إقليم كردستان العراق.. حلم "دبي الجديدة" الذي أفسدته حكومة الإقليم

تم النشر: تم التحديث:
ALRAQ
social media

عانى إقليم كردستان العراق كثيراً بسبب الأسلحة الكيميائية التي استخدمها صدام حسين ضد الإقليم منذ فترة زمنية بعيدة قبل ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).

أصبحت المدن الكردية في حالة يُرثى لها بسبب الكوارث الاقتصادية الموجودة هناك، وقد ساهم انعدام كفاءة وجشع زعماء الكرد في إفساد النجاحات التي حققتها القوات على الأرض ضد التنظيم، إذ ينتاب الكثير من المقاتلين شعور بعدم الراحة تجاه نوايا بعض القوى الخارجية كاستخدامهم وقوداً للحرب ثم التخلص منهم عقب انتهائها، بحسب تقرير لصحيفة الإندبندنت البريطانية.


معاناة الفرار إلى أوروبا


خلال هذا الأسبوع يجتمع الكثير من أفراد العائلات في السليمانية لتأبين بعض أقاربهم ممن غرقوا وهم يحاولون الوصول لأوروبا، والمثير فى الأمر أن جميع هؤلاء القتلى كانوا من نفس المدينة وهي حلبجة التي قُتل منها أكثر من 5000 شخص في عهد صدام حسين بعد أن تم الهجوم على أحد التجمعات السكانية في المدينة بالغاز السام عام 1988.

يتحدث ساردار حمه رشيد، الذي يعمل نادلاً في أحد المطاعم، عن المعاناة التي واجهها وهو يحاول الفرار بعائلته لأوروبا قائلاً: "لقد اتخذنا القرار بمغادرة هذا المكان منذ بضعة أيام، وذهبنا بعد ذلك لإسطنبول وهناك التقينا بمهرِّبٍ يتقاضى 2500 دولار عن كل شخص يوفر له رحلةً إلى اليونان"، سرد سردار هذه القصة المحزنة وهو يذرف الدموع بسبب غرق زوجته وابنته فى البحر أثناء المحاولة السالف ذكرها للذهاب إلى أوروبا.


ليست الحرب وحدها السبب


يتحدث عمر حمه أمين، وهو أحد أقارب سردار، عن السبب الحقيقي وراء فرار الكثيرين من إقليم كردستان العراق لأوروبا قائلاً: "إن المسألة لا تتعلق بالحرب، ولكن السبب الحقيقي وراء هذا النزوح هو الأوضاع الاقتصادية الكارثية في الإقليم".

يعد إقليم كردستان من بين أكثر المناطق المتنازع عليها عالمياً، وليس استخدام الأسلحة الكيميائية القاتلة في حلبجة سوى واحدة من بين مجازر أكثر وحشية لحقت بأهالي الإقليم على مدى القرن الماضي.

تمتلئ المقابر الجماعية بجثث الرجال والنساء والأطفال الذين قُتِلوا على يد تنظيم داعش، يتم اكتشافها أسبوعياً منذ أن استطاعت القوات الكردية استعادة مدينة سنجار من يد التنظيم في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ولكن الآن استطاع الكرد التخلص من هذا الخطر الإرهابي الذي بدأ مع هجمات "داعش" في أغسطس/آب 2014، بعدما نجحت القوات الكردية بمساعدة الطيران الأميركي في استعادة أغلب الأجزاء التي كانوا قد فقدوها سابقاً من الإقليم. ربما مازال الخطر مستمراً ففي مقدرة "داعش" شن بعض الهجمات المفاجئة، ولكن النتيجة العامة حالياً هي مواصلة تقدم قوات البشمركة.


أسباب الكارثة الاقتصادية


على الرغم من الوعي العالمي بالحرب الشرسة التي يخوضها الأكراد ضد تنظيم داعش، إلا أن الوضع الاقتصادي للإقليم، الذي تم تدميره بشكل كبير على يد حكومة كردستان الإقليمية، يبدو غائباً عن الكثيرين، كذلك الأمر بالنسبة لتمكّن قوات الإقليم من السيطرة على مناطق متنازع عليها سواء من تنظيم داعش أو من الحكومة العراقية.

عدّدت صحيفة الإندبندنت البريطانية 3 أسباب رئيسية وضعت الإقليم فى هذا الوضع الكارثي: السبب الأول، الخلافات والنزاعات بين القيادات الكردية، والثاني، صعود تنظيم داعش واستيلاؤه على الموصل، أما السبب الثالث فهو تراجع أسعار النفط الذي تبيعه حكومة إقليم كردستان بشكل مستقل، حيث وصل سعره إلى 21 دولاراً فقط للبرميل.

حوالي 1.4 مليون كردي من إجمالي السكان الذي يبلغ عدده 6 ملايين يعملون لحساب حكومة إقليم كردستان العراق، أو يستفيدون من الحكومة بشكل آخر. ولكن على مدار السنتين الماضيتين لا يحصل هؤلاء العاملون سوى على جزء من مرتبهم، أو لا يحصلون على مرتبٍ بالأساس. يقدر إنفاق الحكومة بـ1.1 مليار دولار شهرياً، وفي المقابل تبلغ الإيرادات 400 مليون دولار فقط.

تنتشر ناطحات السحاب والفنادق والمباني السكنية نصف المكتملة في المدن الكردية، وأحياناً تستخدم لإيواء النازحين واللاجئين.


دبي الجديدة


يبدو الشعار الذي وضعته حكومة إقليم كردستان العراق قبل سنوات قليلة بأن يصبح الإقليم "دبي جديدة في منطقة الشرق الأوسط"، بأنه درب من الخيال في ظل الدمار الاقتصادي الذي يعانيه الإقليم.

تحدث السيد أمين عن سبب قيام أقاربه برحلة خطرة للوصول إلى أوروبا قائلاً: "لم يحصل أحد على أجره لمدة 5 أو 6 أشهر، أستأجر منزلاً ولكن لا يمكنني أن أدفع ثمن الإيجار".

وتسري حالة من الغضب تجاه الحكومة بين المواطنين؛ إذ يشعرون بعجز القيادات الكردية وجشعها. يقول أسوس هاردي، المحرر في صحيفة "ئاوينه" المستقلة: "يمكنك أن تشعر بالغضب فى الشوارع تجاه الفساد الحكومي". قبل 3 سنوات، عندما قام السيد هاردي بتحقيق كشف فيه عن سرقة 18 مليون دولار من الأموال العامة، تعرض للضرب المبرح على أيدي بلطجية أرسلهم أحد المسؤولين الحكوميين اتهمه هاردي بالتورط في سرقة المال.

وأضاف هاردي أن العديد من الناس يلومون الحكومة على محاولتها وفشلها في تحويل الإقليم إلى دولة نفطية مستقلة عن العراق. وتأكيداً على ذلك، قال أحد الخبراء الغربيين في النفط: "راهنت حكومة إقليم كردستان العراق على ارتفاع أسعار النفط، لكنها خسرت الرهان".


تبددت آمال الكرد


تبددت الآمال العالية للأكراد في العقد الذي تلا الإطاحة بصدام حسين، حيث انهارت مستويات المعيشة بشكل أكثر حدة مما حدث لليونانيين بعد عام 2008. ولكن ما حدث كان كارثة اقتصادية في المقام الأول أكثر من كونها كارثة أمنية، وهذا لأنه – ويا للمفارقة - كرد العراق اليوم أقوى سياسياً وعسكرياً من أي وقت مضى في تاريخهم، إلا أن هذا قد لا يدوم.

كانت هذه هي وجهة نظر قائد البشمركة الشهير محمد حاجي محمود - أحد أكبر مُلاك الأراضي في الوادي الخصيب بين السليمانية وحلبجة - وهو أيضاً السكرتير العام للحزب الاشتراكي، ويُقال إنه خاض أكثر من 700 معركة أو قتال على مدى السنوات الأربعين الماضية من الحرب في كردستان، كما أُصيب بجروح خطيرة 6 مرات. وبعدما احتل "داعش" مدينة الموصل وقبل مهاجمتهم للكرد، قاد محمد حاجي 1000 من جنود البشمركة التابعين لحزبه للدفاع عن كركوك. وقُتل ابنه عطا في القتال.


أصبحنا جيشاً نظامياً


في مقابلة مع صحيفة "الإندبندنت" بمنزله، أوضح "بشكل عام، ربح الكرد أكثر مما فقدوا في نضالهم ضد (الدولة الإسلامية) المعلنة من جانب واحد". وعدد الفوائد قائلاً: "لقد أصبحنا جيشاً نظامياً بدلاً من كوننا مجموعة تقاتل مثل حرب العصابات. نحن الآن مدعومون من قبل القوات الجوية الأميركية والأوروبية، ويمكننا شراء الأسلحة علناً بحرّية".

وأضاف "يتم الإشادة دولياً بنا لمكافحتنا للإرهاب. انتصر الكرد السوريون بمعركة كوباني، وأرسلنا 150 من البشمركة لمساعدتهم. بينما أصبحنا ملاذاً آمناً للعرب والمسيحيين في العراق".

كما استفادت حكومة إقليم كردستان من انهيار الجيش العراقي عام 2014، لتوسيع حجم سيطرتها بنسبة 40% خلال استيلائها على المناطق المحيطة بها. تلك المناطق كانت مختلطة السكان (عرب وأكراد) في كثير من الأحيان، كما سيطرنا على مناطق كان مُتنازع عليها لفترة طويلة مع بغداد.

ويكمن الخطر في أن هذه المكاسب السياسية والإقليمية الكبيرة تعتمد على كون الحكومة العراقية ضعيفة و"داعش" قوية، لذلك يتودد الجميع للكرد لأنهم أفضل دفاع ضد "داعش".


يستغلوننا لفترة


يتعامل زعماء العالم مع حكومة إقليم كردستان كما لو كانت قوة عالمية بدلاً من كونها إقليماً معزولاً شبه مستقل. وأضاف القائد محمد حاجي: "إن أكبر ما أخشاه أنه بمجرد تحرير الموصل وهزيمة (داعش) لن يكون للكرد نفس القيمة دولياً". فهو يعتقد أنه مع توافر الدعم الدولي يمكن للكرد أن "يحافظوا على المناطق المتنازع عليها، ولكن لا يسعهم القيام بغير ذلك".

التجربة المريرة جعلت الكرد يشكون في أنهم سوف يُستخدمون – مرة أخرى - كوقود للمدافع عن طريق قوى خارجية، ومن ثم سيتم التخلص منهم إذا لم تعد هناك حاجة إليهم. وهناك أيضاً شكوك بين الجماهير الكردية - نتيجة لتجاربهم القاسية - بأن قادتهم بإمكانهم أن يبرروا ويُطيلوا حكمهم الاستبدادي الفاسد، من خلال تصوير أنفسهم على أنهم مدافعون وطنيون عن شعوبهم. وذلك لتحويل الأنظار عن فسادهم وفشلهم في إدارة الإقليم.

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة الإندبندنت البريطانية للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.