كيف سقطت مدينة الرمادي العراقية؟

تم النشر: تم التحديث:
IRAQ
ASSOCIATED PRESS

أشاد مسؤولون بوزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" بالجيش العراقي الذي درّبته أميركا لاستعادته معظم أحياء مدينة الرمادي من أيدي تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).

لكن مسؤولين في وزارة الدفاع أخبروا موقع ديلي بيست الأميركي، الأربعاء 30 ديسمبر/كانون الأول 2015، بأن الانتصار في معركة الرمادي لم يتحقق على يد الجيش العراقي بل على يد وحدة مكافحة الإرهاب العراقية التي ما كان باستطاعتها هزيمة "داعش" لولا ضربات التحالف الدولي الذي تقوده أميركا.

ولم تقد قوات الأمن العراقية التي دربتها ومولتها أميركا المعركة، بل انحصر دورها في تقديم الدعم عن طريق تحديد مواقع مسلحي التنظيم وإغلاق الطرق التي تؤدي إلى مركز المدينة، حيث رُفع العلم العراقي الاثنين 28 ديسمبر/كانون الأول 2015.

لكن معركة الرمادي أكثر تعقيداً من هذا السرد البسيط، فالمعركة أظهرت علامات واعدة، وأخرى منذرة بالخطر في القتال المستمر ضد التنظيم، وفق تقرير "دايلي بيست".


بروز قوات النخبة العراقية


بالنسبة لأولئك الذين يتطلعون إلى الأخبار الجيدة، فثمة الكثير منها: بروز قوات النخبة العراقية، والغياب الواضح للميليشيات الشيعية التي شكّل وجودها تهديداً بتحويل الصراع ضد "داعش" إلى حرب طائفية.

لكن ثمة أيضاً أخباراً مقلقة. فعدم قدرة الجيش العراقي على قيادة معركة الرمادي المستمرة منذ 5 أشهر أثار شكوكاً في البنتاغون حول قدرة بغداد على تحرير ثاني أكبر معقل لداعش في العراق، مدينة الموصل، رغم تصريحات القادة السياسيين العراقيين الذين قالوا إن تحرير الموصل يلوح في الأفق.

قوات الأمن العراقية تستطيع، في أفضل الأحوال، أن تقوم بمهام المساعدة في المعركة. ووحدة مكافحة الإرهاب العراقية ليست كبيرة بما يكفي لتقوم بعملية التحرير والاحتفاظ بمدن عديدة في نفس الوقت.


كانت حرب استنزاف


توحي معركة الرمادي بأن قوات مكافحة الإرهاب العراقية، وهي قوة نخبة مشابهة للقوات الخاصة الأميركية، هي أقوى قوة عسكرية تمتلكها حكومة بغداد. إذ يستطيعون التحرك بين الأبنية بدعم من الضربات الجوية للتحالف الذي قتل أعداداً كبيرة من مسلحي داعش، وهكذا لا تضطر القوات التقليدية العراقية إلى مواجهة عناصر التنظيم بشكل مباشر.

قال أحد مستشاري الدفاع في الحرب ضد داعش: "كانت هذه حرب استنزاف، لم تكن حملة برية هجومية تنفذها قوات الأمن العراقية، فقد انحصر دورها في التنسيق وتوفير المساندة لوحدة مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى تأمين المنطقة وهي مهمة شاقة للغاية. تجلى دور قوات الأمن العراقية في تحديد مواقع داعش لكي يتم استهدافها بالضربات الجوية، وفي إزالة الألغام التي زرعها التنظيم، وهذا فتح الطريق أمام القوات المتحركة للتقدم".

يكشف هذا الدور محدودية قدرات الجيش العراقي التقليدي. وقال مسؤولان في وزارة الدفاع إن قوات الأمن العراقية لا تستطيع تطهير المدن المليئة بالمدنيين من مسلحي التنظيم، أو الاحتفاظ بسيطرتها على عدة مدن، أو الاستيلاء على منطقة معينة دون تلقي المساعدة من طيران التحالف الذي يخلّف دماراً في المناطق التي يستهدفها، كما حصل في الرمادي نفسها.

ولا تزال الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، والتي قاد سقوطُها إلى التدخل العسكري الأميركي الأخير، مسكونةً بعدد كبير من المدنيين.

وقال كريستوفر هامر، المحلل البحري في معهد دراسات الحروب في واشنطن، إن قوات الأمن العراقية "لا تمتلك العمق أو الخبرة أو الأعداد الكافية لتستطيع القيام بعمليات تطهير المدن من مسلحي التنظيم في المناطق المدنية ذات الكثافة السكانية العالية. يبدو أنهم يبدأون المعركة وحين تتجاوز قدراتهم يطلبون الدعم من الضربات الجوية الأميركية، وهذا يستغرق وقتاً طويلاً وثمة قيودٌ معينة تحكم هذا النوع من المعارك".


ضربات جوية مكثفة


الأرقام الأولية التي كشف عنها البنتاغون تشير إلى أن القوات التقليدية العراقية لم تشارك في المعركة بشكل فعال، فقد قال الكولونيل ستيفن وارن، المتحدث باسم الجيش الأميركي، إن قوات الأمن العراقية لم تتكبد أكثر من 50 قتيلاً، وإنه لم يتم أسر أي من عناصر داعش، وإن الضربات الجوية شكّلت 80% من الأسباب التي أدت لسقوط المدينة.

قام طيران التحالف بتنفيذ 630 ضربة على الرمادي منذ بدء المعركة لتحريرها في شهر يوليو/تموز الماضي، 150 ضربة منها كانت خلال الأسبوع الماضي.

وقال مسؤولو وزارة الدفاع إن معظم مقاتلي التنظيم الذين كانوا محصنين في المدينة، وعددهم كان حوالي 1000 مقاتل، قتلوا خلال الضربات الجوية، أما البقية فقد هربوا إلى مناطق في شمال شرقها.

ولا يعرف الجيش الأميركي عدد المدنيين الذين قتلوا في المعركة. وأضاف وارن أن 400 مدني هربوا إلى مركز حكومي في المدينة حالما استولت عليه القوات العراقية.

لكن عدد سكان مدينة الرمادي كان حوالي 200 ألف نسمة، والصور التي تم التقاطها للمدينة بعد تحريرها تُظهر أنها دُمرت تماماً.


مدينة سُنية وإدارة شيعية


وبينما اقترح العديدون أن قوات الأمن العراقية تستطيع أن تهاجم معاقل داعش في مدنٍ مثل الفلوجة أو الموصل في الخطوة التالية، أراد الجيش الأميركي أن يرى أولاً كيف سيحكم العراقيون مدينة الرمادي، وما إذا كانت ستظل مدينة سنية تحكمها إدارةٌ شيعية.

وقال مستشار الدفاع الأميركي: "الجزء الصعب لم يبدأ بعد. المرحلة العسكرية سهلة، لكن كيف سيمكنك الاحتفاظ بالمدينة ما لم تعالج المشاكل السياسية والاقتصادية والإنسانية التي تعاني منها؟ كيف ستحتفظ بها ما لم يكن لديك القوة العسكرية التي بإمكانك الاعتماد عليها؟ لا تستطيع الاحتفاظ بالرمادي، تكريت والمنطقة المحيطة بنهر دجلة وتستولي على الموصل في نفس الوقت. إن لم تلق تأييداً شعبياً، فإن معركة الرمادي كانت مجرد حملة تطهير عرقي لسكانها من السنة".

نشر موقع Vice فيلماً وثائقياً الأسبوع الماضي يُظهر جنوداً من "الفوج الذهبي" ذي المهارة القتالية العالية - "الفوج الذهبي" واحد من الوحدات القليلة غير الطائفية في الجيش العراقي، ويتكون من جنود سنة وشيعة ومسيحيين - وهم يحاربون في الرمادي (الجيش الأميركي لم يؤكد مشاركة هذا الفوج).

تم اختطاف أحد جنود هذا الفوج، وهو شيعي اسمه أحمد، عُذِّب وقُتل من قبل ميليشيات شيعية. أحد عناصر الفوج قال لموقع Vice إن الفوج كان بإمكانه تحرير المدينة، لكن فقط السنة بمقدورهم أن يحافظوا عليها من السقوط مجدداً.


هل عادت الإرادة للجيش العراقي؟


وكانت الرمادي قد سقطت بيد داعش بعد استيلاء القوات العراقية على مدينة تكريت المجاورة، وقال وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، في وقت سابق إن قوات الأمن العراقية "لا تملك الإرادة" لتحرير الرمادي.

وتكشف معركة الرمادي أن الإرادة زادت، ولكن ليس بالضرورة لإخراج داعش من كل المدن العراقية.


استبعاد الميليشيات الشيعية


وفي خطوة تهدف إلى تجنب التوتر الطائفي، أمر رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، بعدم مشاركة الميليشيات الشيعية، المدعومة من إيران، في عملية الرمادي، حسب ما قال مسؤولون أميركيون ومصادر مطلعة في بغداد لـ"ديلي بيست".

ويبدو أن الميليشيات أطاعت هذا الأمر، فقد قال مسؤولون أميركيون إن الوحدات المتنوعة المنضمة تحت لواء ما يُسمى "قوات الحشد الشعبي" لم تشارك في عملية تحرير المدينة.

وأضاف المسؤولون أنه بينما كانت بعض هذه الميليشيات موجودة في المنطقة، مرتدين ثياب قوات وزارة الداخلية العراقية، إلا أنهم لم يكن لهم دورٌ كبير في المعركة.

هذا أمرٌ مهم. فقد لعبت هذه الميليشيات دوراً حاسماً في المعارك السابقة ضد التنظيم. لذا لم يخلُ قرار استبعادهم من مخاطرة.

لكن المقاتلين الشيعة كانوا متهمين أيضاً بممارسة العنف الطائفي بعد الانتصار في تلك المعارك، كما اتهموا بأنهم بيادق في يد النظام الإيراني.


الموقف الأميركي من استبعاد الحشد الشعبي


دور المسؤولين الأميركيين في قرار رئيس الوزراء العراقي كان محل جدل، لكن الناطق باسم وزارة الدفاع الأميركية، جون كيربي، قال لديلي بيست إن "الحكومة الأميركية لم تأخذ موقفاً من قرار رئيس الوزراء العراقي باستبعاد قوات الحشد الشعبي من عملية الرمادي. لم نشجع القرار ولم نعارضه. لم نلعب أي دور".

لكن إبقاء هذه الميليشيات الشيعية خارج الرمادي كان جزءاً من النقاشات بين الجيش الأميركي وبعض المسؤولين الدبلوماسيين، رئيس الوزراء العراقي ومحاربين من قبائل سنية متعددة شاركت في العملية، حسب ما قال مارك الصالح، عضو اللوبي السني في واشنطن ورئيس برنامج "الاستقرار والأمن في العراق" والمكون من مواطنين وشيوخ عشائر.

وقال الصالح: "كان لدى مقاتلي العشائر شرطٌ قبل خوض المعركة: إن أردتم أن ننضم إلى وحدات معينة في الجيش العراقي، فلا نريد أياً من قوات الحشد الشعبي حولنا. كان هؤلاء المقاتلون السنة مهمين للغاية في نجاح المهمة لأنهم يعرفون الرمادي حياً حياً، وبعضهم من المدينة بالأصل ولكنهم غادروها بعد أن سقطت بيد داعش".


استعراض إيراني


استبعاد تلك الميليشيات من عملية الرمادي كان خطوة لدحض الفكرة القائلة إن الحرب مجرد استعراض إيراني للقوة.

كما أنه منح الجيش العراقي الفرصة لإعادة بناء ثقته بنفسه ولاستخدام التدريب الذي تلقاه من الجيش الأميركي، حسب ما قال مسؤول أميركي.


قوات سُنية تتكفل بالحماية


تخطط الحكومة المركزية لتسليم مهمة الحفاظ على الأمن في الرمادي لقوات سنية محلية، لتجنب الصراع الطائفي، ولتجنب العنف الذي مورسَ بعد تحرير تكريت خلال الربيع الماضي، حين اتهمت الميليشيات الشيعية بتخريب ونهب ممتلكات السكان السنة.


هل حاول العبادي الحد من هيمنة إيران؟


أدى استبعاد الميليشيات الشيعية - التي يقدر عددها بـ120 ألف مقاتل، وهو ضعف عدد قوات الجيش العراقي - إلى طرح أسئلة حول ما إذا كان العبادي يحاول الحد من هيمنتها، وبالتالي الحد من هيمنة إيران. هذه الميليشيات تكونت خلال عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي يخشى العبادي من تأثيره المستمر على السياسة العراقية.

ولا تخضع الميليشيات، التي يتجاوز عددها 40 مجموعة، لسيطرة الجيش العراقي، وولاؤها لحكومة بغداد متفاوت، حسب ما يقول خبراء.

وقال الصالح إن قرار العبادي باستبعاد الميليشيات الشيعية قاد إلى خلاف بينه وبين أبومهدي المهندس، القائد العسكري العراقي المسؤول عن الميليشيات.

المهندس ليس صديقاً لواشنطن، فقد فرضت عليه الإدارة الأميركية عقوبات، لأنه وبحسب المصادر الأميركية كان مستشاراً للجنرال الإيراني قاسم سليماني، كما كان مسؤولاً عن هجماتٍ ضد قوات الأمن العراقية والأميركية. وحُكم على المهندس غيابياً بسبب دوره في تفجير السفارتين الأميركية والفرنسية في الكويت في عام 1983.

وتناقلت قنوات إخبارية عراقية أن المهندس أقيل من منصبه، وهو خبرٌ لم يتمكن "دايلي بيست" من التأكد منه، كما أن محللاً سياسياً موجوداً في بغداد نفاه.

وقال المحلل الذي رفض الكشف عن اسمه: "كان المهندس يتذمر من مشاركة الولايات المتحدة ومطالبها بعدم مشاركة قوات الحشد الشعبي، أكثر مما كان يتذمر من أوامر العبادي. المهندس لا زال في منصبه، ولم يقم رئيس الوزراء بإقالته".


انحسار الهيمنة الإيرانية


إن أي شرخٍ في العلاقة بين العبادي والميليشيات سيكون مهماً لأنه قد يعني أن هيمنة إيران عبر الميليشيات الموالية لها في العراق تنحسر، أو أن العبادي يهدف إلى تحديها.

لكن المحلل أضاف أن الحشد لم يكن مستعداً لخوض المعركة لأنه كان يفتقر إلى القوة البشرية اللازمة: "الحشد ليس منظمة موحدة. في الحقيقة يتألف من 45 قوة تتنافس فيما بينها وتختلف في ولاءاتها ودعمها، ورئيس الوزراء أقرب إلى بعضها من بعضها الآخر".


انتصار استراتيجي


إن غياب القوات التي تدعمها إيران عن معركة الرمادي جسَّد انتصاراً استراتيجياً للتحالف الدولي الذي يفضل تقليص دور إيران وتقويض تحالفها مع روسيا.

لكن البعض يحذر من أن عدم مشاركة هذه الميليشيات هذه المرة لا يعني أنها لن تعود لممارسة دورها.

وقال باتريك مارتين، الباحث المهتم بالقضايا السياسية والأمنية في العراق في معهد دراسة الحروب، إنه "ثمة ميليشيات متمركزة إلى الشرق من المدينة، في قاعدة الحبانية العسكرية. علينا أن نتوقع أن داعش ستختبر القدرات العسكرية لهذه القوات السنية الجديدة التي تنوي حكومة بغداد نشرها في الرمادي. وإن عادت داعش إلى المدينة فلا شيء يضمن أن الميليشيات الشيعية لن تستعيد دورها مجدداً".