صحيفة بريطانية: كيف نجحت الإمارات في بناء أول "مدينة أشباح" للطاقة النظيفة في العالم؟!

تم النشر: تم التحديث:
YY
AP

قبل نحو 10 سنوات من الآن، أرادت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تبني مدينة تكون فريدة من نوعها بكونها الأولى عالمياً الخالية من انبعاثات الكربون، ولكن المدينة الخضراء تحوّلت إلى مدينة أشباح بعد عقد من الزمان حسب القصة التي ترويها صحيفة بريطانية.

في تحقيق مطوّل، زارت صحيفة "الغارديان" البريطانية مدينة "مصدر" المقامة بالقرب من العاصمة الإماراتية أبو ظبي، وتجولت في شوارعها الفارغة وزارت المسؤولين عنها الذين تغيرت بالنسبة لهم أهداف المشروع وخرجت بتقييم قاس في التقرير أدناه.

قالت الصحيفة إنه "بعد سنوات من الآن، سيشعر المارون بالقرب من مدينة أبوظبي، بمهابة "مدينة المستقبل" وحماقتها في الوقت ذاته، حينما سيجدون: أبنية مكتبية تكاد تكون خالية، وشوارع مهجورة، ومساحات شاسعة من الأراضي الخالية غير المأهولة، والأهم من كل هذا هو الحلم الضائع لمدينة خالية من الكربون".

وتضيف: فعندما وُضع التصور لمدينة "مصدر" منذ عقد من الزمان، كانت النية المعقودة أن يشهد العالم تفكيراً ثورياً فيما يتعلق بالمدن والبيئة المبنية، أما الآن فإن المدينة التي كان مخططاً لها أن تكون أول مدينة مستدامة بالعالم -المشروع الأهم والأبرز للإمارات بهدف إحداث تنوّع اقتصادي بعيد عن الوقود النفط- ستصبح قريباً أول مدينة أشباح خضراء يشهدها العالم.

ومع انتهاء هذا العام، وهو الموعد المحدَّد للانتهاء من بناء المدينة، تخلّى مدراء المشروع عن هدفهم الرئيسي في بناء أول مدينة خالية من الكربون على مستوى العالم.


مدينة غير خالية من الكربون


وتقول الصحيفة: اعترفت السلطات أن مدينة "مصدر" لم تقترب حتى الآن من الوصول إلى الهدف المنشود من بنائها؛ وهو التخلص الكامل من انبعاثات الغازات الدفيئة، وأنه لم تصل أية منطقة بالموقع المفترض للمدينة إلى هذا الهدف. وحتى بعد الانتهاء من تطويرها بصورة كاملة، فلن تصل إلى أن تصبح خالية تماماً من تلك الانبعاثات.

كريس وان، مدير التصميم لمدينة "مصدر" قال "لن نحاول أن نحشر الطاقة المتجددة بالمدينة من أجل تبرير الهدف الذي بنيت من أجله".

وأضاف قائلًا "واليوم نعلن أنها ليست الصورة المستقبلية لمدينة خالية تماماً من الكربون، لكنها خالية بنسبة تقترب من 50%".

وبحسب الصحيفة عندما ظهرت مدينة "مصدر" للنور في عام 2006، كان المشروع يوصف بأنه نموذج لمنطقة حضرية طبيعية خضراء متعددة الخدمات، أو بتعريف آخر: مدخلاً عالمياً لصناعة التكنولوجيا النظيفة، وذلك من خلال 50 ألف ساكن بالمدينة و40 ألف راكب.

وقد صممت شركة فوستر آند بارتنرز المدينة لتصبح مدينة خالية من السيارات، على نمط مسلسل الرسوم المتحركة الأميركي الشهير "ذا جتسونز"، ليتمكن الركاب من التحرك بين مباني الشركات من خلال سيارات كهربائية بدون سائق، بالإضافة لاستخدام الظلال والتقنيات الذكية بهدف مواجهة حرارة الصحراء الشديدة، وتقليل تكلفة تبريد الهواء.

وأشارت الصحيفة إلى أن شركة "مبادلة" للاستثمار وهي الشركة المملوكة لإمارة أبو ظبي،تعهدت بتوفير دعم مالي لنموذج التصميم المدني المتوقع أن يتكلف 22 مليار دولار.

ومع هذا لم يكتمل من المشروع بعد مرور عشرة أعوام سوى جزء صغير يقدر بأقل من 5% من "البصمة الخضراء"، على حد تعبير وان، والمقدرة بستة كيلومترات مربعة. أما تاريخ الانتهاء، فقد تم تأجيله إلى عام 2030.

وقد أرسيت القواعد الأهم لمدينة "مصدر"، إذ يأتي على رأسها المبنى مربع الشكل للمقر الرئيسي لشركة سيمنز بالشرق الأوسط، وكذلك برج رياح يبلغ ارتفاعه 45 متراً تغلفه مادة التيفلون ويوفر قنوات لتبريد الهواء، ويشرف على شارع يوفر الظلال للمارة ويحتوي على محل بقالة وبنك ومكتب بريد ومطعم وزوج من المقاهي.

300 شركة مثل جنرال إليكتريك للإبداع البيئي ولوكهيد مارتن لها تواجد رسمي، رغم اعتراف "وان" بتمثيل عدة شركات في نفس المكتب، في كثير من الأحيان.

ونوهت الصحيفة إلى أن الأمم المتحدة انتقلت العام الماضي إلى البناء الرئيسي الآخر، بالمقر الرئيسي للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) في المبنى المعدني المتلألئ.

اختارت إيرينا مدينة أبوظبي مقراً لها، بعد أن وعدت "مصدر" بإنشاء مبنى مستدام عالي الجودة. يستخدم المقرُّ ذو الستة طوابق ثلث الطاقة المُستهلكة في مباني المكاتب المماثلة في أبوظبي. وهذا بفضل العزل الجيد والمصاعد عالية الكفاءة. رفض التصميم أية مصابيح مُعلقة، وذلك لتشجيع استخدام الإضاءة الطبيعية، وطالب باستخدام سخانات المياه بالطاقة الشمسية على السطح.

وفقاً للمعايير الإماراتية، فكل من شركة سيمنز والوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) قد وصلتا لأعلى درجات الاستخدام الأمثل للطاقة – ولكن من غير الواضح كيف يمكن مقارنتها على مستوى عالمي.

فالإمارات تستخدم تصنيفاً خاصاً بها وحدها، ومن غير السهل إخضاعه لمقارنات دقيقة مع مواصفات المباني الخضراء المألوفة.


سلسلة إلغاءات


وبالإضافة إلى ذلك، فلا يوجد سوى ما يقارب 90 عاملاً يقطن مبنى الوكالة المكون من ستة طوابق بمساحة 32,000 متر. وكما ذكر المرشد السياحي، فكل العاملين بالمعسكر لا يتعدون 2,000 فرد.

كما لا يعيش في الموقع سوى 300 فرد فقط؛ هم جميع خريجي معهد "مصدر" للعلوم والتكنولوجيا الذين حصلوا على منحة للسكن والتعليم مجاناً.

تم إلغاء نظام النقل المستقل الريادي –والذي كان من المفترض أن يشمل 100 محطة- بعد أول محطتين فقط.

هناك محطة لمشاركة الدراجات الهوائية. وعلى الرغم من بعدها 10 أميال فقط عن أبوظبي، إلا أنه لا توجد أي مسارات للدراجات.

كما تم التخلي عن الدافع من وراء إنشاء مدينة مصدر، وهو إعطاء المثل على طراز الحياة الخضراء -الصديقة للبيئة-. يقول وان "نعم، كان الهدف الأصلي أن تصبح مدينة صفرية الطاقة – أي لا تستهلك طاقة من شبكة الكهرباء، لكن هذا عندما نظرنا للمدينة بمعزل عما حولها." بحسب الصحيفة.

وأكد أنه كان من المهم أن ننظر إلى مدينة "مصدر" في سياق امتلاك الشركة الأم لحيازات الطاقة المتجددة الأخرى. ومن بين مقتنيات شركة "مبادلة للتنمية" الأخرى، مزرعة الطاقة الشمسية "شمس" والتي تخدم مدينة مصدر.

وان يضيف "ما يتم تزويده من الطاقة النظيفة للمدينة، من الشركة المالكة –بصفتها شركة عائلية- أكثر بكثير مما تستهلكه بالتأكيد." ثم أضاف "كل ما أقوله هو أننا لا ننوي استخدام الحدود الفاصلة للمدينة، في محاولة للتحكم في الطريقة الأكثر كفاءة من حيث التكلفة لإنتاج الطاقة النظيفة، لأن الأموال المستثمرة في مدينة مصدر والأموال المستثمرة في شمس من نفس المصدر."

وتابع "في النهاية انا أقوم بما فيه الخير لهذا البلد ولكوكب الأرض، لأن ذلك أكثر كفاءة بكثير."


مشاريع الطاقة المستجدة


قادت الإمارات دول الخليج المنتجة للنفط -قبل فترة طويلة من انخفاض أسعاره- لتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري.

ينظر قادة البلاد ملياً لاحتمال نفاد المخزون المُقدر من الوقود الأحفوري في غضون 50 عاماً. ولذا استثمروا في مجال السياحة، والتكنولوجيا والطاقة المتجددة. واليوم، -وفقاً للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي ورئيس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة-، فحوالي 70٪ من الناتج المحلي الإجمالي مصدره القطاعات غير النفطية.

الدولة حريصة على أن يُنظر إليها كأحد الرواد في مجال الطاقة المتجددة والاستدامة، وتقوم بعقد اجتماعات دورية للقيادات لمناقشة مستقبلهم لفترة ما بعد النفط.

في يناير، قام رئيس الوزراء بكتابة تغريدة:

احتفالاً بآخر برميل من النفط –كما قال أخي محمد بن زايد-سوف نبني اقتصاداً مستداماً للأجيال القادمة.

وتقول الصحيفة إن الإمارات أنفقت 20 مليار دولار على محطة للطاقة النووية -لا تزال قيد الإنشاء-. ويُتوقع أن تنتج ما يقارب 25٪ من سعتها الكهربائية بحلول عام 2020. كما تبني الدولة ما وُصف بأنه أكبر مزرعة للطاقة الشمسية بالعالم في دبي، وهي في طريقها لتثبيت مولد كهرباء من الطاقة الشمسية على أسطح كل المنازل بالإمارة بحلول عام 2030.



انتقلت أول 25 عائلة إلى حي صفري الانبعاثات –لا تنتج عنه غازات ملوثة للبيئة- في دبي، مع وجود خطط لإنشاء فندق ومدرسة يعملان بالطاقة الشمسية. ويقول إيميل سمارة، أحد المُطورين "سواء أكنا في دولة نفطية أم لا، نحن بحاجة لرعاية الأرض والأجيال القادمة."

مع الضغط الناشئ من انخفاض أسعار النفط، زادت الإمارات من جهودها لتقليل اعتمادها على النفط، مع رفع الدعم عن الوقود الأحفوري ومحاسبة الإماراتيين -وليس فقط المغتربين – على المياه والكهرباء.


حلم صعب المنال


وبالنظر لأرض الواقع، فمدينة مصدر كانت حلما صعب المنال. فقد بدأت فرق العمل عام 2008، ولكن الخطط المُعدة سرعان ما تحطمت بسبب الركود الاقتصادي العالمي الذي سرعان ما تبعها، مما أدى لتعليق المستثمرين لأحلامهم الخضراء. يقول وان "كان هناك الكثير من الناس الذين يفكرون في الاستثمار في مدينة مصدر، ولكنهم قرروا أن يتمهلوا قليلاً."

وفي الوقت نفسه، حل التقدم التقني في قطاع السيارات محل نظام النقل الطائر. فالنظام عالي التكلفة لم يعد له معنى في ظل انتشار السيارات الكهربائية عديمة الانبعاثات على نطاق واسع. يقول وان: "قبل خمس سنوات، لم نكن نتوقّع السرعة التي سيتم تطوير السيارة الكهربائية بها".

لكنه أصرّ على أن "مصدر" لم تكن فشلاً ذريعاً، وقال "مصدر جزءٌ من عملية تطورية."

هذه المادة مترجمة بتصرف نقلا عن صحيفة الغارديان البريطانية.