مطار تمبلهوف الذي أنقذ برلين من حصار السوفييت يصبح أكبر مأوى للاجئين في ألمانيا..هذه قصته

تم النشر: تم التحديث:
ALMANYA
SOCIAL MEDIA

في يوم ما مرت من هنا مواكب البروسيين، وفي ثلاثينيات القرن الماضي، حولها المعماري إرنست ساجيبيل لتصبح مدخلاً عملاقاً لألمانيا الجديدة مع العهد الجديد لهتلر، ثم استخدمتها أميركا فيما بعد كقاعدة للجسر الجوي الذي أنقذ برلين الغربية من الحصار السوفيتي، إنه مطار "تمبلهوف" بموقعه المتميز في برلين، الذي سيتحول الآن إلى أكبر مأوى للاجئين.

المطار الذي تمّ إخضاع كل ما يتضمنه للحماية القانونية باعتباره من آثار البلاد لأنه كتب فصولاً في تاريخ برلين، و يلعب دوراً رائداً في الوضع السياسي الحالي باستقبال اللاجئين.


مأوى للاجئين


المطار في طريقه ليصبح أكبر مأوى للاجئين في ألمانيا. ولعل ذلك يكون حدثاً كبيراً آخر يمر على المطار الذي شهد تحولات عديدة كبرى، بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الأربعاء 10 فبراير/شباط 2016.

المهمةُ الجديدة للمطار الذي يمكن أن يأوي 7000 لاجئ حين يتم إكمال العمل فيه، دفعت العاملينَ إلى القيام بأدوار مرتجلة. وعليهم الآن أن يعرفوا كيف يمنحوا، المأوى، الطعام، الدفء، التسلية والمساعدة للوافدين الجدد من سوريا، أفغانستان، العراق وغيرها.

وقال مايكل إلياس الذي يترأس شركة "تاماجا" التي تدير مرافق اللاجئين وتتولى عمليات تنظيم الأمن والتنظيف وتوفير وجبات الطعام "لا يوجد برنامج عمل لأمر كهذا".

وأضاف إلياس البالغ من العمر 46 عاماً، والذي جاء من لبنان منذ نعومة أظفاره كي يعيش في ألمانيا: "في البداية، يمكن أن ترتكب بعض الأخطاء".

يطلّ مكتب إلياس على أحد الهنغارات الأربعة التي يصل ارتفاعها إلى 52 قدماً، حيث يقيم حالياً 800 لاجئ في غرف تفصلها جدران ورقية ولا تتجاوز مساحتها الإجمالية مساحة 270 قدماً مربعاً. حُشرت 6 أسرّة مزدوجة تأوي 12 شخصاً في تلك الغرف الضيقة بحيث لم يعد المكان يتسع لكرسي إضافي.


ليس مصمماً للمعيشة


وقالت كوستانز دول، المتحدثة باسم "مشروع تمبلهوف" وهي الوكالة المسؤولة عن عملية التطوير الشاملة في المحطة "المكان ليس مصمماً للمعيشة. فهو هنغار للطائرات".

بالطبع، كان العمال السجناء في ظل الحكم النازي يجبرون على بناء الطائرات في هذه الهنغارات.

وخلال عامي 1948 و1949، جلبت طائرات C-47 الأميركية ملايين الأطنان من الطعام والفحم والمؤن الأخرى عبر "جسر برلين الجوي" في عملية وصلت حركةُ الطائرات فيها في مرحلة الذروة إلى درجة هبوط طائرة كل 90 ثانية.

العديد من الطائرات المشاركة في العملية كانت ترمي مظلات صغيرة تحمل قطع الشوكولاتة والزبيب. ولا يزال الناس في المدينة التي كانت منقسمة بين عشق الأميركيين وكراهيتهم يتذكرون "قاذفات الزبيب" كما سموها آنذاك.

وعلى مدار الحرب الباردة، كان الجيش الأميركي يدير عملياته من هنا، إلى جانب الرحلات المدنية. وبعد سقوط جدار برلين عام 1989، انسحبت القوات الأميركية تدريجياً.

ومع استعادة الوحدة بين شطري برلين، تمت مناقشة العديد من الاستخدامات لمطار تمبلهوف. ولكن وحرصاً على الطراز الكلاسيكي لبرلين، لم يتم اتخاذ أي قرار بشأنه.

وخلال الاستفتاء الأخير الذي أجري عام 2014، رفض مواطنو برلين خطة بناء 4700 منزل في موقع المطار وتركوا 85% من مساحته لتكون أرضاً خضراء مفتوحة.

ويشعر المسؤولون عن تخطيط المدينة، الذين فقدوا فرصة بناء المساكن التي ثمة حاجةٌ إليها، ببعض الارتياح في الوقت الحالي، لأنهم يستطيعون الاستفادة من هذا المكان الآن لإيواء المزيد من اللاجئين الذين لا تتسع لهم الهنغارات.

وشعر هولجر ليبمان، البالغ من العمر 52 عاماً والذي يتولى إدارة مشروع تمبلهوف، بتأثيرات تغير مصير المطار. فقد شغل وظيفته في صيف 2015، بعد أن كان يتولى من قبل بيع الأراضي التي لا تحتاج المدينة إليها على مدار 13 عاماً.

والآن، سيظل بمنصبه عامين على الأقل؛ وهو من أشدّ المهتمين بالحفاظ على كل شبر بالمدينة، ليس لإيواء اللاجئين فقط، بل لاستيعاب الزيادة الهائلة في أعداد الأسر المقيمة في برلين أو الوافدة إليها.

بالنسبة لكل من ليبمان وإلياس، فإن دورهما في قصة تمبلهوف ظهر بصورة مفاجئة. ففي ليلة 23-24 أكتوبر/ تشرين الأول، تم إبلاغهما بتجهيز هنغار طائرات للاجئين.

وقال ليبمان "في ذلك الحين، كان نحو 16 ألف لاجئ يصلون إلى الحدود البارفارية كل ليلة.

وكانت السلطات تضعهم في حافلات ويقوم السائقون بالاتصال بنا ليخبرونا أنهم سيصلون إلى برلين خلال 3 ساعات. وخلال تلك الفترة، كان يتعين علينا تنظيم فرق المطافئ، الشرطة، وحتى الجيش، بالإضافة إلى المتطوعين".


20 ألف يورو للتدفئة يومياً


ولم يستطع هو أو إلياس تحديد حجم تكلفة البرنامج حتى الآن أو في المستقبل. وذكر إلياس أنها "تكلف الكثير". وقال ليبمان أن تدفئة الهناغر وحدها تكلف 20 ألف يورو يومياً، أي حوالي 26 ألف دولار.

وخلال زيارة إلى المكان للتعرف على أحوال اللاجئين في أحد الأيام الهادئة، كان بعض اللاجئين يتحدثون بالهواتف المحمولة وآخرون يستلقون دون عمل في حجراتهم الضيقة، بينما الأطفال يقضون وقتاً لطيفاً مع متطوعين من السيرك ومنظمة "Save the Children" الخيرية.

وكان هناك عشرات من الوحدات الجديدة التي تتضمن دورات مياه وأحواضاً للاستخدام الفردي في انتظار التركيب. وقد تم شراء تلك الوحدات بعد أن رفض اللاجئون، وخاصة النساء، استخدام دورات المياه المشتركة.

وفي كل يوم تقريباً يظهر تحد جديد. فبعد الاعتداء على مئات السيدات في ليلة رأس السنة في كولونيا على أيدي شباب من المهاجرين، تشعر النساء اللاتي يعملن في أكثر من 100 مكتب هنا بالخوف.

وقال السيد ليبمان "بعد ما حدث في كولونيا، لدينا قلق وحساسية خاصة الآن".

الموظفون، الذين كانوا يعملون في مجال الأزياء والعروض التلفزيونية في تمبلهوف على سبيل المثال، منشغلون الآن بإلغاء عقودهم وتقييم احتياجات اللاجئين.

لا يزال هناك ما يذكر بالتواجد العسكري الأميركي هنا. فهناك لافتة تقول إن هذا الهنغار كان جزءاً من "كتيبة برلين" التابعة لإدارة القوات الجوية الأميركية.

وقد وضع اللاجئون بصمتهم على آثار تمبلهوف: حيث قاموا برسم الغرافيتي على الجدران البيضاء وكتبوا رسائل قصيرة أو رفعوا أعلاماً وشعارات للعراق وكردستان وأفغانستان.

تقول إحدى تلك الكتابات على الجدران "أحبك سوريا"، بينما تقول أخرى "شكراً ألمانيا". نقرأ ثالثة تقول "حب، حب، حب" مرسومٌ بجانبها وجه مبتسم ثم كلمة "سعيد" مكتوبةً بتهجئة إنكليزية خاطئة.

وقال إلياس أنه عادة ما يتعين على اللاجئين قضاء بضعة أسابيع هنا قبل الانتقال إلى مكان آخر ضمن المنظومة المحددة. وشبه ألمانيا بمجتمع اعتاد أن يطهو باستخدام الملح والفلفل فقط.

"أما الآن،" يضيف إلياس "فلدينا خليطٌ أكبر من المواد. تدفق اللاجئين شيء إيجابي، فالمجتمع يفكر الآن في القيم العليا التي يودُّ التمسّك بها".

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة New York Times الأميركية، للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.