاهب.

متعددة الأديان؟ نعم، بالتأكيد، هكذا كانت. لقد طواها النسيان الآن، ولكن شعارها في مارس 2011 كان: "الله واحد، الشعب السوري واحد".

يقول ميشيل كيلو، المعارض السوري من اللاذقية والمنفي إلى باريس، متذكراً كيف تفاعل المجتمع المسيحي مع الأحداث في درعا في عام 2011:

"كانت الثورة حينها في ربيعها. وكانت سلمية. كانت تأخذ شكل مهرجان وطني، أو ما يشبه العيد. شارك فيها الجميع، وبأعداد متزايدة، رغم أن النظام بدأ باستخدام السلاح الحي ضد المتظاهرين. كان معظم المتظاهرين من الشباب، كان ذلك ما يمكن أن تطلق عليه وصف المجتمع المدني. المسيحيون انتهجوا سبيلاً آخر، كان الشباب منهم منخرطين في الثورة، أما المسيحيون من الطبقة الوسطى فوقفوا على الحياد أو لم يتخذوا قراراً بعد، وأما زعماء الكنيسة فكانوا بأعداد كبيرة مع النظام. ولقد قام أحد نواب البطريرك باستدعاء جهاز المخابرات للقبض على الشباب الذين توافدوا على مكتبه للاحتجاج على موقف الكنيسة، وذلك على الرغم من أنه لم يكن حينها ثمة ما يظهر أن رجال الدين الأرثوذكس كانوا يقفون في صف النظام. أما رجال الدين الكاثوليك والمارونيون فكانوا مع النظام رغم أنهم كانوا باستمرار يشكون من أن النظام كان يفرض عليهم اتخاذ موقف واضح لصالحه".

وانطلاقاً من صداقته وعلاقته الوثيقة بالبطريرك الأرثوذكسي، حاول ميشيل كيلو إقناعه بتغيير موقفه. ويقول في ذلك: "كانت العلاقة بيننا جيدة. طلب مني تزويده بتقارير شهرية حول الوضع في سوريا. وحينما وقع اعتقالي اتصل ببشار الأسد وطلب منه إطلاق سراحي، وقال لزوجتي: "الحزب الواحد لا يرى أحداً سوى ذاته، وجميعنا سجناء عند بشار"، هذا ما قاله لها. وأنا من طرفي قلت له إن المجتمع السوري سينطلق مع الربيع العربي وأنه يتوجب على الكنيسة أن تتخذ موقفاً مناهضاً للعنف وأن تدعو إلى حل ما وأن تحول دون إطالة الأزمة، لأن النظام اختار أن يستخدم العنف ضد الشعب".

سألته، وقلت له: "يا صاحب العطوفة، لو أن يسوع المسيح كان هنا الآن، ففي أي جانب سيقف؟ هل سيكون داخل الدبابة يطلق النار على الناس ويقتلهم أم سيكون منخرطاً في صفوف المتظاهرين يطالب بالحرية؟ إذا كنت لا تستطيع الدفاع عن حرية السوريين، فإن عليك التنحي، لكن، من المحزن أن قيادة الكنيسة لم تتجاوب".

جورج صبرا، المسيحي الأرثوذكسي، الذي أصبح أول رئيس للمجلس الوطني السوري، وبرهان غليون، السني الذي أصبح رئيس المجلس الوطني الانتقالي، وفدوى سليمان، الممثلة المتحدّرة من أصول علوية، هؤلاء كانوا الوجوه غير الطائفية للربيع العربي في سوريا.

لقد شكل إقبال الناس من كل الطوائف والمذاهب على المشاركة في الحركة الاحتجاجية تهديداً قاتلاً للنظام الاستبدادي العلماني، فشهر الأسد كافة الأسلحة المتوفرة لديه واستخدم كافة الوسائل المتاحة لإقحام الحراك الشعبي السلمي في نفق الطائفية. فكما هو موثق بشكل جيد، عمد الأسد إلى إطلاق سراح الجهاديين المتشددين من سجن صيدنايا، والذين ما لبثت أعدادهم أن تضاعفت إثر الهروب الجماعي بعد ذلك بعامين من سجن أبو غريب في العراق. وحينما استولت جبهة النصرة على مدينة إدلب قام سلاح الجو التابع للأسد بقصف الأحياء المسيحية في المدينة، كما هو موثق بالصوت والصورة. كما استخدم النظام الشبيحة، وهم عناصر علوية مسلحة، لارتكاب فظائع طائفية ضد القرى السنية، وما كان من المليشيات الإيرانية وحزب الله إلا أن أتموا مهمة تحويل صراع وطني إلى نزاع طائفي.

لقد أتت استراتيجية الأسد أكلها، حيث تمكن من إنشاء واقع بإمكانه أن يبقى بسببه على قيد الحياة ولكنه واقع يستحيل بسببه أن تبقى سوريا كياناً واحداً موحداً. كان هذا الثمن الذي دفعه الجميع.

بالنسبة للمتطرفين المتدينين، تشكِّل سوريا حلماً تحقق: أرض مقطعة الأوصال، ونبع لا ينضب من السنة المحبطين والمتظلمين، وانقسام، وكل قوى الأرض تتداعى عليك وتسعى بلا جدوى إلى قهرك. وهنا تكمن الخطيئة الكبرى التي يرتكبها بوتين ومعه قوات الحرس الجمهوري الإيراني إذ يزجون بقواتهم في أتون القتال داخل سوريا.

لا يتعلق الصراع بنزاع على الأرض، ولن يحلّه تقسيم البلاد وتجزئتها، وإنما يتعلق بالسلطة وبالهوية وبمن يمثل ويحمي المسلمين السنة. لا روسيا ولا إيران لديهما استراتيجية للخروج من هذه الورطة. فإحداهما تمثل الأرثوذكسية المسيحية بينما تمثّل الأخرى الثيوقراطية الشيعية الأصولية. لا يملك أي منهما السلطة أو الإذن بالإملاء على العرب السنة كيف يحكمون أنفسهم في أرضهم، وستظل القوتان في نظر أغلبية السكان قوتين أجنبيتين، وسوف تقابلان بالمقاومة نفسها التي قوبلت بها القوى الأجنبية الغازية التي سبقتهما.