حكايتان من كتاب أسرى عدن.. لحظات قهر محفورة في الذاكرة

تم النشر: تم التحديث:
YEMEN ADEN
الصورة من الأرشيف | Anadolu Agency via Getty Images

في مدينة كريتر، حيث مئذنة مسجد العيدروس التاريخية، (1857 ميلادي) بمحافظة عدن، جنوبي اليمن، كان الشارع يعج بالحياة، فأصوات الباعة وأبواق السيارات ولهو الأطفال، وفرحتهم بعودة الأسرى من أبناء الحي، تحكي بأن "الأمكنة" تتسع للمزيد من "البهجة"، كعادة درج عليها أبناء الحي في مناسبات مختلفة.

يروي أسيران أفرج عنهما مؤخراً من سجون الحوثيين والرئيس السابق علي عبدالله صالح، حكايتهما التي عاشاها خلال فترة الأسر.


حكاية شادي


يقول شادي محمد سعد الزغير: "في 7 أبريل/نيسان الماضي، نحو السابعة مساء، كنت كعادتي أمارس عملي في مساعدة الجرحى والتخفيف من معاناتهم عبر نقلي للأدوية والاحتياجات الطبية اللازمة، ضمن مجموعة "متطوعين" من نشطاء المجتمع المدني. استوقفتني نقطة أمنية تابعة للحوثيين، بينما كنت في طريقي إلى مستشفى باصهيب العسكري بمدينة التواهي، وفور مشاهدتهم الأدوية التي كانت بحوزتي تم احتجازي، ونقلي مباشرة إلى فندق "ازال" على الطريق بين محافظتي عدن ولحج".

الزغير (22 عاماً) يوضح أنه خضع هناك للتحقيق، وطُرحت عليه أسئلة من قبيل "تشتغل مع من؟ ومن أين تأتي بالأدوية، وما الجهات التي تدعمكم؟" وغيرها، قبل أن يُنقل في اليوم التالي إلى قاعدة "العند" الجوية، على بعد 60 كم إلى الشمال من عدن.

ويضيف: "هناك وجدنا أعداداً كبيرة من الأسرى، واللافت أن أكثر من 95% منهم مواطنون، تم تجميعهم من الشوارع والطرقات، وليس لهم علاقة البتة بالمعارك والمواجهات، التي كانت على أشدها في ذلك الوقت، فيما النسبة الباقية، تم أسرهم عبر مداهمات، بعد السؤال والتحري عن منازلهم".


معاناة الاعتقال


الزغير يتذكر بحسره وألم الأيام الأولى لاعتقاله، فيقول: "أكثر ما كان يشغلني طوال فترة أسري في العند، وهي 4 أشهر، أن أهلي لا يعرفون عني شيئاً، حياً كنت، أو ميتاً؟ وبالمقابل لا أعرف عنهم ولا عن مصيرهم، فضلاً عن الأخبار الصادمة التي كان ينقلها لنا من يتم أسرهم، خصوصاً بعد سيطرة الحوثيين على "المعلا والتواهي والقلوعة" وانتشار حمى الضنك والهلاك الذي أصاب معظم الأسر".

يأخذ الزغير نفساً عميقاً قبل أن يستطرد حديثه قائلاً: "إلى جانب انقطاع التواصل مع أهلي وأقاربي كان الخطر يهدد حياتنا بين الفينة والأخرى، خصوصاً وعنابر السجن التي تم وضعنا فيها تحت مرمى الطيران، فلا يزال دوي الانفجارات الهائلة، التي يحدثها القصف، يصم أذني، ونظرات الرعب والهلع، التي كنت أقرأها في عيون زملائي، لم تبارح مخيلتي".

يتوقف الزغير برهة، ثم يكفكف دموعه، وهو يستعرض ساعات يوم 5 مايو/أيار، الذي لقي فيه 7 من الأسرى مصرعهم وأُصيب 30 آخرون، بعد أن وضعهم الحوثيون كدروع بشرية لقصف الطائرات.

ويضيف: "بدأ 400 أسير يومهم كما جرت العادة في انتظار وجبة الإفطار، وهي بسكويت وقليل من الماء، وبينما كنا على حالتنا تلك فجأة سمعنا أزيز الطائرة، هرب الحوثيون إلى مخابئهم، وتركونا عرضة للقصف، وما هي إلا لحظات حتى هزت الصواريخ أرجاء المكان، فوقع أحدها بالقرب منا على بعد 100 متر تقريباً، وأصابت الشظايا عدداً كبيراً من الأسرى، حيث استشهد 7 وأصيب 30 آخرون".

يستطرد الزغير، أو "طبيب الدواعش" كما كان يناديه الحوثيون في سجنه، الحديث فيقول: "نُقلنا في ثاني أيام عيد الفطر إلى صنعاء، وحينها لم نكن على علم بالانتصارات التي تحققت في عدن ولحج، فقط قيل لنا سننقلكم إلى مكان آمن".


راحة في السجن المركزي


ويتابع أنه تم "الزج بهم في غياهب سجون الأمن المركزي"، مشيراً إلى أن الشعور بالخوف والقلق بدأ يتلاشى تدريجياً بعد مرور شهرين من وصولهم إلى صنعاء، "وبالذات حين سمح لوزير مخرجات الحوار الوطني، غالب مطلق، بالتقاط صور للأسرى ونشرها في الصحف والمواقع، وما تبع ذلك من تبادل الاتصالات مع الأهل والأقارب".

ويختتم روايته بالقول: "يوم الأربعاء الماضي، الذي أخبرنا فيه أن عملية تبادل الأسرى ستتم مع رجال المقاومة، كنا نعيش لحظات ترقب وخوف خشية أن تتعثر العملية كسابقاتها، وأجهشنا جميعاً بالبكاء لشعورنا أن يوماً جديداً للحياة قد بدأ".
المداوي أيوب

لم تشفع لناصر محمد عبدالله، الشهير بـ"أيوب" (35 عاماً)، أعمال الخير والمساعدات، التي كان يقدمها لسكان عدن، والمتمثلة في إخراجه ونقله العديد من الأسر من أماكن الاشتباكات على متن حافلته الصغيرة نحو أماكن أكثر أماناً.

ويروي أيوب تفاصيل يوم اعتقاله للأناضول فيقول: "في 30 يونيو/حزيران، أردت نقل أسرة من عدن إلى محافظة تعز، تم إيقافي عند آخر نقطة بين محافظتي عدن وأبين، حيث طلب الجنود من الأسرة النزول، والذهاب في حافلة نقل أخرى، إلا أن الأسرة رفضت، حينها أخذوا بطاقتي الشخصية وهاتفي أيضاً وطلبوا مني العودة إليهم".

ويضيف: "لم أتمكن من العودة في نفس اليوم لبعد المسافة بين عدن وتعز، لكنني عدت في اليوم التالي، وقد همّوا بالذهاب الى الحي الذي أسكن فيه وإلقاء القبض على أحد أشقائي"، مشيراً إلى أنه اقتيد إلى فيلا قبالة السفارة الصينية في مدينة خور مكسر، ومكث هناك 12 يوماً، برفقة 70 أسيراً، غالبيتهم تم أخذهم من الأسواق والشوارع، وليس من جبهات القتال، على حد وصفه.

يقول أيوب: "في هذا المكان تذوقنا العذاب ألواناً، فمن التعذيب والضرب والهزات الكهربائية التي كنا نتعرض لها أثناء التحقيق، وصياح وأوجاع الأسرى، الى أساليب التجويع المتعمد والعطش بسب عدم توفير الماء والأكل".

ويتابع قائلاً: "بعد مرور 12 يوماً من فترة اعتقالي تم نقلي إلى قاعدة "العند" الجوية، هناك كانت المأساة أكبر، والمعاناة أبلغ، أعداد كبيرة من الأسرى من محافظات عدن وأبين ولحج، تم وضعهم في عنابر مفتوحة، يفترشون العراء ويلتحفون السماء، وسط أجواء حارة جداً، وظروف صحية وغذائية غاية في السوء والتعقيد".


التعريض للقصف


ويشير إلى أنهم تُركوا عرضة لضربات الطيران، "كنا نشعر بالموت في كل ساعة أو لحظة يتم التحليق فيها فوق القاعدة الجوية"، موضحاً أنه أُصيب بشظية في إحدى الغارات الجوية لم يتأثر بها كثيراً، قبل أن يُنقلوا إلى صنعاء في اليوم التالي، دون أن يعلموا بالجهة التي نُقلوا إليها. ويضيف أن أياماً صعبة جداً مرّت عليهم إلى أن سُمح لهم بالتواصل مع الأهل عبر الهاتف، وصولاً الى إطلاق سراحهم قبل 4 أيام.

وعن لحظة وصوله ومقابلة أهله وأصدقائه، يقول أيوب: "هي لحظات للتاريخ والذكرى، فحين ترى مظاهر الاستقبال والفرح تحيط بك من كل مكان وجانب، فهو شعور ولا شك لا يضاهيه شعور، وحين ترتمي في حضن أمك وتقر عينها برؤيتك مجدداً، فهذا عمر جديد وحياة أخرى نسأل الله فيها الخير لنا ولوطننا".