شباب اليمن لو عاد بهم الزمن للوراء.. هل كانوا سيشاركون في الثورة؟

تم النشر: تم التحديث:
ATHTHWRTALYMNYH
الثورة اليمينة | social media

يجد الشباب اليمني غير المسيّس أن الأوضاع في البلاد تردّت بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الثورة الشعبية في 11 فبراير/شباط 2011 ضد نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، في خضم احتجاجات الربيع العربي.

ويعزون الفشل الذي مرّت به البلاد خلال حكومة الوفاق، ومن ثم اندلاع الحرب الأهلية وسيطرة جماعة الحوثيين وتدخل التحالف العربي بقيادة السعودية بعملياتها الجوية خلال ما يقارب العام، إلى الثورة الشعبية التي شاركت فيها قطاعات واسعة من الشعب اليمني.

قبل 5 أعوام كان الشاب ناصر الحمدي يُشاهد أحد أفلامه المفضلة على شاشة التلفزيون، وعند الـ9 مساءً انضم إليه والده الأكاديمي في جامعة صنعاء، غير أنهما تحوّلا لمشاهدة قناة "الجزيرة" لمتابعة أحداث الثورة المصرية، لكن خبراً من اليمن عن شبان نصبوا خيام اعتصامٍ أمام جامعة صنعاء لفت انتباههما.


ثورة بلا نتائج


التحق ناصر، الشاب الذي يدرس الهندسة المعمارية، برفقة أصدقائه إلى الثوار المطالبين بتنحية الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، لم ينضموا إلى الشباب الذين لهم اتجاهات سياسية واضحة، ونظموا احتجاجاتهم بعيداً عن النشاطات المدنية في ساحة التغيير.

بعد 5 أعوام أنهى ناصر ورفاقه دراستهم الجامعية، لكنهم اتجهوا إلى رصيف البطالة، فيما عززت الحرب من تدهور أوضاعهم، واليوم يجتمعون كل مساءٍ لتبديد البؤس المحيط بهم، هم 4 أصدقاء: ناصر ومالك وأحمد وهيثم.

التفكير في الهجرة هو محور حديثهم في تجمعاتهم، ومواقع الإنترنت التي تُقدم المنح هي شغلهم الشاغل، وفي الذكرى الـ5 للثورة التي شاركوا فيها من أجل تحقيق أحلامهم تُسيطر عليهم ذكرى سيئة وصعبة ومؤلمة، كما يقولون.

ينحدر ناصر من مدينة عمران (شمال العاصمة صنعاء) فيما، مالك من ذمار (وسط البلاد)، أما محمد فهو من صنعاء، وهيثم من تعز (جنوب).

الـ4 يحملون شهادة البكالوريوس، لكنهم يتفقون على أن الثورة التي نصبوا خيمتهم في ساحتها، كانت "باب جهنم الذي انفتح في أوجههم"، وكانوا هم أيضاً مساعدين في ذلك.


ردة فعل


لكن لو عاد بهم الزمن للوراء، أي ما قبل اندلاع الثورة فيقولون إنهم لن يشاركوا مُطلقاً، ناصر يفسر ذلك قائلاً: "اتضح لي أنها ليست ثورة، إنما ردة فعل لما حدث في تونس ومصر، وأكاد أسميها احتجاجات سياسية فقط".

ويُضيف أنه كان يُعوّل على ثورة فكرية تستشري في المجتمع، لها منظّروها وفلاسفتها ومفكّروها يرافقون الثورة على الأرض، "بل إن الثورة الفكرية كان يجب أن تكون من قبل حتى تُمهد لتفجير ثورة ضد نظام سياسي أو حكم مُعين".

أما عن فشل الثورة الشعبية، أو كما يسميها ناصر "الاحتجاجات"، فيعزو ذلك إلى أن من تبناها هم "أحباب الأمس"، لكنه لا يُحملها ما آلت إليه البلاد من فوضى وحرب أهلية ونزوع للانفصال في جنوب البلاد، بالإضافة لسيطرة مجموعات مسلحة على مدن يمنية كبيرة.

ويوضح: "لا أعتقد البتة بأنها سبب هذه الأوضاع، ما يحدث اليوم هو حرب بين ميليشيات متصارعة لا تفكر في البلاد ولا في المواطن اليمني، بل تحكمها أهواء جنونية وتطلعات مذهبية وعنصرية"، ويتهم ناصر أطراف النزاع بالاتفاق على تدمير البلاد وفق بديهيات لا يُمكن أن يصدقها عاقل في القرن الحادي والعشرين.


مشكلة شعب


لكن صديقه مالك الذي عاد للعمل مع والده في صياغة الذهب، يقول إن الثورة كانت هي السبب الرئيسي لما آلت إليه الأوضاع، ويُضيف "هي السبب في اختلال النظام".

يؤمن ناصر بنظرية الفكرة الواحدة، ويُحاول أن يبيع تصميماته عبر مواقع الإنترنت، ومتطلع للثقافات الإنسانية العالمية بشكل كبير، لكن الأوضاع حالت دون تحقيقه تقدماً في حياته، لذلك لا ينسب الثورة إلى كونها مؤامرة غربية على الشعوب العربية.

يقول المهندس المعماري: "المجتمع عدو نفسه بنفسه ويتآمر على ذاته، وهذا يعود لفشل قيام أي دولة مدنية حديثة، أما الحديث عن المؤامرة فهو محض هراء، فالعرب تستشري فيهم روح المؤامرة، الآخرين ليسوا بحاجة للتآمر علينا".

في هذه النقطة يتفق مالك مع صديقه ناصر، ويقول إن المجتمع الدولي ليس بحاجة إلى الشعوب العربية كي يتآمر عليها.

بعد 5 سنوات يكتشف ناصر وأصدقاؤه أنهم كانوا ضحية حقيقية، لكنهم لا يفسرون ذلك بأنهم تعرضوا للخديعة، يقول صديقه مالك: "لا أعتقد أني خُدعت لأني تمنيت أن تُحدِث الثورة ضد نظام صالح ثورة فكرية موازية للاحتجاج العام، وأظن أن من خُدع هو مَنْ انساق وراء تلك الأطراف التي تبنت الثورة وانساق لها بشكل أعمى ومتعصب".

ويُضيف: "منطقياً لم أنخدع تجاه الثورة، ولكني فيما بعد انخدعت كوني سلكت مسار حزب واحد".


مؤامرة


أما حميد سالم، وهو من محافظة إب (وسط البلاد) وأستاذ لطلاب المرحلة الابتدائية، فيشعر بتأنيب الضمير موضحاً: "لأنني شاركت في تنفيذ مؤامرة ضد بلدي دون أن أدري، وكنت أُصفق ببلاهة للوباء القادم على الأمة العربية"، ويستشهد سالم بمآلات الأوضاع في سوريا وليبيا واليمن.

"كانت مؤامرة للقتل والسحل في الشوارع، والاقتتال بين الناس، ولو لم تكن ذلك لما راحت دماء الناس هباء"، يُضيف حميد.

إبراهيم العباسي تخرج في قسم هندسة النفط بجامعة حضرموت، ويعمل الآن سائقاً للحافلات بأجر يومي، شارك بفاعلية في الثورة الشعبية، غير أنه اليوم يتحدث بحسرة على الأيام التي سبقت الثورة.

لكنه لا يُحمّل الثورة السبب في انهيار الأوضاع ومؤسسات الدولة، بل يُحمّل الشباب المنتفض مسؤولية انهيار العملية الثورية حينما سمحوا للأحزاب السياسية بالانضمام لها، ومن خلفهم جاءت القوى الاستعمارية وأمراء الحروب.

يتحدث العباسي وبجانبه ابنته التي وُلدت خلال اندلاع الحرب في البلاد، يُقبلها ويقول: "هذا الملاك هو وحده من يجعل البلاد جميلة في عيني، ومن يمدّني بالطاقة الإيجابية والتفاؤل؛ لأنني أشعر بأني تعرضت لأكبر خدعة في حياتي".


سأشارك مجدداً


لكن أفنان طه، وهي خريجة كلية الإعلام وتنحدر من مدينة عدن (جنوبي اليمن)، تقول إن الزمن لو عاد بها للوراء ستُشارك مجدداً في الثورات؛ لأن "الثورات تبني ولا تهدم".

ورغم حماسها الكبير للثورة بعد 5 أعوام، تقول: "الثورة نعم فشلت - ويؤسفني قول ذلك - حين حادت عن مسارها، ويكمن الخلل في ثقافة الشباب التي تستجيب بكل سذاجة وعمى للمحرضين السياسيين والدينيين أصحاب المشاريع الخاصة".

تقول أفنان المقيمة في تركيا إن "الثورة لم تكن مؤامرة، كانت نابعة من قلوب وأرواح الشباب المليئة بالإحباط التي استشعرت الظلم ورفضته عقولهم عندما استفاقت، لكن لا يمنع ذلك من التفكير بأن هنالك أطرافاً خارجية استغلت ذلك".

هي لا تشعر أيضاً بأنها تعرضت للخديعة حين شاركت في الثوة، "شاركت في الثورة بملء عقلي وروحي ومستعدة كما أسلفت للمشاركة مجدداً، واليوم أنا أوعى وأكثر فهماً".