استخبارات غربية: سوريا في عام 2016 ستكون مثل البلقان في عام 1914

تم النشر: تم التحديث:
SWRYA
بشار الأسد وأبيه حافظ الأسد | social media

تزايدت علامات فشل أجهزة الاستخبارات الغربية مع دخول الشرق الأوسط، وهو ما يقود إلى مراحل أكثر عنفاً بالمنطقة والعالم وخاصة مع استمرار وتعقد الأزمة السورية وتدخل أطراف مختلفة المصالح، وهو ما قد يجعل من سوريا العام المقبل صورة ثانية مما حدث في منطقة البلقان من صراعات عام 1914 وأدت للحرب العالمية الأولى.

تحليل نشرته صحيفه "إندبندنت" البريطانية الأحد 13 ديسمبر/كانون الأول 2015، عن دور الاستخبارات الغربية في منطقة الشرق الأوسط.

محلل الاستخبارات المركزية الأمريكية تحث للصحيفة ويبدو واثقاً حين يقول: "الأسد يلعب بآخر ورقة للحفاظ على بقاء نظامه في السلطة، وحكومة الأسد تكثف جهودها لإثبات أن أعداءها يتم التلاعب بهم من أطراف خارجية"، والنتيجة المحتملة، حسب رأيه، هي انقسام داخل النخبة الحاكمة في سوريا تقود إلى خلع الأسد، لكن المحلل يعترف بأنه لا يوجد بديل واضح عنه حالياً.

الأسباب التي ارتكز عليها تحليل CIA والذي يحمل عنوان "سوريا.. آفاق الأسد" تُعد مقبولة ومقنعة، رغم أنها تبدو مفرطةً في ثقتها بأن أيام الأسد في السلطة معدودة.

ويتبين هذا الإفراط في الثقة حين ننظر إلى تاريخ صدورها، فقد صدرت قبل 35 عاماً، تحديداً في 17 مارس 1980، والرئيس الأسد الذي يبدو سقوطه وشيكاً هو ليس بشار الأسد، بل حافظ الأسد الذي مات عام 2000، التحليل كان قد صدر عن CIA بموجب قانون حرية المعلومات عام 2013.

ورقة الـ CIA مثيرةٌ للاهتمام لأسباب لا تقتصر على كونها تُظهِر كماً من المكوِّنات العديدة للأزمة السورية الحالية كانت موجودةً منذ عقود، ولكنها لم تكن قد امتزجت بعد لتسفر عن انفجار الحرب المريعة الحالية.

وفي وثيقة عام 1980، افترض المحلل أن السياسة السورية تدور إلى حد كبير حول الخلافات الطائفية بين العلويين الذين ينتمي إليهم الأسد وغالبية الطبقة الحاكمة، وبين الأغلبية العربية السنية. وكان التحليل قد كُتب بصيغة متفائلة إذ يتوقع بأن الانقسامات بين الطائفتين قد تطيح بالأسد.

لا شك أن الاستخبارات الأمريكية أرادت الإطاحة بالأسد وكانت لديها بعض الأفكار حول كيفية إنجاز ذلك.

و يقول التحليل: "قد ينهار ولاء الجيش في مواجهة الانتفاضة واسعة النطاق. هذا قد يقود إلى حرب دموية بين الوحدات العلوية والوحدات السنية. لكن العلويين قد يختارون الإطاحة بالأسد قبل أن تتطور الفوضى وذلك للحفاظ على أنفسهم".

الجملة الختامية في التحليل تصلح لأن يتم كتابتها في أي وقت منذ 2011 لأنها تلخص ما تريده أميركا في سوريا: لطالما أرادت التخلص من الأسد، ولكنها لا تنوي تدمير أو حتى إضعاف الدولة السورية وفتح الباب لتنظيم داعش والقاعدة.

حتى القوى العظمى تتعلم أحياناً من التاريخ، وبالتالي فإن واشنطن وحلفاءها الغربيين اليوم يأملون في تجنب تكرار كارثة التفكك التي طالت مؤسسات الدولة العراقية عقب الإطاحة بنظام صدام حسين.

وتكمن المأساة في أن المحلل الذي لم يتم الكشف عن اسمه يصل في نهاية التقرير على "الحرب الأهلية" التي يتوقع حدوثها نوعاً ما، ولكن الأسد لا يزال في مكانه ولاقى السوريون أسوأ ما يمكن أن يحصل في العالم.

هذه الأيام؛ رؤساء المخابرات الأميركية أكثر صراحة من نظرائهم في بريطانيا بشأن العواقب الوخيمة للتدخلات الأجنبية التي تقودها الولايات المتحدة خلال الاثنتي عشرة سنة الماضية.

لكن لا أحد يتحدث بصراحةِ الجنرال مايكل فلين، المُتقاعد مؤخرًا من منصبه كرئيس وكالة الاستخبارات الدفاعية- الذراع المخابراتية للبنتاجون- والذي قال صراحةً في مقابلة مع مجلة "دير شبيجل" الألمانية إن قرار الحرب في العراق كان "خطأً كبيراً، إذ رغم وحشية صدام حسين، إلا أن القضاء عليه فقط كان خطأً.

والأمر نفسه ينطبق على معمر القذافي وليبيا التي صارت الآن دولة منهارة. الدرس التاريخي هو أن التدخل في العراق كان فشلاً استراتيجياً، والتاريخ لن يتساهل مع هذا القرار".

اللاعبون الكبار على الساحة، مثل أميركا من الأسهل عليهم تحمل الاعتراف بالخطأ، أكثر من آخرين كبريطانيا، الأصغر والتي تفتقر إلى الثقة في كونها دولة عظمى. لكن الصمت أو إنكار الأخطاء العسكرية والسياسية والدبلوماسية له ثمنه.

حتى إن تم الاعتراف بأن بريطانيا وقعت في أخطاء في العراق، أفغانستان، ليبيا وسوريا، فإن ذلك الاعتراف يكون غالباً عاماً وعابراً.

يقول دبلوماسي سابق في وزارة الخارجية إنه طوال السنوات التي أعقبت غزو العراق عام 2003، لم يُسمع أحدٌ في وزارة الخارجية يتحدث عن قرار خوض الحرب والأخطاء التي ارتُكبت خلالها". قد يكون هذا لأن معظم المسؤولين كانوا معارضين ضمنياً لفكرة الحرب منذ البداية، ولكنهم لم يفصحوا عن ذلك علانية أو حتى داخل الوزارة.

من طبيعة الشخصية البريطانية وغريزة مؤسساتها أن تسكت عن الأشياء، ولكن بعد أربع حروب تميزت بالأخطاء وسوء التقدير من قِبل الحكومة البريطانية، فإنه من الغريب ألا يتم التعامل مع المعلومات الصادرة عن أجهزة الاستخبارات البريطانية بمزيد من الشك.

إحدى هذه المعلومات هو الحجة التي استخدمها ديفيد كاميرون لتبرير شن الحرب الجوية على سوريا، حيث قال إن 70 ألف مسلح من المعارضة المعتدلة يقاتلون ضد الأسد في سوريا.

ذكر كاميرون أن هذا الرقم صادر عن لجنة الاستخبارات المشتركة، وبدا من حديثه أن دقة هذه اللجنة أمرٌ غير قابل للشك. ربما ما يحدث هو ترديد معزوفة نجاح بريطانيا في كسر شفرات ألمانيا إبان الحربين العالميتين، مع جرعة ثقيلة من أفلام جيمس بوند حيث المغالاة في تعظيم سمعة المخابرات البريطانية.

القادة السياسيون الأجانب يرتابون عادة بشأن ما تعرفه حقًا أجهزة مخابراتهم؛ فقبل بداية الحرب على العراق في 2003 قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك لأحد الزوار إنه لا يعتقد أن صدام لديه أي أسلحة دمار شامل، فقال له الزائر "سيادة الرئيس، جهاز مخابراتك يعتقد ذلك". رد عليه شيراك "إنهم يُسكرون بعضهم بعضا". أي أن أجهزة الاستخبارات غالباً ما تردد أصداء وساوس بعيدة عن الواقع.

في مطلع العام الماضي، وصف الرئيس الأميركي باراك أوباما تنظيمَ داعش- الذي كان قد بدأ بتحقيق تقدم مذهل- بأنه مثل فريق كرة سلّة مبتدئ يأمل خوض البطولات الكبرى. وبعد فترة وجيزة، أحكم التنظيم سيطرته على معظم شمال العراق وشرق سوريا، وكان هذا أحد الأسباب التي دفعت 50 محللًا من أجهزة الاستخبارات يعملون لحساب وزارة الدفاع الأميركية يوقعون على عريضة احتجاج، قائلين بأن نتائج تحقيقاتهم الاستخباراتية التي تفيد بأن داعش تزداد قوة على عكس ما يدّعيه البيت الأبيض، تم التلاعب بها من قبل كبار المسؤولين.

كان هذا عادياً ومتوقعاً. فنادراً ما يكون جلب الأخبار السيئة من مصلحة الشخصيات أو رؤساء وكالات الاستخبارات أو أي دائرة حكومية أخرى. هذا ليس مهماً عادةً، ولكنه مهمٌ اليوم، لأن المخاطر تتزايد في الحرب في سوريا والعراق. يجب أن نعرف بدقة ما يحدث على الأرض.

لقد استهلكت الحرب السورية قوى كبرى، مثل روسيا وتركيا، وقد استثمر البلدان الكثير من هيبتهما ومصداقيتهما لتجنب الهزيمة. أصبحت مصالحهما الحيوية مرهونة بغموض وعنف العداوات المحلية، كما يحدث بين الكرد الذين تدعمهم روسيا والتركمان المدعومين من تركيا.

لقد أصبح الصراع السوري بالنسبة للقرن الحادي والعشرين ما كانت عليه حروب البلقان بالنسبة للقرن الماضي. من حيث انفجار العنف على نطاق دولي، قد يكون عام 2016 هو عام 1914 بالنسبة لنا.