ماذا يعني أن تقصف مدينتك طائرات روسية؟

تم النشر: تم التحديث:
SWRYA
social

يقول جيش بوتين أنه يطارد "الإرهابيين" فقط في سوريا، ولكن المشهد الذي بإمكانك رؤيته بمدينة حلب مغاير تماماً لهذه الرواية، فالمقيمون بالمدينة يتساءلون لماذا يتم قصف أسواقهم.
"حين أجلس هُنا ونسمع قدوم طائرة، ذلك الصوت الذي نسمعه كثيراً الآن؛ أعرفها من صوتها.

إن كانت الطائرة فوقنا، يكون صوتها أعلى، وإن كانت طائرة روسية فلن تضرب المكان الذي نحن فيه، إنها تضرب أماكن تبعد مسافة اثنين أو ثلاثة كيلومترات عنّا".

يخبرني رامي جرّاح كيف يميِّز أي الحكومات تقصف المدنيين الآن في مدينة حلب السورية، كان هذا السؤال سهلاً في البداية؛ ولكن الأمر اختلف الآن بوجود الطائرات السورية، الروسية وطائرات التحالف في سماء المدينة.

ويقول رامي إن الطائرات السورية حلَّقت مرة على ارتفاع منخفض بحيث كان بإمكانك فعلياً رؤية الطيارين في قمرة القيادة. أما الطائرات الروسية فتحلق على ارتفاعات أعلى بكثير بحيث تراها على شكل صليب أو علامة (+) في السماء. تطلق النيران من بعيد، وهذا أفضل لتفادي رصاصات رشاش "دوشكا"- السلاح الذي يعني اسمه باللغة الروسية "الحبيبة"، وهو مدفع رشاش مضاد للطائرات يعود إلى الحقبة السوفييتية- والذي تستخدمه كافة القوات المعارضة للأسد لإسقاط طائرات الهليكوبتر والطائرات المهاجمة، وأحياناً ينجحون في ذلك.

يعيش جراح في مدينة حلب السورية، حيث يوثِّق شناعة الحرب الأهلية متعددة الأطراف لصالح مؤسسة ANA الصحفية التي أنشأها، والتي تعنى بجمع الأخبار من مصادر متعددة، بحسب التقرير الذي نشره موقع دايلي بيست الأميركي.

وُلد جراح في قبرص وتلقى تعليمه في لندن، وبدأت شهرته في عام 2011 كشاهد عيان متحدث للإنكليزية، تستعين به محطات التلفزيون الغربية حين كانت الاحتجاجات لا تزال سلميةً ضد ديكتاتورية حزب البعث الحاكم.

اعتاد جراح أن يقدم نفسه باسم "أليكسندر بيغ" وهو اسم مستعار لم يعد يحتاج لاستخدامه، فما جدوى استخدام اسم مُستعار في مواجهة طائرات بوتين؟
في الـ5 سنوات الأخيرة، تنقل داخل وخارج سوريا، وعاد إلى المدينة التي كانت ذات مرة أكبر مدن سوريا، حيث استأجر منزلاً في مكان قريب جداً من خطوط المواجهة بين قوات الأسد ومعارضيه.

يقول جراح: "جنود النظام يبعدون نحو مائتي متر عن منزلي"، مضيفاً أنه لهذا السبب يتلقى أطفال حلب تعليمهم الآن في شققٍ قريبة من خط الجبهة، لأن مدارسهم تعرضت للقصف الروسي.

في هذه المقار التعليمية المؤقتة يظل الخوف الرئيسي من "صواريخ الفيل"، وهي صواريخ أرض-أرض محليه الصنع تستخدمها قوات النظام. سُميت هذه الصواريخ بهذا الاسم لأن صوتها عند الإطلاق يشبه صوت نفخ الفيل في خرطومه، ويمكن سماع هذا الصوت 60 أو 70 مرة في اليوم.

عاد جراح إلى حلب قبل شهرين، لأنه أراد أن يرى بنفسه كيف هو التدخل الروسي، فهل يكذب زملاؤه حين يطلقون العنان في وصف حجم الدمار الذي يخلفه، بأعداد من القتلى تتجاوز تلك التي أوقعها النظام السوري؟

تصر موسكو، رغم كل شيء، على أنها تطارد تنظيم "الدولة الإسلامية (داعش) والجماعات الإرهابية الأخرى، وليس العربات الخشبية لبيع الفاكهة، ولا المخابز ولا المستشفيات.

وزارة الدفاع الروسية لم تقر بعد بمسؤوليتها عن أي خسائر بين مدنيين، كما تنكر أنها تقوم بغارات على الأماكن التي تكتظُّ بالمدنيين، رغم أن الأدلة تشير إلى قيامها بذلك.

يخبرنا جراح إن "ما يقال بشأن الدمار الذي أحدثته روسيا حقيقيٌّ بشكل مُطلق، فروسيا تقتل المدنيين وتشن حرب معلومات. أريد لكل شخص على وجه هذا الكوكب أن يعلم ذلك، سواء اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا".

مراقبون آخرون للصراع يوافقون أيضاً على ذلك. بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن 580 مدنياً قُتِلوا جراء غارات القصف الروسي بين 30 سبتمبر/ أيلول 2015، وهو أول أيام القصف، وحتى 1 ديسمبر/ كانون الأول 2015.

أما منظمة هيومان رايتس ووتش، فقد وثّقت استخدام روسيا لقنابل عنقودية، مخالفة بذلك قرار الأمم المتحدة رقم 2139، الذي ساهمت روسيا في تمريره، والذي كان ينادي بوضع حد للاستخدام العشوائي للأسلحة في المناطق المأهولة بالسكان.

أما منظمة العفو الدولية فقد نشرت تقريراً من 28 صفحة أخيراً، وقالت فيه إنها تقصّت 6 غارات جوية روسية منفصلة، وأسفر البحث عن إثبات مقتل 132 مدنياً في تلك الغارات.

وحسب ما يقول فيليب لوثر، مدير مكتب منظمة العفو الدولية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن بعض الغارات الجوية الروسية بدت وكأنها تستهدف المدنيين بشكل مباشر دون دليل على وجود أي هدفٍ حربي، حتى أنها تستهدف المرافق الطبية، مُخلِفَة بذلك قتلى وجرحى بين صفوف المدنيين.

ورداً على ذلك، طالب وزير الدفاع الروسي بمعرفة هويات المصادر الميدانية لهذه المنظمات غير الحكومية، وهدد بأنه إن لم يحدث ذلك، فإن روسيا ستقوم بإيجادهم بنفسها.

كنان رحماني، الناشط السوري الأميركي، أمضى وقتاً أطول من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 بمقاطعة إدلب، شمالي غربي سوريا، والتي يستهدفها القصف الروسي أيضاً.

كان رحماني في منطقة معرّة النعمان تحديداً، ويقول "قصفوا مكاناً يبعد نحو نصف كيلو متر عن مكان تواجدي، قتلوا ثلاثة أطفال بالمدرسة. السكان بمعرّة النعمان اعتادوا على البراميل المتفجرة"، مُشيراً بذلك إلى الحاويات المعدنية المليئة بالشظايا التي يتم إلقاؤها من المروحيات التابعة للنظام السوري، "ولكن حجم الدمار الذي تخلفه تلك البراميل وراءها محدودٌ نسبياً، أما الروس فيدمرون مباني أكثر، وهو ما يقلِّص فرصَ السوريين في البقاء على قيد الحياة أثناء القصف. ولكنها نفس صيغة العقاب الجماعي، إن أردتَ في مناطق المعارضة، سيكون لذلك عواقبه".

الروايات في إدلب ساءت بشكل خاص في الأيام العشر الأخيرة. ففي بداية الشهر، كانت المدينة تتعرض لثلاث أو أربع غارات خلال النهار، أما الآن فقد تصل إلى 20 غارة على مدار الساعة، دزينةٌ منها تقع ليلاً.

هذه علامةٌ أخرى من علامات حرب روسيا الجوية، فطائرات الأسد كانت تهاجم فقط أثناء ساعات النهار، أما هجمات بوتين فتحدث على مدار الساعة.

لا تأتي الطائرات الروسية مرّة واحدة فقط لتلقي حمولتها ثم ترحل، بحسب جراح؛ تقوم طائرات روسيا بمهاجمة نفس المكان مرات عديدة، وغالباً ما تكون الضربة التالية بعد وصول فرق "الدفاع المدني"- أو فرق "القبعات البيضاء"- والذين يقومون بإنقاذ الضحايا من تحت الأنقاض التي خلفتها الغارة السابقة، بحسب مقطع فيديو صوّرته شبكة ANA الإخبارية.

في 15 ديسمبر/ كانون الثاني 2015، قامت الطائرات الحربية الروسية بقصف سوق مشهد بمنطقة "سيف الدولة"، السوق المركزي بحلب. يقول جرّاح أن الصاروخ سقط على بعد 10 أمتار يمين السوق، وتسبب في مقتل 200 أو 300 شخص، فالهجمات ليست دقيقةً للغاية كما يُقال.

في البداية؛ كان جراح يحتار في ما يدفع الروس إلى المخاطرة بمقتل أعداد كبيرة من الناس؟ ولكنه تذكّر فيما بعد منطق نظام الأسد في القتل، والذي انتهجه في الأيام الأولى من الثورة. "أقتل شخصاً واحداً في احتجاج" وسيرحل التجمع، ثم في اليوم التالي سيأتي المزيد، إذا فعليك أن تقتل خمسة أشخاص وهكذا. أما روسيا فتريد قتل العديد مرّة واحدة حتى لا تضطر لتقتل أكثر منهم في المرة القادمة، هذا السوق يعتبر شريان المدينة، إن أصبت الشريان ستنزف المدينة".

ولكن جرّاح يقول إنه ليس هناك نزيفٌ بين المدنيين من حلب، لأن السكان لا يرغبون في الرحيل، ليس لأنهم وطنيون أو يرغبون في الاتحاد في وجه الهجوم الغاشم، بل لأن أغلبهم بالفعل مُشرَّدون داخل البلد، فهم لاجئون من مدن وقرى أخرى، وأتوا ليسكنوا منازل هجرها أصحابها، أو لإنشاء أكشاك بموارد لم تكن أبداً متوفرة لديهم. يعتقد جراح أنه بغض النظر عن المدينة التاريخية القديمة، حيث بقي فيها أهلها الذين يقطنونها منذ وقت بعيد، لم يبق سوى 20% فقط من السكان الأصليين للمناطق الحديثة من المدينة. أما الباقي، فهم من الفئات الأكثر فقراً الذين إن غادروا لن يتمكنوا من الذهاب للعيش في أي مكان آخر".

هذه المادّة مُترجمة عن موقع "ذا ديلي بيست- The Daily Beast"؛ للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.

حول الويب

بالفيديو.. طائرات روسية تقصف قافلة وقود تابعة "لداعش" في سوريا ...

الطائرات الروسية تقصف مواقع داعش في سوريا 2015 - YouTube

الطائرات الروسية تقصف أهدافها بقنابل "غبية" في سوريا - العربية.نت ...

طائرات روسية تقصف شمال غرب سوريا والقوات السورية تتقدم

تكذبها الوقائع.. روسيا تصر على أنها لا تقصف المدنيين في سوريا!

مسؤول: تركيا لم تقصف "داعش" في سوريا منذ إسقاط الطائرة الروسية