نقاد وناشرون عن رواية "نيجاتيف": هذا عبث لا يصح ترويجه وغياب الثقافة الحقيقية وراء انتشاره

تم النشر: تم التحديث:
DEDA
other

أثار مشهد توافد مئات الشباب على حفل توقيع كتاب خواطر يحمل عنوان "نيجاتيف" لشاب يُعرف باسم "وليد ديدا" في معرض الكتاب هذا العام، تساؤلات عدة حول ما نقرأه مؤخراً عن إصدارات غريبة يحقق أصحابها أعلى المبيعات، ويتهافت عليها المراهقون من الجنسين فقط للحصول على توقيع، أو التقاط صورة يحتفظون بها ويتباهون بها وسط الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

الأمر كان واضحاً في معرض الكتاب بالقاهرة العام الماضي في حفل توقيع مغني الراب الشاب زاب ثروت لكتاب "حبيبتي" في المعرض، والذي قيل إنه باع 15 ألف نسخة من كتابه الذي لا يمكن اعتباره أدباً.

وتكرر المشهد هذا العام بحجم أكبر، وفقاً لما نُشر في وسائل الإعلام، في توقيع الكتاب المشترك "نيجاتيف" لكاتب الخواطر ومؤلف الأغاني الشاب وليد علاء الدين المعروف بـ"وليد ديدا" وزوجته، الذي صار أشبه بنجم شباك في صفحات فيسبوك بآلاف المتابعين ونجم شباك كذلك في حفل التوقيع بمعرض الكتاب.

هنا نحاول الإجابة عن تساؤل: هل ارتفاع مبيعات أغاني الراب المكتوبة في إصدارات زاب ثروت السابقة، وما يقدمه ديدا من خواطر ركيكة، نوع من أنواع انحدار الذوق الثقافي المصري، أم أنه تعبير عن احتجاج جيل من الشباب على الشعر الذي لا يفهمونه في كثير من إصدارات الوقت الراهن في المشهد الثقافي المصري؟


قيمة الكتاب


جمهور الراب في مصر كبير جداً وأغلبه من جيل الشباب، وفي حديثنا عن هذه الظاهرة وهذه الأسئلة مع "الرابر" رائف محمد، أحد أعضاء فرقة "عدم انحياز"، قال: "قيمة الكتب فقدناها، وأنا عن نفسي أصنف زاب ثروت كشاعر وليس "رابر" أي مؤدي ومؤلف لأغنيات الراب؛ لأن مستواه ضعيف فهو بعيد عن قصة الراب تماماً والتي تؤكد على قيمة الكلمة والطريقة التي تؤدي بها، وزاب وزع نحو 15 ألف نسخة ثلاثة أرباعها اشترتها المراهقات وتلميذات المرحلة الابتدائية".


مشوش.. روبابيكيا.. نيجاتيف


اشتعلت على الشبكات الاجتماعية موجة استياء من نص لوليد ديدا مأخوذ من أحد إصداراته بعنوان "شات"، وتساءل الكثيرون: هل هذا شعر؟ وعن سبب إقبال فئة كبيرة من الجمهور على هذا النوع من الإصدارات سألنا الناشرة المصرية المعروفة صاحبة "دار العين للنشر"، فاطمة البودي، التي قالت: "ليس هذا شعراً، ولكنه نتيجة منطقية لسطوة عالم الشبكات الاجتماعية الذي يسهل انتشار هذا الكلام بين الشباب بما فيه من ضحالة، ولا يوجد حل لانتشار مثل هذا الكلام في ظل الوضع المأساوي، الذي يشيع فيه الجهل، وسيطرة أوهام "Best Seller" أي أفضل المبيعات على عالم النشر، التي تبحث عن حجم المبيعات بغض النظر عن قيمة ما يتم توزيعه".

fatima

ويكمل الناشر محمد هاشم صاحب "دار ميريت"، قائلاً: "هذا نوع من السخف لا يصح ترويجه، وإذا دققنا النظر سنجد أن أغلب الإصدارات تم نحتها من أشعار شاعر الثورة مصطفى إبراهيم، وغيره من الموهوبين، ثم تم تشويهها.. علماً بأن تلك الشهرة التي يجنيها مثل هؤلاء المؤلفين تقف وراءها أساليب تسويق حديثة تتبعها بعض دور النشر، تمكنها من إرسال نص واحد إلى مليون ونصف المليون من المتابعين مرة واحدة، ولكن عند الحديث عن الشعر الحق يمكن أن نتحدث عن سيد حجاب، وفؤاد حداد، وبيرم التونسي، وصلاح جاهين، وزين العابدين فؤاد، وغيرهم من الشعراء، ومن الشعراء الجدد يمكن أن نشير إلى مصطفى إبراهيم مثلاً".

ويضيف: "نحن كدار نشر لابد أن تكون هناك قيمة فنية نسعى لتحقيقها كي ننشر كتاباً، لذا فأنا مستاء من الذوق الضعيف جداً للجمهور، الأمر الذي يجعل الناشرين يقدمون أسوأ ما لدينا ويروجون لبضاعة فاسدة".

ويأسف هاشم لأن ما يراه يدل على تدنّي ذوق الجمهور - بحسب تعبيره - الذي يتخذ من المعروض حالياً حكَماً على القيمة ويعتقد أن ذلك هو الشعر.."أما من قرأ بيرم وحجاب ونجم فإنه يستطيع تذوق ما يقدم له ويعلم جيداً الفرق".

mohamed hasehm


اللغة ابنة الظرف


اللغة ابنة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات، تقوى بقوتها، وتضعف بضعفها، كما يقول علماء الاجتماع، وفي الفترة الأخيرة سمحت الظروف الصعبة التي تعيشها مصر بظهور كتابات رديئة، لا تقدم فكراً ولا جماليات ولا قيمة ولا أي شيء، ساعد على ترويجها كثرة "أصدقاء" من يسمون أنفسهم كُتاباً على الشبكات الاجتماعية، ورغم أنها ظاهرة سلبية، فإن لها بعض الإيجابيات، حيث تعمل على "فلترة" المحتوى رغم كل شيء، وتفرز الكتاب، وفي النهاية لا يبقى في الأرض إلا ما ينفع الناس، أما الزبد فيذهب جفاء.


شعراء


كان لابد من معرفة آراء الشعراء حول ظاهرة زاب ثروت وديدا، حيث قال الشاعر ضياء الرحمن في حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي": "تعليقاً على كثرة عدد الحضور في حفل توقيع ديدا وزوجته في معرض الكتاب هذا العام، الذي قيل إنه فاق عدد مَنْ حضروا لزاب ثروت العام الماضي، هذا الأمر لا يمكننا التحقق منه؛ لأنه ما من أحد يمكنه تحديد العدد بدقة، نحن فقط رأينا رؤوساً كثيرة بجوار بعضها بعضاً في الصور التي تم ترويجها على فيسبوك وأغلبها لفتيات.. فهل يبحثن عن كتب تعوّض مشاعر الكبت في الحب، ويرون أن طريقة ديدا وغيره هي الأكثر شياكة في الحب؟!".

وأضاف "كل ما يمكنني قوله عن جماهيرية هذا النوع من الكتابة إنهم فتيات وشباب من صغار السن يملكون قليلاً من المال ولديهم رغبة في الشراء، في موسم بيع الكتب بالمعرض، وفي ظل سيرهم دون هدف بعينه، يقوم آخرون بتسليط الأضواء على إصدارات بعينها بطريقة النداء على السلع (قرب يا بيه قربي يا مدام)، فيقومون بشرائها، الأمر الذي يتشابه أيضاً مع خروجهم في الأعياد حاملين العيدية التي حصلوا عليها من الأهل فيذهبون إلى السينما ويشاهدون أول فيلم يقع إعلانه أمام أعينهم حتى ولو كان فيلماً رديئاً".

dayae


سؤال محير


ويطرح الشاعر ضياء عبدالرحمن سؤالاً يقول إنه يحيره: "كيف لجيل متمرّد يسخر من أهله على الإنترنت وأشعل ثورة أن ينخدع بهذا الكلام الساذج ويصدقه بل ويشتريه؟!".

ويضيف: "خلال حفل توقيعي لديواني يوم الأربعاء 3 فبراير/شباط جاء 5 أفراد فقط، علماً بأنني معروف كشاعر وكاتب أغانٍ".


رموز الجيل


ولكن الشاعر خليل عز الدين لا يشعر بحيرة في تفسير ما يراه حيث يقول: "أرى أن كل جيل يفرز رموزه، وهؤلاء هم رموز هذا الجيل، ويعبرون عن سطحية وانحدار الذوق العام في مصر بشكل عام، ليس فقط على مستوى الإبداع، كما أن ظهورهم وتصدرهم للمشهد، وتحقيقهم أعلى المبيعات لا يعني أن الشباب الصغير لا يوجد بينهم مبدعون حقيقيون، ولكن من يأخذ التركيز والاهتمام فقط هم الضعفاء وغير الموهوبين؛ لأن النظام المصري عمل خلال عقود طويلة على تدمير وعي وثقافة الشعب، وما يحدث حالياً أهم نتائج ذلك التدمير".

khalil az eddin


انزعاج


الشاعر والكاتب الصحفي الشاب سيد محمود، رئيس تحرير جريدة "القاهرة"، قال إنه لا يعرف وليد ديدا ولم يسمع، ولكنه ألقى نظرة على كتاب زاب ثروت العام الماضي، لافتاً إلى أنه لا يشعر بأي انزعاج من فكرة الكتب الأكثر مبيعاً، وبرر ذلك قائلاً: "لو قرأنا تاريخ الكتابة سنجد أن هذه الظاهرة موجودة منذ فترة طويلة، فهناك كُتاب يبيعون كثيراً ولا يبقون بعد رحيلهم، وهناك كُتاب يبقون بإبداعهم. فعلى سبيل المثال من فترة الستينات والسبعينات كانت كتب الروائي يوسف السباعي، وزير الثقافة، توزع بأرقام أكثر من روايات العبقري نجيب محفوظ، ولكن من بقي منهما محفوظ أم السباعي؟".

sayed mahmoud

إلا أن الفارق الموجود حالياً، كما يقول رئيس تحرير جريدة "القاهرة" هو "السوشيال ميديا"، إضافة إلى أن قديماً كان هناك العديد من المقالات النقدية؛ لأن سوق الكتب وقتها كانت أكثر تنوعاً. ويعتقد سيد محمود أن الجمهور سيترك كل هذا العبث الشعري ويصعد درجة أعلى في مستويات القراءة والوعي.

وفي ما يتعلق بزاب ثروت، وحضور هذا العدد الضخم من الجمهور في حفل توقيع كتابه العام الماضي، قال: "الأمر يتلخص في أن هذا الجيل خرج من رحم الثورة ومن فكرة الاحتجاج والتعبير عن الرأي، وكان يرى نجمه في حفلات لم تعد قائمة بكثرة مثل وقت مضى، فجلّ ما يمكن أن يفعله لدعم هذا النجم هو الذهاب إلى حفل توقيع إصداره الورقي، وذلك سيحدث بشكل أكبر إذا قرر محمد أبوتريكة مثلاً أن يصدر كتاباً، وقتها ستغلق شوارع مصر عن بكرة أبيها".


القارئ الحقيقي يعرف طريقه


ويضيف سيد محمود: "الجمهور من هذه الفئة التي نتحدث عنها، يتعامل مع الكتب كما يتعامل مع الفساتين، أما القارئ المحترف فهو يعرف طريقه جيداً. وبناءً على ذلك أيضاً فمعايير الأدب تختلف تماماً عن معايير النجم، وما نمر به مسار طبيعي يتناسب مع جمهور لم يقرأ كتاباً حقيقياً من قبل. ولدينا نماذج أخرى لشعراء جيدين، منهم على سبيل المثال مصطفى إبراهيم، وعمرو حسن، وضياء الرحمن، ولو أحسنّا تقديم هؤلاء إلى الجماهير لتوقفت تلك الظواهر الغريبة".


غياب النقد


"لا يوجد لدينا للأسف دراسات نقدية عن تلك الظواهر حالياً"، فالنقاد - كما يقول سيد محمود - يخافون الاقتراب من تلك الظواهر.

ولكن الناشر محمد هاشم يقول: "لو أن الناقد كتب مقالاً في صحيفة (أخبار الأدب) مثلاً هل تعتقدون أن هذا النوع من الجمهور سيقرأ ما كتب؟ هذا الجمهور للأسف لا يقرأ الصفحات الثقافية والحل لمثل هذه الظاهرة يتعلق بسياسة الدولة في التعليم والثقافة، والعودة إلى مكتبة المدرسة مرة أخرى، ورفع مستويات الاهتمام الرسمي بالثقافة، وهذا سينعكس على ظهور جيل له ملامح مختلفة عن الموجود حالياً".