دايلي بيست: مصر دولة أمنية متكتمة لا تخاف إلا الشبكات الاجتماعية

تم النشر: تم التحديث:

مات والد أيمن موسى في 12 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، ولكن بدا أن ثمة أملاً صغيراً لطالب الهندسة الشاب أن تكون لديه المقدرة لحضور جنازة والده.

سُجن موسى في سجن وادي النطرون سيء السمعة حيث حُكم عليه بـ15 سنة بسبب مشاركته في احتجاج غير مرخص.

حاول أصدقاء موسى معرفةَ كيف بإمكانهم الحصول على إطلاق سراح مؤقت بحيث يستطيع الشاب أن يحضر الجنازة، لم يكن نشر مقالات في وسائل الإعلام التقليدية خياراً لأن حرية الإعلام في مصر تعاني من تدهور شديد، كما أن أي مظاهرة في الشارع تُقمع دون رحمة.

لكن كان ثمة شيء بدا أن النظام يستجيب له وهو الضغوط التي تمارس من خلال شبكات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى فضاء واسع يعبر من خلاله الثوار عن رفضهم للممارسات القمعية.

مصطفى، صديق أيمن، قال لموقع ديلي بيست الأميركي: "شبكات التواصل الاجتماعي هي الشيء الوحيد الذي يخيفهم".

وهكذا بدأ مصطفى، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه بالكامل خوفاً من الملاحقة، و قام مع بضعة أصدقاء آخرين بإطلاق حملة على تويتر وفيسبوك، وسرعان ما انتشر هاشتاغ "دعوا أيمن يدفن والده" #letAymanburyhisfather على آلاف شاشات الكومبيوترات والهواتف المصرية.

في اليوم التالي، وضع أيمن في سيارة شرطة وأخذ إلى منزله.


حملات مشابهة


خلال الأشهر الستة الأخيرة، تم إطلاق عشرات الحملات على شبكات التواصل الاجتماعي في مصر.

في دولة متكتمة بشدة مثل مصر - حيث لا يتم إخبار العائلات عن اعتقال أبنائها لأسابيع- أصبحت الشبكات الاجتماعية منبراً للمعارضة وللحكومة أيضا لدعم أهداف كل منهما.

استخدم الناشطون هذه الحملات لإجبار الحكومة على الاعتراف بالاعتقال، و إيقاف جلسة التعذيب قبل أن تبدأ، بل وحتى أن تطلق سراح أولئك الذين اعتُقلوا بتُهمٍ زائفة.

وغالباً ما تعلم العائلة عن مكان اعتقال ابنها بعد إطلاق الحملة على الشبكات الاجتماعية.

يقول مصطفى: "تشعر الحكومة أنه من الأفضل أن يهدأ الوضع بدلاً من الحفاظ على عنادها، إنهم يخشون الكثير من الأشياء، من قبيل عدم الاستقرار في البلد وتزايد العداء تجاه الرئيس السيسي".

كيف تستطيع الشبكات الاجتماعية تهدئة الأوضاع؛ يبقى أمراً غير مفهوم، خاصة بعد أن ساهمت هذه الشبكات في معرفة موت طلعت شبيب خلال فترة احتجازه لدى الشرطة حيث عرف المصريون بموت شبيب تحت التعذيب من خلال هذه الشبكات.


خطوة غير معتادة


خلال الأسبوع الماضي، وبسبب تفاقم الاحتجاجات في عموم مصر، اعتقلت الحكومة 4 ضباط شرطة بتهمة ممارسة العنف ضد معتقل، وهي خطوة غير معتادة من حكومةٍ تعتبر الشرطة حاميةً للنظام الهش، وغالباً ما تتغاضى عن مثل هذه الجرائم.

يقول حميد حنيش، أحد المحامين الذين يدافعون عن إسراء الطويل: "الشبكات الاجتماعية والإعلام التقليدي يحمون الناس من التعذيب وسوء المعاملة في السجون المصرية أكثر مما تفعل القوانين".

وإسراء الطويل شابّة معتقلة أُطلق لأجلها هاشتاغ "الحرية لإسراء الطويل"، ويعتقد مناصروها أنها ستصاب بإعاقة دائمة إن لم تحصل على رعاية طبية.

خلال الشهر الماضي أيضاً كانت هناك ثمة حملة لإطلاق سراح عريس شاب تم اعتقاله خلال مداهمة الشرطة لعرسه.


آلاء العطار


أما آلاء العطار (23 سنة) فقد احتُجزت لعدة أيام بسبب تنظيمها لاعتصام من أجل صديقها الذي صدمته حافلة في الجامعة الألمانية بالقاهرة، ورغم أن والدها قاضٍ، إلا أنها قالت أن حملة على الشبكات الاجتماعية قادت إلى إطلاق سراحها.

القضية المرفوعة ضدها، والتي تدعي أن آلاء واثنين من اصدقائها قاموا بمهاجمة رئيس الجامعة والكادر الأمني الذي يحرسها، تبقى مفتوحة.

قالت العطار التي كانت تحضر جنازة والد موسى: "باتت الشبكات الاجتماعية هي الحل الذي لدينا الآن لأن الاحتجاج يُعتبر جريمة، وإن لم تتكلم، لن يحدث شيء إزاء ما يحدث. لذا فهذه الشبكات هي السبيل الوحيد".


صحفيو الجزيرة


لعل أشهر الحملات على شبكات التواصل كانت تلك التي خصصت لصحفيي الجزيرة الثلاثة الذين اتهموا بإدارة خلية إرهابية من داخل أحد فنادق القاهرة، لكن تلك الحالة بدأت منذ سنتين ودعمتها قناةٌ إخبارية، و خلال الأشهر الأخيرة، أصبحت الأصوات المجهولة فعّالةً بقدر قناة الجزيرة.

وتحظى كل حملة ناجحة على مواقع التواصل الاجتماعي بتغطية إعلامية محلية ورسمية، بحيث تصبح القضية قضية رأي عام لكل المصريين وللحكومة أيضاً.


إسقاط الزعيم ليس كافياً


يقول الناشطون، الذين يؤلمهم رؤية كيف آلت ثورتهم إلى دولةٍ أكثر عدوانية من النظام الذي أرادوا إسقاطه، إنهم مازالوا يريدون إسقاط النظام، لكن هذه المرة عبر تسليط الضوء على قضايا فردية تجسّد قضايا أكبر "إسقاط الزعيم ليس كافياً".

تقول الناشطة منى سيف: "لا يزال الهدف الرئيسي وهو إسقاط النظام قائماً، لإنجاز هذا علينا التركيز على قضايا أصغر، ورغم أن أنظمة مختلفة حكمتنا منذ عام 2011، إلا أن آلية عمل الدولة والآلة التي تستعملها ما زالت مكونة من نفس المنظومات الفاسدة والعدائية."

وتضيف: "نحن نركز على القضايا التي تلفت انتباه الرأي العام للقضايا الأكبر، مثل القانون نفسه، أو سوء المعاملة داخل السجون وتوفير الخدمات الصحية المناسبة لكل المصريين".


اعتقال العريس


في بعض الحالات، تكون حملات الهاشتاغ هي السبيل الوحيد لكي تعرف العائلات مصير أبنائها، فحين اعتقل بدر محمد (27 سنة) من قبل الشرطة من سيارته بعد عرسه مباشرة، لم تعرف عروسه أو عائلته إلى أين أُخذ.

بعد 4 أيام من حملة قوية على تويتر، مع التركيز على اختفاء شخص يومَ عرسه، قامت وزارة الداخلية المصرية -التي أنكرت اعتقاله في البداية- بإصدار بيانٍ يقول إن محمداً معتقلٌ في مديرية أمن الإسكندرية، وقامت زوجته أبرار التي أصيبت بصدمة عصبية بزيارته في اليوم التالي.

قالت أخته التي زارته مع زوجته: "بدا كرجل آلي كان في حالة صدمة بسبب الطريقة التي اعتُقل بها. مع ذلك، بدون الحملة، لما كنا عرفنا مكان أخي لشهرين أو ثلاثة".


قصة أيمن موسى


أيمن موسى معتقلٌ منذ سبتمبر/ أيلول 2014، أي قبل حملة تويتر التي دفعت الحكومة إلى أخذه إلى منزله في القاهرة.

لم يخبره رجال الشرطة أين يتم أخذه أو لماذا، وعندما اقتادوه الى منزله وجده فارغاً تقريباً، فعائلته لم تعرف بأمر زيارته، و كانت والدته قد ذهبت إلى كفر الزيات لتدفن زوجها.

في المنزل، كان طعم الحرية الأول الذي يتذوقه موسى مُرّاً، فعمته أخبرته أن والده مات، فغادر المنزل مباشرة وأعادته الشرطة إلى سجنه.

كانت ثمة جهودٌ لإطلاق سراح موسى في اليوم التالي لحضور الجنازة، لكن الحكومة لم تستجب.

وفي يوم الجمعة، كانت جنازة والد موسى، بدأت المراسم وقدم أصدقاء أيمن وناشطون محليون تعازيهم في رجل يقول البعض أنه مات لانفطار قلبه على سَجن ابنه.

و في خارج مقر العزاء كان البعض ينظر إلى الشارع مترقبين أن تظهر سيارة شرطة حاملةً أيمن إلى الجنازة، لكن لم يصل أحد، فلم تستطع حملة تويتر أن تعيد أيمن إلى المنزل ليودع أباه.