"الرقة تُذبح بصمت".. وردة سوريا البيضاء التي تقاوم "داعش" بالإنترنت

تم النشر: تم التحديث:

في نهاية مسرحية "حياة جاليليو" للشاعر والكاتب المسرحي "برتولت بريشت" يدور حوار بين "أندريا سارتي" وهو أحد طلاب "جاليليو" وعالم الفلك الشهير، يقول فيه أندريا: "ويل للأمة التي لا أبطال فيها!"، فيرد جاليليو قائلاً: "بل الويل للأمة التي هي في حاجة إلى أبطال".

يستعين "مايكل وولفسون" وهو مؤرخ ألماني بمقولة جاليليو عند إشارته إلى سوريا، بوصفها: "أرضاً تعيسةً بسبب من ماتوا ومن يموتون، وهي بحاجة إلى أبطال ليستعيدوا إنسانيتها". كما يرى أن اليأس من جدوى المقاومة -في المجتمعات التي تتعرض للإرهاب- لا ينتقص من أهميتها وفدائيتها، بل أحياناً مايكون اليأس من الخصائص المميزة للمقاومة البطولية، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

"عبد العزيز الحمزة" الشاب الجالس إلى جوار "وولفسون" في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية في برلين، دعم تأملات المؤرخ وآراءه، وقال: "لسنا اليوم بحاجة إلى المقاومة في ألمانيا لأنها دولة حرة" وأضاف: "المقاومة هي الاستعداد لتحمّل مخاطر شخصية قد تكون مميتة ".

وهذا مافعله "الحمزة"، وهو شاب سوري في 24 من عمره، ابن مدينة "الرقّة"، معقل تنظيم الدولة الإسلامية، حين غادر سوريا منذ عامين في شهر إبريل/ نيسان عام 2014 قام بتأسيس منظمة مقاومة سماها "الرقة تُذبح في صمت" (آر بي إس إس)، والتي قتلت "داعش" 4 من أعضائها. يقول الحمزة أنه كان في زيارة لمدينة "أورفا" جنوب تركيا في نوفمبر/تشرين الثاني للكتابة عن جرائم القتل التي استهدفت أعضاء الحملة، ومن ضمنهم "إبراهيم عبد القادر" 22 عاماً، الذي كان يعمل على توثيق ونشر فظائع "داعش" في الرقّة من خلال الإترنت والتقارير الصحفية.


"لن نتوقف فقد مات المزيد"


وقال الحمزة: "لن نتوقف، فقد مات العديد من أصدقائنا وأفراد عائلاتنا، لن يوقفنا شيء سوى أن تقتلنا داعش جميعاً، أو أن نعود إلى ديارنا". لن توقف المنظمة جهودها لفضح جرائم داعش، فالتوثيق هو نوع من مقاومة الشر، أما النسيان فهو إذن له بالمزيد من الانتشار والتوحش. وكما قال الشاعر البولندي تشيسلاف ميلوش: "الشاعر يتذكر، يمكنك أن تقتل واحداً، لكن سيولد غيره".

عقد "ولفسون" مقارنة بين مقاومة الحمزة ورفاقه وبين مقاومة "مجموعة الوردة البيضاء" للرايخ الثالث، والتي أسسها طلاب جامعة ميونخ عام 1942 وأستاذهم، حيث في مواجهة الموت المحقق؛ قاموا بتوزيع منشورات تندد بالنازية، جاء في أولها ما يلي:

"من منّا يملك تصوراً لحجم العار الذي سيلحق بنا وبأطفالنا عندما تنزاح الغشاوة من فوق أعيننا ويكشف ضوء النهار عن تلك الجرائم البشعة التي تفوق حدود كل تصور بشري."

أما حجم العار الذي سيلحق بالجُناة وكذلك المتفرجين على جرائم الحرب السورية لايزال غير معروف، لكنه سيكون ضخماً. هؤلاء المتفرجون الواقفون في صف الشر هم دائماً أغلبية، وهم مشاركون في الجريمة.

كثيراً مادار النقاش حول أصول نشأة داعش، تعقيد مواجهتها، طرق هزيمتها، قوتها الإلكترونية، لكن قليلاً ما تم التطرق لشرها الخالص، وتدنيسها للإنسانية وتمجيدها للموت (الذي يقوم الأطفال بتنفيذه أحياناً!)، ويرى كاتب المقال أن التركيز على هذا الجانب وعلى ازدرائها للإنسانية، ضروري للإشارة إلى ضرورة استئصالها الفوري، لكن لاتريد أية قوة غربية نشر جنودها لذلك الغرض، وهو ما يشير له بكونه " استسلاماً أخلاقياً"، بغض النظر عن أي شيء آخر.

على الرغم من أن داعش لا تتطابق مع الرايخ الثالث حتى وإن تطابق "غياب الاعتبار للحياة الإنسانية" لديهما، لكن أوجه الشبه بين الوردة البيضاء ومنظمة الآر بي إس إس قوية، كما قال المؤرخ ولفسون: "كانت الوردة البيضاء على علم بخسارتها منذ البداية، لكن تلك الخسارة ضرورية لإظهار أن الكرامة والإنسانية لا يمكن محوها بالكامل، وهو نفس الأمر بالنسبة لمجموعة الرقّة".


نفس الفعل ولكن باستخدام الإنترنت


وكما قام أعضاء الوردة البيضاء من قبل بتوزيع 6 منشورات قبل إعدامهم، يقوم أعضاء منظمة الرّقة بفعل الشيء نفسه لكن باستخدام الإنترنت والمنشورات الرقمية. وعلى وجود هذا العمل يتوقف بقاء إنسانيتنا.

ويعيش الحمزة الآن منفياً في ألمانيا كما هو الحال بالنسبة لأغلب أعضاء المنظمة، بعد أن انتقل من تركيا حيث يكون تهديد داعش وإمكانية الوصول إليه عالية، وبعد أن قضى شقيقه الأصغر غرقاً في محاولة للهرب من سوريا، وقتل من قتل من أصدقائه وأفراد عائلته، وللمفارقة؛ انضم صديق له لداعش لاحتياجه للمال.

مضى عامان على ذلك كما قال حمزة. وأضاف: "إن القوى الغربية عقدت العديد من الاجتماعات وألقت الخطب ثم لم تفعل شيئاً، وعلى الرغم من تجاوز النظام السوري لكل الخطوط الحمراء، ومساهمته في صناعة داعش، فقدنا الأمل في أنهم سيقدمون شيئاً حقيقياً."

تحدثت النشرة الثانية من نشرات الوردة البيضاء عن أن مئات الآلاف من اليهود قُتِلوا على أيدي النازيين في بولندا في حين كان الألمان "يغطون في نوم متبلد لا مبالٍ، نومٍ غبي يشجع المجرمين الفاشيين على المواصلة."

ولاتزال الولايات المتحدة وحلفاؤها يغمضون أعينهم في لامبالاة، والخسارة في المقابل هي "الإنسانية".

هذه المادة مترجمة بتصرف نقلا عن موقع صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.