الأسواني لـ"الغارديان": أتمنى دولة علمانية ديمقراطية قبل موتي

تم النشر: تم التحديث:
KISH ISLAND
social media

"تلك الأيام الثمانية عشر كانت أجمل أيام حياتي"، هكذا قال الأديب المصري علاء الأسواني عن التظاهرات التي اجتاحت ميدان التحرير بالقاهرة في يناير 2011، وقادت بلاده إلى الثورة، وأجبرت الرئيس الأسبق حسني مبارك على التنحي في ذروة الربيع العربي.

"عندما تعيش مثل هذه الأحداث الكبرى، لا تقدر، أو بالأحرى أنا لا أقدر، على كتابة رواية عنها مباشرة. عليك أن تمتلك مسافة فاصلة، وأنا أمتلك تلك المسافة الآن، وأكتب رواية عن الثورة"، يقول الأسواني بصوت رخيم، ورطانة إنكليزية، خلال حديثه مع محاوره بصحيفة "الغارديان" البريطانية، بينما يتناول مشروب الشوكولاتة الساخنة في مقهى بمنطقة إدجوير بلندن.

للوهلة الأولى تبدو روايته الجديدة - التي تأخرت ترجمتها إلى الإنكليزية إذ نُشِرت في مصر قبل 3 سنوات - تبدو شيئاً مختلفاً تماماً؛ تراجعاً عن الاضطراب في حاضر مصر.


نادي السيارات


روايته "نادي السيارات" التي تقع أحداثها في أربعينيات القرن الماضي هي حكاية ازدهار وتدهور الشرق الأوسط بين الخدم والأسياد، المصريين والأجانب، العائلة المالكة المنحلّة والعائلة المصرية العادية.

النادي الذي تم تسمية الرواية باسمه، هي مثل روايته الأولى "عمارة يعقوبيان" مكان حقيقي، وعندما كان الأسواني طفلاً، كان والده يعمل محامياً لهذا النادي.

شاهد الأسواني الملكَ يلعب الورق، واحتفظ بتلك المشاهد، والقصص التي قيلت على لسان الخدم الذين كانوا يعيشون معه. لكن الرواية التي تتخذ حركةَ الاستقلال خلفيةً لها، بكل أحداثها الدرامية عن تمرد عمال النظافة، الطباخين وعاملي البار ضد مشرفهم المستبد، لها معنى رمزي أراد الكاتب أن يشير إليه.

"هل كل شخص مستعدٌّ حقاً لدفع ثمن الحرية؟ هل يفتقد الناسُ الذين عاشوا عقوداً في ظل الديكتاتورية الحرية حقاً؟ أم أنهم تأقلموا؟ هذا هو السؤال في الرواية، وفي مصر"، هكذا قال الأسواني في حديقة عن الرواية التي وصفها أحد النقاد بأنها "رواية الربيع العربي".


مستعدون لدفع ثمن الحرية


وكانت إجابته على تساؤل: هل الناس مستعدون لدفع ثمن الحرية؟ هي: "لا". فبينما قامت حفنةٌ من المتمردين يقودهم موظف شكّلوا خليةً وطنية، ورأوا بذور التمرد في النادي الذي يُرهب العاملين فيه، فضل الكثيرون البقاء على وضعهم الراهن.

"هم أيضاً كانوا يأملون بأن يقوم الكوو (كبير خدم الملك في الرواية) ليضع نهاية للضرب الذي يتعرضون له، ولكنهم كانوا متأكدين أن هذا لن يحدث أبداً، كانوا يعلمون أنهم لن يروا العدالة تحكم.

"عبدون" (المتمرد) قال الحقيقة، ولكن ما قيمة ذلك؟ متى غيرت الحقيقة أي شيء في حياتهم؟ كانوا يتوقون لرؤية عبدون يتلقى نصيبه من الضرب بالعصا، بينما يصرخ ويتوسل الغفران من "الكوو"، فهذا سيجعلهم يشعرون بالأمان مجدداً".

إنها نظرة محبطة لأهل موطنه، وربما للوحشية والسادية الإنسانية عموماً. لكن الأسواني البالغ من العمر 58 عاماً يقول إنه مفعمٌ بالأمل بشأن المستقبل. فهو يتوقع أن يرى الثورة – التي يقصد بها حركة تنادي بدولة علمانية ليبرالية ديمقراطية – حقيقة واقعية قبل موته، في الوقت الذي تحظى فيه تلك الثورة بدعم أقل من 20% فقط من السكان.


الثورة تغيير إنساني


حين سألته كيف هو متأكد من أن المصريين الآن يختلفون عن الذين كانوا يعيشون تحت حكم مبارك، رد قائلًا: "أنا روائي.. مهمتي أن أفهم الناس"، وحين سألته عن القيم الإنسانية، ومن أين جاءت، رفض السؤال قائلًا: "أنا لا أعتقد أن القيم الإنسانية تحتاج إلى تعريف"؛ على الرغم من أنه استطرد في ذكر الكرامة والحرية والعدالة، وقال: "نحن لدينا قيم إنسانية امتدت لقرون قبل أوروبا، منذ تاريخنا الفرعوني القديم".

"لا شك أننا لم نحقق شيئاً سياسياً"، قال معلقاً على الفشل المحقق في السنوات الخمس الماضية، إلا أنه أضاف بنبرة تفاؤل ملحوظة: "ومع ذلك، أنا لا أؤمن بأن الثورة هي تغير سياسي، أؤمن بأنها تغير إنساني. لقد تخطى الناس حاجز الخوف وهذا أمر لا رجعة فيه. ووفقاً لذلك؛ فأنا متفائل جداً، وما نعيشه الآن حدث في كل الثورات دون استثناء. الثورة المضادة تصل عندما تكون الثورة أقل جاذبية للشعب".

وُلد الأسواني عام 1957، وكان الطفل الوحيد لوالدين ثريين متعلمين لديهما أقرباء من المسؤولين الحكوميين من كلا الجانبين. ذهب إلى مدرسة الليسية الفرنسية في القاهرة، وقرر بينما كان في عمر 11 عاماً أن يصبح كاتباً، وذات مرة دفع أمه للبكاء بسبب قلقها حياله، حيث يقرأ باستمرار لساعات تزيد على 24 ساعة متواصلة.

الأسواني يتحدث عن والديه بعاطفة عظيمة، لكنه يفتقد وجودَ أشقاء: "في البداية تستشعر الوحدة، ثم تتعلم كيف تكتسب أصدقاء بشكلٍ جيد – بشكل أفضل من بقية الناس - لأنك تحتاج أصدقاءك أكثر من أي شخص آخر، كما أنك تجالس الكبار وتستمع إلى أشياء مفيدة، ربما إن كان لديك أخوات وأخوة لما كنت استمعت إليها".


طبيب أسنان


بحسب نصيحة والده، وليقينه بأنه من المستحيل أن يكسب عيشه من العمل كمؤلف (حتى أن نجيب محفوظ، الكاتب المصري الحائز على نوبل كان لديه وظيفة) فقد عمل كطبيب أسنان، مشرِّحاً الصراصير كجزء من المنهاج الذي وضعه البريطانيون، ومازالت لديه عيادة في القاهرة، ويشير إلى أنها ساعدته على نحو جيد قائلاً: "أنا أتمكن من كسب عيشي من طب الأسنان. فلم أتقاضَ جنيهاً واحداً من أي حكومة، وهذا يمكنني من قول ما أؤمن به. كما أنها طريقة رائعة للتواصل مع الناس. أنا أرى في أعينهم أسئلة". عندما سألته: "كيف تتمكن من التواصل مع الناس الجالسين بأفواه مفتوحة؟"، ضحك ضحكة خافتة وأجاب: "أنا لست طبيباً نموذجياً، أنا أستمع إلى مرضاي، ويصبحون أصدقائي".

لمدة 6 أشهر، كان الأسواني يعمل لدى شركة كطبيب أسنان في مصنع للأسمنت، فهكذا يحب أن يذهب إلى عوالم أخرى، وتلك الذكريات قد تظهر إلى جانب عمله طبيب أسنان في أعماله الأدبية.

تزوّج الأسواني من محاسبة، وأنجبا 3 أبناء، وظل يتابع القراءة والكتابة. كان يفضّل روايات أميركا الجنوبية أكثر من الروايات الفرنسية التي درسها في المدرسة. طموحاته الأدبية أُحبِطت وكان على وشك الهجرة إلى نيوزيلندا، وحينها انتقلت حياته إلى النجاح.


عمارة يعقوبيان أنقذتني


يقول الأسواني: "كنت يائساً؛ لأن الناشرين رفضوا نشر أعمالي 3 مرّات خلال تسعينيات القرن الماضي، وقلت لزوجتي آنذاك إني اكتفيت من الكتابة الأدبية، أنا أعمل فيها بجد لمدة 10 سنوات، ولا يمكنني حتى أن أنشر أعمالي. قلت إني سأنهي الرواية التي أعمل عليها، وكالمعتاد سأدفع مقابل طباعة 500 نسخة منها لأوزعها على الأصدقاء والنقاد وبعدها سأتوقف".

كانت تلك رواية "عمارة يعقوبيان"، وعندما قام صديق (شيوعي طليعي) بنشرها عام 2002، نفدت الطبعة الأولى.

"لست متأكداً إن كنت قادراً بالفعل على التوقف عن الكتابة، ولكني كنت غاضباً جداً.. رواية عمارة يعقوبيان أنقذتني"، قال الأسواني. الرواية تعرض صورة للحياة والحب لدى أهل القاهرة الحديثة. وما شملته الرواية من اغتصاب وقع من خادم العائلة لطفل يبلغ من العمر 9 سنوات، ورحلة تحوّل لشخصية أخرى بالرواية من شرطي إلى جهادي جعلها تُحدث ضجة كبيرة، فقد بيعت أكثر من مليون طبعة بنحو 35 لغة، وتجاوز الفيلم السينمائي المأخوذ عن الرواية الأرقام القياسية المصرية. كان الأسواني فخوراً بذلك.

يقول الأسواني إن أكثر ما يهمه هو هذه القصص الشخصية والفردية: "في أي عمل روائي يوجد ما نسميه "عنصر الآنية"، أي تناول مشاكل الحاضر؛ ولكن أهم عنصر في الأعمال الروائية هو العنصر البشري، وهو ما يجعلنا الآن قادرين على قراءة دوستويفسكي، وديكنز، وبلزاك، رغم أن عنصر الوقت ليس متصلًا بنا، فالعنصر الإنساني مازال موجودًا".


مؤيد للعلمانية


وتابع "بالنسبة لي، يجب أن تكون الرواية ممتعة، يجب أن يكون بها شخصيات، وهذا هو التحدي بالنسبة لي، حين ينتهي القارئ من قراءة الرواية يجب أن يشعر بأنه صار شخصاً آخر إلى حد ما، أن تنتقل إليه التجربة الإنسانية".

الأسواني مؤيد للعلمانية وكان داعمًا للمرشح اليساري بالانتخابات الرئاسية لعام 2012، حمدين صباحي، ويعارض بشدة أي شكل من أشكال الإسلام السياسي الذي يعارض الديمقراطية، حسب رأيه.

ويعد الأسواني أحد أشد منتقدي النظام الحالي، وخلال الأشهر الخمسة عشر الماضية مُنِع من كتابته المعتادة في عمود للرأي بصحيفة مصرية، وفي الشهر الماضي مُنِعَت ندوة له كان من المقرر عقدها في الأسكندرية، وهو ما علق عليه قائلًا إنه ليس خائفاً.

وعلى الرغم من أن الأدب هو الأولوية بالنسبة له، فإن هذا لا يعفيه من المسؤوليات الأخرى. اقتداءً ببطله غابرييل غارسيا ماركيز، يقول الأسواني: "مفهومي عن الأدب أنه بمثابة دفاع فني عن القيم الإنسانية. لا يمكن أن تلتزم بالدفاع عن القيم الإنسانية إن كنت ستبقى في المنزل بينما الملايين من الناس يتظاهرون في الشارع. لا أعتقد أني استثناء، هناك تاريخ طويل من الروائيين الذين بادروا للدفاع عن الثورات والقيم الإنسانية في الكتابة وفي الشارع أيضاً".

وتابع: "لا يمكن أن تكون ملتزماً بالدفاع عن القيم الإنسانية، في الوقت الذي لديك فيه ملايين الناس في الشوارع، ويموت الناس وأنت جالس بالمنزل، أنا لا أعتقد أنني استثنائي، فهناك تاريخ طويل من الروائيين الذين اتخذوا موقفاً للدفاع عن الثورات والقيم الإنسانية بكتابتهم وفي الشوارع أيضاً".

حول الويب

"نادي السيارات" برؤية علاء الأسواني .. بلد على حافة التغيير العنيف