سوريون على حدود تركيا: خطة وقف إطلاق النار "ساذجة".. واتفاقيات الهدنة لن تحقن دماءنا

تم النشر: تم التحديث:
SYRIA
صورة أرشيفية لسوريين على الحدود | ASSOCIATED PRESS

صباح اليوم الذي تلا إعلان الولايات المتحدة وروسيا خطة وقف النار في حرب سوريا المستمرة منذ 5 سنوات، أعرب عشرات اللاجئين السوريين المتجمعين قرب الحدود التركية، الجمعة 12 فبراير/شباط 2016، عن رأيهم الصريح بهذا القرار، فلدى سؤالهم إن كان القتال والقصف سيتوقفان، رفع الجميع رؤوسهم نحو الأعلى ثم إلى الأسفل مرة واحدة، في حركة سورية تعني "مستحيل".

تحت رذاذ مطر خفيف بارد يحاول رجلان سوريان أتيا إلى تركيا طلباً للرزق العبور من تركيا إلى سوريا من جديد لإحضار عائلتيهما إلى بر الأمان؛ غير أنهما وجدا نفسيهما عالقين كما هو حال عشرات الآلاف من المدنيين الفارين من القصف العنيف.


قوات بشار تواصل تقدمها


تواصل قوات الرئيس بشار الأسد تقدمها شمالاً صوب الحدود تغطيها في ذلك الضربات الروسية، في حين يرفض العرب والغرب الداعمون للمعارضة المسلحة زيادة دعمهم العسكري.

تركيا أيضاً ترفض فتح الحدود؛ وهكذا أضحت اتفاقية ميونيخ مجرد حبر على ورق كتبته حفنة دبلوماسيين في عاصمة أجنبية ما.

فيصل في الـ25 من العمر تحدث إلى النيويورك تايمز، دون الكشف عن اسم عائلته خوفاً على أقربائه في سوريا، فقال: "إن اتفاقياتهم التي يعقدونها هناك بعيدة كل البعد عن واقعنا هنا".

أما محمد سعيد البالغ من العمر 27 عاماً فقال إنه قبل ميونيخ كانت هناك 3 جولات من المحادثات العقيمة في جنيف، وآخرها كانت متهالكة مفتتة حتى قبل أن تبدأ، وأضاف بحركة من أصابعه الخمس: "جنيف 1،2،3،4، و5، ولا شيء يحدث".

وأضاف الرجلان أن المقترح لن يوقف القتال ولن يبدد المخاوف من اختراق تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) معاقل المعارضة، ولا من تهديد محاصرة قوات النظام للمزيد من المدن والقرى؛ كما استبعدا نهائياً أن يوقف المقترح حملة القصف الروسي التي دفعت الكثيرين إلى الهرب من ديارهم.

في جنيف، كان مسؤولو الأمم المتحدة ودبلوماسيوها يحاولون يوم الجمعة التوصلَ إلى تفاصيل حول "شكل فريق عمل إنساني" كُلِّفت الأمم المتحدة بتشكيله لتوصيل المساعدات إلى الداخل السوري حسب بنود اتفاق ميونيخ.

وإذ هم منشغلون بمناقشة مهام فريق العمل أعلن تقرير صادر عن وكالة إغاثة اللاجئين بالأمم المتحدة وصول أكثر من 80 ألف مهاجر إلى أوروبا عبر البحر خلال الأسابيع الـ6 الماضية، أكثر من نصفهم نساء وأطفال.

وقال مسؤولو الوكالة إن اليونان يصلها يومياً ما معدله 2000 لاجئ لا تثنيهم خطورة البحر وأنواء الشتاء التي ابتلعت أكثر من 400 جثة، وكان ربع الواصلين إلى اليونان في يناير/كانون الثاني الماضي من حلب، تلك المدينة المقسمة التي تأمل القوات السورية النظامية المدعومة روسياً بأن تخضعها من جديد لسيطرة الدولة كلياً.


خطة ساذجة


في حلب التي مازال يعيش فيها حوالي 400 ألف شخص في مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة، لقيت أخبار ميونيخ ترحيباً من عمال الإغاثة الدولية، غير أنهم شككوا بها كثيراً كذلك، ففي مؤتمر صحفي عبر الهاتف أجرته منظمة "أنقذوا الأطفال" Save The Children عبَّر هؤلاء عن قلقهم من أن تأخير أسبوع واحد في تطبيق مقترح الهدنة سيمنح جميع المتحاربين سبباً لاستئناف وتصعيد القتال على الفور.

تساءلت داليا الأوقاتي، مديرة برامج شمال سوريا في منظمة فيلق الرحمة Mercy Corps التي شاركت في المؤتمر الصحفي: "لماذا ننتظر أسبوعاً؟ ما نراه مخزٍ وغير مقبول أخلاقياً. يجب أن ينتهي".

هنا على الحدود التركية السورية استبعد عدة متحدثين باسم المجموعات المقاتلة "المعتدلة" - حسب الولايات المتحدة الداعمة لها - فكرة خطة وقف إطلاق النار، ووصفوها بأنها ساذجة وخيال.

فقالوا إن بها ثغرة عملاقة، إذ تسمح باستمرار قصف تنظيم الدولة الإسلامية وقوات جبهة النصرة، وإنهم يتوقعون أن روسيا ستستغل هذه الثغرة لتواصل دكّ تلك المناطق بعشرات ومئات الغارات الجوية يومياً.


كل مَنْ يعارض الأسد إرهابي


ترى كلٌّ من أميركا وروسيا تنظيمي الدولة الإسلامية وجبهة النصرة جهاتٍ إرهابية، لكن قادة المعارضة المسلحة يقولون إن روسيا أوضحت منذ بدء حملتها العسكرية الخريف الماضي أنها مثل قوات النظام تطلق لفظ "إرهابي" على كل معارضة الأسد عملياً.

يوسف فروح مقاتلٌ تتلقى مجموعته ذخائر ورواتب من الولايات المتحدة وحلفائها، قال: "ستتابع روسيا ضرب النصرة وداعش، ونعرف تماماً أن روسيا تعنينا نحن بقولها (النصرة وداعش)". وأضاف بنبرة ساخرة: "لو كانت روسيا فعلاً تضرب النصرة بدقة ووضوح لكنا ابتعدنا عن طريقهم".

وقال فروح إن المجموعات المعارضة رفضت الصفقة المقترحة في اجتماع حضره في وقت سابق من هذا الأسبوع في أنقرة، وأضاف أن الخطوط العريضة لاتفاق الهدنة أوجزها رياض حجاب، رئيس الوزراء السوري السابق الذي يترأس الهيئة العليا للمفاوضات من طرف المعارضة، كما كان بين الحضور ممثلون عن مجموعات معارضة تتلقى الدعم من برنامج سري تديره الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه" مع حلفاء أوروبيين وعرب.


روسيا تقصف بعيداً عن مناطق "داعش"


بتلك الفقرة الشرطية التي تسمح باستمرار ضرب النصرة، فرع القاعدة في سوريا، تضع روسيا أميركا في موقف صعب؛ فالمجموعات المسلحة المدعومة أميركياً تتعاون في بعض المناطق مع النصرة ذات التمويل والتسليح الجيد ضمن تحالف تكتيكي دعتهم إليه الحاجة لمواجهة قوات النظام، وبالتالي قد تدعي روسيا أن العديد من هؤلاء المسلحين هم فعلياً من أتباع جبهة النصرة.

لكن مسلحي المعارضة يقولون أيضاً إن روسيا تضرب مجموعات بعيدة كل البعد عن مواقع النصرة، ومنها ما يقاتل لصد هجمات تنظيم الدولة الإسلامية.

وقبل أسبوعين فتحت روسيا - حسب أقوال فروح - النار على مدينته مارع التي تسيطر عليها مجموعته "الصفوة الإسلامية" وغيرها من المقاتلين المدعومين من الغرب.

والبلدة - مارع - محاطة من 3 جهات بمقاتلي داعش الذين صدت قوات المعارضة تقدمهم مراراً وتكراراً، بما فيها هجوم شنته داعش مستخدمةً غاز الخردل الذي أصاب المدنيين.

ويتساءل فروح هنا، وهو الذي كان يبيع الستائر قبل الحرب: "لماذا تضربوننا؟ أين أذهب؟ أغادر سوريا وأتركها للنصرة كي تضرب روسيا الجميع؟".

أحمد فروح ناشط شاب مناهض لحكومة النظام من مارع أيضاً، فرّ من القصف وها هو الآن عالق على الطرف السوري من الحدود، كان رد فعله على اتفاق وقف النهار أن قهقه ضاحكاً: "روسيا لن تتوقف عن إطلاق النار خاصة بعد سقوط ريفنا، لن يتوقفوا".


موقف غامض لحكومة بشار


ويبقى غير واضح ما إذا كانت الحكومة السورية نفسها ترحب بوقف إطلاق النار أم لا. فيوم الخميس وقبل بضعة ساعات من إعلان ميونيخ، قال الرئيس الأسد متحدثاً لوكالة الصحافة الفرنسية إن حكومته عازمة على السيطرة على كل البلاد في حرب قد تستغرق "زمناً طويلاً".

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع قالت بثينة شعبان، مستشارة الرئيس الأسد، لوكالة رويترز إن كل من يدعم وقف إطلاق النار هم من يريدون دعم ومساعدة المجموعات الإرهابية و"تجنب الأمر الأساسي الذي ينبغي عمله، ألا وهو محاربة الإرهاب".

ولم يصدر بيان عن مسؤولين سوريين يوم الجمعة يوضح الخطة ، بل اكتفت وكالة (سانا) السورية الحكومية للأنباء بنشر تصريحات عن وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف يقولان فيها إن الحرب على الإرهاب مستمرة.

سامر مواطن من الحولة في ريف حمص الشمالي، تحدث إلى "النيويورك تايمز"، مشترطاً عدم ذكر اسمه بالكامل، فقال إن المجموعات المسلحة هناك تريد وقفاً للنار إن كان الاتفاق حقيقياً "لكن المشكلة في التطبيق"، حسب رأيه.

وأضاف سامر: "إن وقف العمليات العسكرية أمر جيد بالنسبة لنا، لكننا لا نثق بالنظام الذي قد يستغل الفرصة لنقل جنوده إلى مكان جديد ويصعّد هناك. لا أريد هدنة تمكّن النظام من نقل أرض المعركة إلى مناطق أخرى. هذا مرفوض".

وقال جيمس سادري، قائد حملة سوريا (وهي مجموعة داعية لإنشاء منطقة حظر طيران في سوريا): "إن كان الاتفاق يعني نهاية حصار المدن السورية فأهلاً وسهلاً به. أما استثناء الضربات الجوية الروسية من اتفاق الهدنة فأمرٌ سخيف غير معقول".

وقال سادري في تصريح: "لا تنتظروا احتفالات وأهازيج على الأرض لأن حياة الكثيرين من السوريين المدنيين تم تجاهلها، والكثيرون تم تجويعهم حتى الموت. لقد أصبحت روسيا القاتل الأول للمدنيين في سوريا، إذ قتلت أكثر من النظام السوري والقاعدة وداعش مجتمعة. فإن لم يمنع مقترح وقف النار هذا المقاتلات الروسية من قصف المستشفيات والمدارس، فيجب على الولايات المتحدة وغيرها عدم الاستمرار بالتظاهر أنه أوقف إطلاقَ نار".