بعد أن خُدعوا في العراق.. المفتشون النوويون يستخدمون تقنيات حديثة للكشف عن "غش" إيران

تم النشر: تم التحديث:
ANNWWY
social media

في أعقاب هزيمة العراق فى حرب الخليج عام 1991، عاد مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بغداد بتفويض من مجلس الأمن للعثور على برنامج الأسلحة النووية المحظورة وتدميره، إلا أن ما وجدوه هناك أصابهم بالدهشة.

فخلال ثمانينيات القرن الماضي، قام المفتشون التابعون للوكالة بعمل مسحٍ شامل للمنشآت النووية العراقية للتأكد من صحة وشمولية البيانات التي قدمتها بغداد للوكالة الدولية للطاقة الذرية ومقرها فيينا، وعلى الرغم من تشكيك الكثيرين داخل الوكالة بنوايا بغداد النووية، إلا أنهم لم يتمكنوا في نهاية المطاف من إدراك المدى الحقيقي لبرنامج صدام حسين النووي بحسب تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي الأميركية.

استخدم العراق بعض الحملات الخادعة والمضللة من أجل الحصول – سراً- على الأدوات، والمواد، والمعرفة الضرورية لصنع السلاح النووي، وقد حدث هذا فى الوقت ذاته الذي كانت تُقدم فيه الدعوات لمسئولي الوكالة لزيارة بعض المواقع التي أُنشئت خصيصاً لغرض الزيارات فقط كمنشأة التويثة للأبحاث النووية، وهو ما أعطى المسئولين الانطباع بأن العراق بعيد كل البعد عن امتلاك القنبلة النووية، وهو التقدير الخاطىء الذي لم يُصحح إلا في أعقاب حرب الخليج.

واليوم، فإن هذه التجربة التي مر بها المفتشون في العراق مازالت راسخة جيداً في أذهانهم عندما جاءت اللحظة للقيام بأعمال التفتيش ولكن هذه المرة ليس في العراق بل في إيران.


هل تحدث حرب كحرب العراق؟


ففي أعقاب إبرام الاتفاق النووي مع إيران العام الماضي، أصبح دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية حاسماً فيما يتعلق بسريان هذا الاتفاق وذلك لأن الوكالة أصبحت أمام مهمة أخرى وهي محاولة الكشف عما إذا كان فى نية طهران إعادة تشغيل بعض المفاعلات النووية سراً، وهو ما قد ينتج عنه – إن حدث – نشوب حرب كبرى مرة أخرى فى منطقة الشرق الأوسط.

ففي تسعينيات القرن الماضي، اكتشف مفتشو الوكالة أن العراق أقام – سراً – منشأة صناعية لتخصيب اليورانيوم، وأحرز تقدماً كبيراً في تصميم بعض الأسلحة النووية، وقد كان مهندسو العراق النوويون يأملون في امتلاك أول سلاح نووي بحلول عام 1991، ولكن حدثت الانتكاسة لكل هذه المخططات عندما قامت إسرائيل بقصف مفاعل أوزيراك المعروف باسم مفاعل تموز.

عدلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من سياستها من أجل العثور على المنشآت النووية السرية والقضاء على أسلحة الدمار الشامل في العراق للأبد، وبناءً على هذه السياسة استخدمت الوكالة المتفجرات لتدمير أكثر من 500 ألف قدم مربع من المنشآت العراقية، هذا بالإضافة إلى شحن جميع المواد النووية خارج العراق، والاستيلاء على الأجهزة الموجودة في هذه المنشآت وإعادتها إلى مقر الوكالة بفيينا.


هل ستصنع إيران القنبلة النووية سراً؟


تيرو فيرجيرنتا، نائب المدير العام ورئيس قسم الأمن والسلامة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، قال إن الأدوات التي كانت تستخدم من أجل البحث عن النشاطات النووية السرية فى العراق لم تكن بالكفاءة والتقدم الكافيين للعثور على المطلوب، ومنذ ذلك الحين اتبعت الوكالة بعض التقنيات الحديثة مثل أخذ بعض العينات البيئية والتي من شأنها الكشف عن أي آثار لمواد نووية حتى لو كانت ضئيلة للغاية، هذا بالإضافة لتحليل الصور القادمة من الأقمار الصناعية للكشف عن البرامج النووية السرية بشكل أفضل، والتي تُستخدم فيها أحدث تقنيات التصوير لرصد المنشآت النووية السرية، هذا بجانب المقدرة التي تمتلكها تلك الكاميرات فى التواصل مع الأختام الموجودة على الحاويات المغلقة، وإن تم العبث بهذه الأختام الموجودة على الحاويات فإن هذا يدفع الكاميرات إلى العمل بشكل أتوماتيكي لمراقبة الأنشطة التي تحدث في المنطقة.

لاشك أن هذه الأدوات ستكون هي العامل الحاسم في التأكد من أن إيران سوف تفي بوعودها، ولكن هناك شيئاً آخر يجب وضعة فى الحسبان وهو، طبقاً للاتفاق النووي المبرم، فإن إيران لديها المقدرة على اختيار التقنية التي ستُستخدم من قبل الوكالة أثناء عمليات المراقبة والتفتيش، وهو ما دفع البعض لانتقاد هذا الاتفاق - وبالأخص إسرائيل والعديد من مرشحي الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية القادمة – وذلك لأن تخفيف العقوبات على إيران سيسمح لها باسترداد واستخدام بعض الأموال المفرج عنها لإعادة تصنيع القنبلة النووية سراً.


أنشطة إيران تحت المجهر


"لم تقم إيران بعرقلة عمل المفتشين حتى الآن" بحسب قول فيرجيرنتا، وذلك لأن إيران سمحت للوكالة باستخدام كاميرات الجيل الثاني في نظام المراقبة المفروض عليها، مضيفاً "نحن الآن نمتلك كل ما نحتاجه من تقنيات لأداء عملنا على أكمل وجه، وأنشطة إيران النووية أصبحت تحت المجهر".

يُمكّن الاتفاق النووي المبرم المفتشين من استخدام أجهزة البث الحي من أجل مراقبة المنشآت النووية الإيرانية وذلك للتأكد من عدم تخطي إيران لنسبة 3.67 أثناء عمليات تخصيب اليورانيوم.

ورفض مصدر رفيع المستوى بقطاع الطاقة التصريح عما إذا كانت إيران قد سمحت للمفتشين باستخدام التقنيات اللازمة لإتمام عملهم، وبدلاً من هذا فقد صرح المصدر بأن المسئولين الأميركيين يبذلون قصارى جهدهم لضمان حصول أعضاء فريق التفتيش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية على التقنيات اللازمة لتسهيل سير العمل، وأن المفاوضات حول التقنية المراد استخدامها مازالت قائمة.

يمكننا القول بأنه لم يتم التنويه عن الأداة ذات الأهمية الكبرى في عمليات كشف المنشآت النووية السرية فى البرنامج النووي الإيراني في الاتفاق النووي الذي تم إبرامه.

وعلى الرغم من عدم وضوح الأداة التي ستستخدمها الوكالة أثناء عمليات المراقبة، إلا أن هناك علاقات قوية تجمع وكالات الاستخبارات والتجسس حول العالم – مثل الـCIA – والوكالة الدولية للطاقة الذرية وهو ما يُتيح للوكالة الاطلاع على أهم وأدق المعلومات حول هذه المنشآت ومن ثم إخبار مفتشيها بما يجب فعله، مع العلم أن هذه ليست المرة الأولى التي قد يحدث فيها هذا التعاون بين وكالات التجسس والوكالة الدولية للطاقة الذرية. ففي بداية عام 2000، قامت الاستخبارات الأميركية بإعطاء بعض المعلومات للوكالة الدولية للطاقة الذرية حول وجود موقع لتخصيب اليورانيوم فى منطقة "نطنز" في إيران.


كنز غير متوقع للاستخبارات


الآن، أعطى الاتفاق النووي مع إيران وكالة الاستخبارات المركزية أداة قوية لتحسين مراقبتها لإيران، فقد نظّم الاتفاق مع إيران ما يُسمى بـ"قناة المشتريات"؛ وهي العملية التي يجب أن تتبعها إيران من أجل الحصول على السلع المستخدمة للأنشطة النووية أو ما يسمى بـ"السلع ذات الاستخدام المزدوج"، والتي يمكن استخدامها في الأغراض المدنية أو غير المدنية على حد سواء.

أوجبت الصفقة على الدول التي تبيع قائمة طويلة من السلع إلى إيران إصدار تقارير بشأن تلك المبيعات، بحيث يكون للقوى التي تفاوضت بشأن تلك الصفقة حق الاعتراض –الفيتو- على تلك الصادرات. وتلك القوى هي: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا والصين وروسيا وألمانيا.

ومن المرجح أن تفرز "قناة المشتريات" والتي لا تلقى اهتماماً يُذكر -رغم كونها جزءاً رئيسياً من الصفقة- كمية هائلة من البيانات بخصوص الواردات الإيرانية.

وقال جيمس أكتون -المدير المشارك في برنامج السياسة النووية في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي "إنها مثل كنز غير متوقع لوكالات الاستخبارات."

وأضاف "إذا تم رصد استيراد شيء لم يتم الإعلان عنه، يمكن أن يُمثل ذلك في حد ذاته انتهاكاً للاتفاقية. ويمكن عند تلك النقطة لوكالة الاستخبارات تحذير وكالة الطاقة الذرية، ويمكن للوكالة حينها طلب التفتيش."

ولكن ستظل المعلومات التي تقدمها "قناة المشتريات" لقوى العالم غارقة في الغموض. فالقناة تطالب بائعي السلع الخاضعة للرقابة بتقديم تقارير بشأن صادراتهم إلى الأمم المتحدة. وعمل الدبلوماسيون الأمريكيون بشكل قوي في الأشهر الأخيرة لإبلاغ الدول بالتزاماتهم والشراء منهم.

وكما تحدث مسئول بوزارة الخارجية عن العمل الدبلوماسي الحساس لتنفيذ الاتفاق "رد الفعل الأولي الذي نحصل عليه هو أنهم لا يزالون يحاولون استكشاف الأمر."

وقال المسؤول "لم يتضح بعد حجم السلع التي يجب أن تعالجها القناة، ومن المرجح أن كميات كبيرة من السلع المدنية سوف تتعين معالجتها. ويمكن أن يشمل هذا: معادن معينة، والصمامات، والمضخات، والمنتجات ذات العلاقة بصناعة السيارات والطائرات بإيران"


كعب أخيل


ولكن التحدي الحقيقي لوكالة الطاقة الذرية يكمن في مهمة مزدوجة تقوم بها في إيران: ليس مجرد التحقق من التزام إيران بالقيود المفروضة على برنامجها النووي، ولكن أيضاً التحقق من عدم وجود أي برنامج نووي غير مشروع على الإطلاق.

أولي هاينونن -مسؤول سابق بالوكالة وزميل كبير بمركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية في كلية هارفارد كينيدي للإدارة الحكومية-يطلق على التأكد من عدم وجود برنامج سري بمثابة "كعب أخيل" للوكالة.

وفقا لهاينونين، المهمة الصعبة المتمثلة في إثبات أمر صعب كهذا يجب أن تكون بفحص دقيق للغاية للتصريحات الإيرانية، والبحث إذا ما كانت أنشطتها على أرض الواقع تُطابق تلك التصريحات أم لا.

وقال: "المفتشون سيسعون للوصول لصورة متناسقة ومتماسكة خالية من التناقض."

وقال هينونين: التنازلات المقدمة لإيران جعلت هذه المهمة أصعب. للحصول على موافقة إيران على الصفقة، لم تطلب مجموعة 5 + 1 من إيران أن تقدم معلومات تاريخية عن أنشطتها النووية. وأضاف: "مثل هذه المعلومات كانت بمثابة خط رئيسي مهم للمفتشين لتقييم مزاعم إيران حول أنشطتها الحالية. أما الآن فلا يوجد ضمان 100%."

هذه المادة مترجمة بتصرف عن مجلة فورين بوليسي الأمريكية.