أهالي ضحايا ثورة يناير يستنكرون الهجوم عليها: إنهم يقتلون الشهداء مرتين

تم النشر: تم التحديث:
EGYPTIAN REVOLUTION OF 2011
- via Getty Images

اختلف المصريون حول تعريف "الشهيد"، كما اختلفوا حول أعداد مَن سقطوا منذ بداية الثورة حتى الآن، واختلفوا أيضاً حول ما إذا كانوا "شهداء" أم "شركاء في مؤامرة"، فمنهم من أعتبر قتلى الليبراليين والقوميين اليساريين "شهداء"، وآخرون اعتبروا قتلى الإخوان "شهداء" بينما رآى البعض الأخر أن قتلى رجال الأمن "شهداء"، ولم ينجُ كل هؤلاء من التصنيفات.

ورغم مرور 5 سنوات فإن شجرة الضحايا لم تتوقف عن الطرح، لكن مع اقتراب ذكرى 25 يناير/كانون الثاني سنقتصر فقط على قراءة هذا الملف الشائك عند لحظات البداية.. تلك اللحظات التي بدأت في 25 يناير/كانون الثاني وانتهت في ١١ فبراير/شباط 2011 بتنحي مبارك عن الحكم، حيث سقط خلال فترة الـ18 يوماً الأولى 1075 قتيلاً في 22 محافظة مختلفة مما تم حصره فى مختلف أنواع الوقائع، وفقاً لموقع "ويكي ثورة".

لكن شهادات الأهالي لا تقرأ الملف بالأرقام. بل تفتح لكل "شهيد" نافذة للذكرى، يعيدون من خلالها قراءة ما جرى في تلك السنوات الخمس.

الأهالي لم يتوقفوا أمام تعويضات حصلوا عليها لا تتجاوز مئات الدولارات، ولم يهمهم كثيراً إطلاق أسماء أبنائهم على بعض الشوارع، أو منحهم دقائق على الفضائيات يتكلمون فيها عنهم، يهمهم فقط الدفاع عن سمعة مَن راحوا في "ثورة" يراها آخرون الآن "مؤامرة".. وكأن أهالي القتلى ينقذون أبناءهم من موت متجدد.

"هافينغتون بوست عربي" تواصلت مع أُسر عدد من "شهداء يناير"، حيث أكد أهالي الضحايا أنهم غير آسفين على مشاركة أبنائهم في الثورة رغم ضياع حقوقهم.. وأنه لو عاد الزمن لنزلوا هم أيضاً لمشاركة أبنائهم في هذا الحدث.


"حق ابني عند ربنا"


"قولوا لأمي متزعليش وحياتي عندك متعيطيش.. قولولها معلش يا أمي أموت أموت وبلادنا تعيش.. أمانه تبوسولي إيديها وتسلمولي على بلادي".. هذا المقطع من كلمات الأغنية الشهيرة تضعها "سيدة حسن عبدالرءوف"، والدة الراحل مصطفى العقاد، نغمةً لهاتفها، تذكّرها كلما رنّ الهاتف بحلم ووصية ابنها، لتردد كلما سمعت اسمه: "حقك عند ربنا يا ابني إنت واللي زيك".

المرأة التي تجاوزت الخمسين من العمر، ومازالت تتشح بالسواد رغم مرور 5 سنوات على مقتل ابنها، قالت لـ"هافينغتون بوست" إنها كمن فقد روحه بعد رحيل ابنها، خاصة أن "كل شيء على حاله، فمازال الفساد كما هو، ومازالت الإهانات للناس، بل والأدهى من ذلك هو براءة حسني مبارك ورجاله من جريمة قتل الشهداء"، وأضافت أنها كلما سمعت خبراً عن قتلة ابنها رفعت يدها إلى السماء وقالت: "حق مصطفى عندك يا رب".

الدموع سبقت أم مصطفى وهي تقول إن الإعلام يريد أن يمحو ثورة 25 يناير، ويقول إن 30 يونيو فقط هي الثورة، مطلقة سؤالاً للفضائيات: "أخبروني كم شهيدٍ سقط في 30 يونيو؟!".

الأم التي لم يمحُ مرور السنوات وكبر السن تفاصيل يوم مقتل مصطفى (18 عاماً) من ذاكرتها، تقول إنها لم تكن تعلم شيئاً عن أحداث يناير، فهي لا تتابع الإنترنت مثل ابنها، ولكنه كان يقول لها: "الناس مش هتسكت يا أمي.. هيرجّعوا حق البلد.. هيخلصونا من 30 سنة فساد".

وواصلت: "لكنني كنت أقاطعه قائلة: ملناش دعوة إحنا غلابة، حتى أن يوم استشهاده في جمعة الغضب بعدما عاد من صلاة الجمعة منعتُه أنا ووالده من الخروج، فما كان منه إلا أن دخل حجرته وقفز من الشباك دون علمنا، ليسقط شهيداً في ميدان المطرية بعد أن تلقى 3 رصاصات، رصاصة في قدمه ورصاصتين في صدره، ومازال والده يحتفظ بإحدى تلك الرصاصات التي أعطاها له الطبيب".

أم مصطفى قالت إن أحداً لم يهتم بهم باستثناء بعض وسائل الإعلام التي تتحدث إليهم في ذكرى الأحداث كل عام فقط، وأوضحت أن المدرسة المجاورة للمنزل كان بها قائمة بقتلى يناير من المطرية (أحد أحياء محافظة القاهرة) وعددهم 32 قتيلاً، ولكن المدرسة أعادت طلاء الجدران ومحت صورهم، مثلما يحاولون "محو الثورة من الذاكرة".


"كان بيحلم يغير التاريخ"


ومن ميدان المطرية إلى ميدان القائد إبراهيم بمحافظة الإسكندرية، حيث سقط حسين طه (20 عاماً)، والده قال لـ"هافينغتون بوست" إن ابنه "كان يحلم بأن يغيّر التاريخ بس مفيش حاجة اتغيرت وربنا يعوّض علينا"، وأضاف وهو يغالب دموعه: "هما كانوا فاكرين إنهم بيرضونا بالتعويضات المادية، لكني رفضت أخذ أي تعويضات مادية، وأرضاني أن يضعوا اسمه على المدرسة التي درس بها، بالإضافة إلى أحد مدرجات كليته (كلية الحقوق) بجامعة الإسكندرية".

وبعد تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك شعر والد حسين بأن حلمه تحقق، ولكن كل الأحداث التي تلت ذلك أثبتت له أن دماء القتلى لا تكفي لتحقيق الأحلام، وطالما أن "مبارك ورجاله" أحرار فلا يتحدث أحد عن "حقوق الشهداء".

"كل يوم جمعة أزور قبره، أكلّمه أحكيله عن حالنا وحال البلد ودمهم الذي راح هدراً".


"الحلم مات"


"لو ميزان العدل يتعدل.. الدنيا حالها هيتعدل"، هذه كانت العبارة التي لا تفارق لسان خالد يوسف، الذي سقط يوم 29 يناير، بمحافظة دمياط.

والد خالد يقول إن حلم ابنه قد مات بموته، "مثل كل الشهداء الذين ضحّوا بأرواحهم أملاً بأن يعيش باقي المواطنين بكرامة ويجدوا لقمة العيش"، ولكن الأمل تبدد، وأصبحت الأمور أسوأ مما كانت عليه قبل 25 يناير، خاصة أن "الفسدة والقتلة ينعمون بحريتهم" بعد أن فشلت محاولات إدانتهم.

وأوضح والد خالد أن ابنه قبل 25 يناير لم يكن يشارك في أية مظاهرات، حتى أنه كان يخشى أن يوقفه عسكري شرطة في الطريق، وحينما ذهب لاستخراج بطاقة الرقم القومي من قسم الشرطة اصطحب والدته معه، ولذلك تفاجأ "بخبر استشهاده"، لقد كان يشارك في كل أيام الثورة دون أن يخبر أهله خوفاً من أن يمنعوه.

"والله لو رجع بي الزمن لأنزل أشارك أنا وأخوات خالد الاثنين (أحمد ومحمد) في أعظم ثورة حدثت في مصر والتي أبهرت العالم"، قالها والد خالد بقوة رغم حزنه.
وأكد أنه يشعر بالمرارة حينما يسمع بعض الإعلاميين أو الأشخاص الذين يظهرون على شاشات التلفزيون يسخرون من ثورة يناير ويصفونها بـ"المؤامرة"، و أنه تقدم ببلاغ ضد الإعلامي المصري مفيد فوزي لأنه قال إن يناير "ثورة بلطجية". ورغم مرور عدة أشهر على البلاغ لم يتم استدعاؤه لأخذ أقواله لتحريك الدعوى.


رصاصة طائشة


زهرة لم تكن تتجاوز 14 عاماً عندما اندلعت ثورة يناير.. كانت تقف إلى جوار والدها في شرفة المنزل بحي المعادي (أحد أحياء محافظة القاهرة) بعد صلاة الجمعة يوم جمعة الغضب، تشاهد زهرة الجموع التي تتحرك في الشوارع في مشهد مهيب. وفجأة بدأ الصدام مع قوات الأمن وعلت أصوات الرصاص لتخترق إحدى الرصاصات صدرها وتفيض روحها الكريمة بين يدي والدها، الذي لم يستطع الحديث إلينا واكتفى طال عمره خمس سنوات، فعرفا القصة من صور مجللة بالسواد على جدران البيت.