"الفن ميدان".. صوت ثورة مصر الذي أخرسه الأمن

تم النشر: تم التحديث:
ART S SQUARE
social media

"الفن ميدان"، لم يكن مجرد ملتقى فني وثقافي يقام في ميدان قصر عابدين بالقاهرة كل شهر، بل كان فاعلية بنكهة الثورة، فقد خرج من رحمها مباشرة. وبعد أن كان الفن إحدى علامات الثورة وملامحها في الميدان، صار أيضا علامة على استمرارها، فبمجرد إخلاء ميدان التحرير بعد تنحي مبارك في الـ11 فبراير/شباط 2011 ، بدأت المساعي لتأسيس هذا المشروع ليكون امتدادا فنيا وثقافيا لأجواء ميدان التحرير طيلة الـ18يوما.

في الذكرى الخامسة للثورة، يفتقد الكثيرون هذه الفاعلية التي طالما كانت منصة أمل رغم كل العراقيل. ولكن "الفن ميدان" صار الآن علامة على غياب الثورة أو خفوت صوتها بعد أن منعت الأجهزة الأمنية في مصر تلك التظاهرة الثقافية الفنية خوفا من تحول الغناء إلى مظاهرة تذكر الجميع بالميدان وثورته.


الفن ميدان


بدأت فكرة "الفن ميدان" بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني مباشرة في إبريل/نيسان 2011، وهو عبارة فاعلية ثقافية وفنية تقام في الميادين والشوارع بالعديد من المحافظات في نفس التوقيت في السبت الأول من كل شهر، أقيم "الفن ميدان" في العديد من محافظات مصر مثل الإسكندرية والأقصر والوادي الجديد والمنصورة، ولكن مكانه ظل في القاهرة، ويعتبر فناء قصر عابدين الأشهر بحكم قربه من ميدان التحرير.

طرحت فكرة "الفن ميدان" في البداية آنذاك ليحاكي ألوان الفنون العديدة التي ظهرت فى ميدان التحرير أثناء أيام اعتصام المتظاهرين في الميدان ما بين 25 يناير/كانون الثاني
و11 فبراير/شباط، ولكن تم إضافة العديد من الفنون الأخرى إليه فيما بعد، فأصبح "الفن ميدان" يجمع بين الرسم والغناء والمسرح والعزف وموسيقى الفنون الشعبية والفنون التشكيلية والأعمال اليدوية والكاريكاتير الساخر وأنشطة للأطفال، وكل أشكال الإبداع الفني التي تم جمعها في مكان واحد لتكون متنفسا وملاذا لكل مريدي الفن والحرية.


"الفن ميدان" والسلطة


مبادرة "الفن ميدان" لم تكن مجرد فعاليات ثقافية وفنية فحسب، بل كانت طيلة الوقت منبرا ذا مسحة ثورية واضحة، كما اعتبرت "مكسبا وانتصارا" حقيقيا لثورة 25 يناير/كانون الثاني على أرض الواقع، وكحال أي حدث كان يُستشعر بأن شيئا من روح ثورة يناير/كانون الثاني تختبئ بين طياته، كان "الفن ميدان" يجد العشرات من العراقيل والإجراءات المعقدة حتى تحول دون إقامة فعالياته.

بدأت فاعليات "الفن ميدان" فى عهد المجلس العسكري، وكانت تعلو في أحيان كثيرة هتافات مناهضة لمجلس طنطاوي أثناءه، لكن السلطة وقتها لم تحاول منع تنظيم الفاعلية، لأن الشارع كان ينبض بحالة زخم ثوري، ولم تكن السلطة تريد هذا النوع من الصدام مع ثوار يناير.

جاءت حكومة المهندس عصام شرف ترجمة لنداءات الميدان، حتى أنه قيل وقتها "إنه ثورة من رحم الشارع، وأصبح الدكتور عماد أبو غازي أستاذ التاريخ المصري المعروف وزيرا للثقافة، فقام بدعم فاعلية "الفن ميدان" وشارك فيها عدة مرات وتفاعل مع جمهور الحاضرين كمثقف مصري شارك في الثورة وليس كوزير مسؤول.


زيارة مرسي لقصر عابدين


تزامن السبت الأول من شهر سبتمبر/أيلول 2012 مع زيارة رئيس الجمهورية وقتها، الرئيس الأسبق محمد مرسي، لقصر عابدين، حيث حاول الحرس الجمهوري وكل الجهات الأمنية إلغاء الفاعلية، لكن كان لدى منظمي "الفن ميدان" تصريح من المحافظة منع إلغاء الفاعلية رغم أن تنظيمها تأخر لأربع ساعات.


كلمة أحمد حرارة "القشة الأخيرة"


جاء يوليو/تموز 2014 ليكون سبب نهاية "الفن ميدان"، حيث صعد الناشط السياسي وأحد أبرز رموز ثورة 25 يناير/كانون الثاني الدكتور أحمد حرارة على المسرح ليتحدث عن "العدالة الاجتماعية المفقودة، وارتفاع سعر الغاز، وارتفاع الضرائب فى ظل غياب الخدمات".

ووجه أحمد حرارة في الكلمة نفسها أسئلة استنكارية إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي والقضاة حول "القبض العشوائي على النشطاء وانتهاكات وزارة الداخلية وعدم سيادة القانون على الجميع، فضلا عن مطالبته بالشفافية والرقابة والحساب للجميع".

واختتم خطبته بتوجيه كلمة إلى أهالي المعتقلين ودعاهم إلى "الصبر على هذا الابتلاء"، قبل أن يسمي من المعتقلين الشباب قائلا :"هذا لن يوقفنا وسنظل ننادي بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية".


وقف فعاليات الفن ميدان


تقدم منظمو "الفن ميدان" في الـ1 من أغسطس/آب 2014 بطلب إلى قسم الشرطة في ميدان عابدين من أجل الحصول على تصريح للاحتفالية المعتادة، لكن عناصر الحرس الجمهوري المسيطر على الميدان، رفضوا لأول مرة ذلك، فكان أول علامة على نوايا الجهات الأمنية لوقف الفعالية.

وحينما توجه المنظمون إلى قسم شرطة عابدين لاستخراج تصريح ، طلب منهم مأمور القسم أن تكون صيغة طلب التصريح، هي نموذج طلب التظاهر الذي يجب ملؤه وتقديمه لمن يرغب في التظاهر، "وفقا للقانون الجديد"، وهو ما رفضوه.

بعد بيان للمنظمين حينها حول واقعة التصريح، توسط الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة آنذاك، لدى وزير الداخلية، فوافقت الداخلية على تنظيم الفن ميدان بنفس اليوم، لكن المنظمين قرروا تأجيل الفعالية لأسبوع لـ"ضيق الوقت والحصول على الموافقة في وقت متأخر".

وفي أول سبتمبر/أيلول 2014 أتى الرفض الواضح من الأمن لمنح الفن ميدان التصريح لإقامة فعالية السبت 6 سبتمبر/أيلول 2014.


حملة توقيعات للمطالبة بعودة "الفن ميدان"


وقع أكثر من 200 فنان ومثقف ومخرج وصحفي وآخرون في يناير/كانون الثاني 2015 على طلب لوزير الثقافة جابر عصفور، آخر وزراء الثقافة في عهد مبار، والذي عاد مرة أخرى لتولي المسؤولية في عهد السيسي، من أجل عودة "الفن ميدان".

وكانت أهم المطالب للموقعين على البيان الحصول على الموافقات الأمنية غير المشروطة لإقامة "الفن ميدان" في ميدان عابدين وفي كل ميادين مصر في موعده الثابت في السبت الأول من كل شهر، وإعلان موقف واضح رافض لـ"التعنّت الذي تلاقيه مبادرات ثقافية وفنية مختلفة من قبل الجهات الأمنية"، حسب تعبيرهم.


اللي يخاف من ريشة ولون مايقدرش يحكم


قال الشاعر زين العابدين فؤاد، أحد مؤسسي "الفن ميدان"، إن "اللي يخاف من ريشة ولون مايقدرش يحكم شعب بيرسم ويحلم ويفكر ويغني"، في إشارة إلى منع المبادرة.

وأضاف: "اللي يخاف من الريشة والعود وتجمع الناس فى الميادين يبقى مايقدرش يحكم، وتوقُّف الفن ميدان الآن يؤكد على وجود عقلية أمنية ضيقة تجد أن المنع هو الحل، بينما الحل هو إطلاق كل الحريات والفن ميدان كان متنفسنا للتعبير عن حريتنا بالفن، لذلك أوقفوه”


اللي بيروح مابيرجعش


وعن إمكانية رجوع حفلات "الفن ميدان" من جديد، فال محمد حبيب، أحد مؤسسيها، إنه في مصر "مفيش حاجة بترجع اللي بيخلص خلاص بيخلص علطول"

وتابع حبيب قائلا في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي" إن "الفن ميدان" كانت تجربة فريدة من نوعها لمجرد أنها استطاعت أن تستمر لأربع سنوات متواصلة "وهي التجربة الوحيدة التي نجحت فى ذلك، حتى التجارب المشابهة التي كانت وزارة الثقافة تدعمها لم تستمر لشهور".

وأكد حبيب أن جميع المنظمين لـ"الفن ميدان" كانوا يعملون بشكل تطوعي، واهتموا بتقديم العديد من الفرق الموسيقية الجديدة، وكان الهدف أن يستمتع المواطن البسيط بكل هذه الأنواع من الفنون بدون أي مقابل.

وبمناسبة الذكرى الخامسة للثورة، أشار إلى أنه "نجد رمزا ملهما آخر من رموز الثورة قد تم إجهاضه بعناية ليتم وضعه فوق ركام المكاسب البسيطة للثورة والتي ظن الكثيرون يوما أنها ستبقى لتذكرنا دائما بأجواء أيام الثورة بميدان التحرير"، على حد تعبيره.

ويحسب للفن ميدان أنه كان ساحة لا تعرف التحزب السياسي، فقد قدم دروايش الصوفية وأناشيدهم الدينية وقدم فرقا تعرّف إليها الجمهور للمرة الأولى مثل فرقة "الأوّلة بلدي" وفرقة "إسكندريلا" التي مهدت الطريق للوجدان المصري ليعرف الثورة عبر تقديمها لأغنيات الشيخ إمام الذي كان مطرب الثورة الأكبر، ومطرب "الفن الميدان" أيضا، حيث تبارى الفنانون لتقديم أغنياته.