مسلمون في بلجيكا يبحثون عن توازنٍ صعبٍ في أوروبا بعد هجمات باريس

تم النشر: تم التحديث:
MSLMTFYBLJYKA
الفتاة جولي باسكوي المسلمة في بلجيكا وصديقتها آسيا الميساوي | social media

أمطار خفيفةٌ كانت تتساقط بينما يسير شبَّان وشابات يرتدي بعضهم أحدث صيحات الملابس الأوروبية والبعض الآخر حُجُباً أو جلابيب طويلة في طريقهم إلى المعرض الإسلامي السنوي في مدينة بروكسل، وموضوع هذا العام هو: "الإسلام والإصلاحات".

مجموعة من الشباب المسلمين يسعون للتقارب مع كافة التيارات الأوروبية في بلجيكا بشكل خاص وفي أوروبا بشكل عام، حاولوا التواصل مع اليسار واليمين ومع كل من يختلفون عنهم فكرياً ودينياً في محاولة لجعل الأقلية المسلمة في البلاد أكثر اندماجاً بالمجتمع، ولتغيير الصورة التي رسمت للمسلمين وربطتهم بالعنف والإرهاب، ولكن هجمات باريس عطلت كثيراً من تلك الجهود.

جولي باسكوي فتاة مسلمة تعيش في بلجيكا وولدت في فرنسا تملك وجهاً مشرقاً وعينين بُنيتين يحيطهما حجاب ذو ألوان فاتحة؛ وتعمل محللة سياسات مع مجموعة تقدمية مناهضة للتمييز تضم العديد من الناشطين المسلمين البارزين، عند دخولها المعرض الإسلامي ببروكسل صاحت وسط الحشد في منطقة كبار الشخصيات "أين النساء!" وكانت تسعى لتأكيد دور المرأة المسلمة في مثل تلك التجمعات.

قالت باسكوي لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز: "أعمل على تشجيع دمج المسلمين في مجتمع الأغلبية، ولكني أقول أيضاً إنه من غير المقبول على سبيل المثال أن يتحدث عدد قليل جداً من النساء المسلمات أمام حشود من المسلمين الرجال والنساء".

الصحيفة في تحليلها تقول "المهمة الأساسية التي تشغل الجيل الصاعد من الناشطين المسلمين في أوروبا هي إيجاد هذا التوازن الدقيق للمصالح، بين ثقافة الأغلبية التي تزدادُ علمانيةً وليبرالية، وأعضاء من أقلية دينية يخشون أن يُجبروا على التخلي عن معتقداتهم".

وأكدت أنهم "شبابٌ يافعون وتقدميون في فِكرهم؛ لذا يقوم تصوُّرهم لأوروبا المستقبلية على أرضٍ يشعرون فيها بأنَّهم مُرحَّبٌ بهم في وطنهم، ولكنهم يواجهون قوىً متحالفة ضدهم في سعيهم إلى الدمج السلمي للإسلام في الحياة الأوروبية".

وعن جهود باسكوي وزملائها قالت الصحيفة، أنها واجهت واحدةً من تلك القوى حين نظرت إلى زمرة الرجال في منطقة كبار الشخصيات في المعرض الإسلامي، ولكن عمق المشكلة الحقيقي تجلَّى بعد أسبوعٍ عندما أصبح "مولينبيك" الحي ذو الغالبية المسلمة الذي استضاف المعرض مسرحاً لحملة مطاردة دولية.

حاصرت الشرطة الحي بسرعة بحثاً عن المشتبه بهم في هجمات باريس بقتلاها الـ 130 التي يقف وراءها تنظيم الدولة الإسلامية، وكانت الهجمات نكسة مريرة أخرى لأولئك الذين يُبشِّرون بالتسامح والتنوع.

باسكوي تعمل مع الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية عملاً يشمل التفاوض بشأن تحالفات مع شركاء على سبيل المثال: مثليي الجنس، والناشطات النسويات، واليهود الذين يرتابون أحياناً في دوافعها.

وعليها أيضاً أن تُقنع أعضاء جماعتها المحافظين بأن من صالحهم تشكيل تحالفات مع الجماعات التقدمية لمواجهة التمييز على أساس الميل الجنسي، على سبيل المثال، أو على أساس الهوية الدينية.

يقول "أرون كوندناني"، الباحث بجامعة نيويورك والذي يكتب في قضايا العِرق، والإسلاموفوبيا، والعنف السياسي، والمراقبة الأمنية: "إن المعضلة تكمن في غياب أيَّة معادلة واضحة بين أيَّة حركة إسلامية والسياسة العلمانية اليسارية".

وأضاف كوندناني إن بعض المنظمات الإسلامية الرائدة في أوروبا تربط أصولها الأيديولوجية بجماعات مثل الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر، والجماعة الإسلامية في جنوب آسيا.

كوندناني قال أيضاً: "لقد اختلفت السياسة باختلاف السياق، لذا فإن الأحزاب السياسية التي يريد العديد من الشباب المسلم في أوروبا التحالف معها هي من الأحزاب اليسارية، وبسبب هذه الدينامية، تراهم يتخذون مواقف أكثر ليبرالية بكثير في مجال حقوق المرأة، وحقوق المثليين، وحرية التعبير".

لذا، وعلى سبيل المثال، عقدت الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية وهي منظمة يتولَّى المسلمون مناصب قيادية بارزة فيها شراكة مع مجموعة تدعم حقوق مثليي الجنس، في العام الماضي لإنتاج فيديو يدعو إلى مكافحة التمييز، كما تعاونت أيضاً الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية التي يُموِّلها الاتحاد الأوروبي جزئياً مع جماعات الدعوة اليهودية لرصد خطاب الكراهية عبر الإنترنت في الاتحاد الأوروبي.

بعض النشطاء الذين يعملون في هذه المشروعات هم من المسلمين الملتزمين دينياً مثل "باسكوي" ومدير الشبكة "مايكل بريفو" بينما يعد آخرون أنفسهم "روحانيين، ولكن دون اتباع دينٍ بعينه" أو ببساطة "غير مؤمنين".

ما يوحِّدهم بالإضافة إلى انتمائهم لشبكات اجتماعية وتنظيمية مُتعددة، هو فكرة تقول إن تكيُّف الإسلام مع الغرب هو طريق ذو اتجاهين، يجب أن يكون المسلمون مُستعدين لمعارضة التمييز ضد جماعات أخرى إذا كانوا يريدون كسب تأييد غير المسلمين لنشاطهم ضد حظر الحجاب وغيره من القيود على التعبير الديني.

أمَّا الأغلبية غير المسلمة فيجب أن يكونوا مستعدين لاحترام أصوات المسلمين العاديين الذين يتحدثون عن القضايا التي تؤثر عليهم.

لكن الاضطرابات الجارية في أوروبا تُهدد بتقويض جهود "باسكوي" وزملائها في دمج مصالح المسلمين مع حركات اليسار السياسي في بلجيكا وأجزاء أخرى من الاتحاد الأوروبي.

تقول "باسكوي": "إنَّه من السابق لأوانه معرفة كيف سيكون الأثر الباقي من كل ذلك، لكننا نرى حوارات مختلفة في فرنسا وبلجيكا"، "توقعت الجماعات الإسلامية مواجهة عنيفة من اليمين المتطرف الذي حفَّزته هجمات باريس، لكنهم أيضاً يستقبلون دعماً أقل من جهة اليسار السياسي".

ومما زاد الطين بلة أنَّ رئيس الوزراء البلجيكي تشارلز ميتشل الذي ينتمي إلى يسار الوسط قد طالب بـ"سي آي إيه" أوروبية بدلاً من تعميق التزام حكومته بدمج المسلمين في المجتمع البلجيكي بعد أن أصبح حي "مولينبيك" مسرحاً لمطاردة إرهابية جديدة.

وقدّر تقرير قدَّمه اتحاد العلماء الأميركيين إلى الكونغرس الأميركي هذا الربيع أن حوالي 4000 مواطن من أوروبا الغربية قد جرى تجنيدهم من خلال شبكات تنظيم "الدولة الإسلامية" للانضمام إلى الحرب الدائرة في سوريا، والعراق، ومناطق الصراع الأخرى.

مبادراتٌ مثل الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية تعد ترياقاً لهذا النوع من التطرف، ولكن "بريفو" عبَّر عن قلقه من أن تُحبط المصالحُ القوية الجهودَ المبذولة لدمج المهاجرين المسلمين في المجتمعات العلمانية.

ومن ناحية أخرى، يشكو بريفو وغيره تصوير وسائل الإعلام الغربية للمسلمين وتركيزها الذي لا ينقطع على التطرف والعنف؛ وهو اتجاه وثَّقه "معهد ميديا تينور" البريطاني في دراسته المواد الإخبارية في وسائل الإعلام الغربية منذ 11 سبتمبر 2001 التي وجد فيها أنَّ معظمها يصور الإسلام على أنه مصدر للعنف.

"مليكة بوعيسى"، 34 عاماً، مؤسسة مجلة «al.arte» الإلكترونية تقول: "تُركز الأخبار القادمة من الشرق الأوسط بشكل أساسي على التطرُّف الديني"، وتسعى المجلة إلى مواجهة هذا الانطباع عبر مقالات تتناول الفنانين، والمصورين الصحفيين، والكُتَّاب المهتمين بالسفر من الذين يتخذون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مقر عمل أساسي، ويمتد نشاطها أيضاً إلى تايلاند، والصين، وتركمانستان.

وأضافت: "كل شيء في وسائل الإعلام سلبي، وهكذا يشعر الشباب هنا بأنَّ من واجبهم حماية هويتهم الإسلامية، وبأنَّهم مضطرون دائماً لإثبات أنهم أناس عاديون، لا ينفكون منذ طفولتهم عن سماع من يخبرهم بأنَّه لا فائدة ترجى منهم".

وبعد أيام قليلة من هجمات باريس، قالت باسكوي التي ولدت في فرنسا أنها ما زالت تشعر بالصدمة والحزن، مرددةً مخاوف بريفو بشأن احتمال خسارة الحلفاء التقدميين، وقلقةً أيضاً من أن تعميق الشعور بالعزلة لدى المسلمين لن يؤدي إلا إلى زيادة الأمور سوءاً.

وأضافت: "ثمَّة نقاش عاطفي وسامٍ يجري في الوقت الراهن؛ ففرنسا وبلجيكا تريدان تشديد الإجراءات الأمنية، ولكن إذا شعرت المجتمعات الإسلامية بوصمة عار تُفرض عليها، فسيؤدي هذا إلى نتائج عكسية، سيكون من الصعب للغاية الوصول إلى التوازن الصحيح".