كيف يجر ترامب الجمهور إلى مصيدته؟

تم النشر: تم التحديث:
DONALD TRUMP
Scott Olson via Getty Images

ما يصعب تصديقه عن دونالد ترامب قبلَ الالتقاء به وجهاً لوجه، هو أن "الفكاهة" سلاحه الأول. فقبل أن يشعل حماس مؤيديه المخلصين، وقبل أن يمطرهم بتعليقاته الغاضبة التي تتسبب بالقشعريرة حول العالم، يقوم ترامب بإضحاكهم.

لا يبدو ترامب مختلفاً عما نتوقعه منه: تاجر عقارات بشعرٍ غريب. لكن لا يمكن التقليل من شأنه، فلديه الموهبة اللازمة ليكون بارعاً في كوميديا الـ"ستاند آب"، بحسب تقرير نشرته "الغارديان" البريطانية.

فالرجل عندما يرفع يديه كواعظ، بينما الإصبع الثانية من يده اليمنى تشير إلى السماء لإضافة المزيد من المعنى على حركته، قادر على أن يدخل جمهوره في نوبات من الضحك خلال دقائق معدودة. قد يشبه الأمر أي عرض كوميدي آخر، لكن يبقى الغريب في الأمر إن ما يضحك بسببه الجمهور ليس شيئاً يدعو للضحك.

محترف كوميديا الـ"ستاند آب" البارع، عادة يجر الجمهور للضحك على نقاط ضعفه هو نفسه أو على عدم كفاءته في أمر ما، أما ترامب، فيثير الضحك عبر نقاط ضعف الجمهور ذاته بسيل عارم من التعليقات الساخرة المستخفة بالآخرين.

مرةً أثار الضحك عندما هاجم وسائل الإعلام التي كانت تغطي مؤتمره، مشجعاً الحشد للنظر إلى مكان تجمع الصحفيين وإطلاق صيحات الاستهجان بحقهم.

ثم بعد ذلك أشار إلى مراسلة بعينها حملها مسؤولية تحريف كلامه في مؤتمر سابق، وقال "إنها هنا الليلة"، فتعالت صرخات الاستهجان والضحكات، "كيتي الصغيرة. عادت إلى هنا"
ومجدداً انطلقت الضحكات وصيحات الاستهجان، ويضيف "مراسلة من الدرجة الثالثة. الدرجة الثالثة، تذكروا هذا".

لكن مراسلي وسائل الإعلام أكثر حظاً مقارنةً بخصوم ترامب في سباق الترشح للرئاسة باسم الحزب الجمهوري.

فالمرشح ليندسي غراهام مثلاً، سيناتور ولاية كاليفورنيا الجنوبية، تلقى هجوما شرساً من ترامب.

ترامب الذي أثار ضحك الحشد في الصالة، قال "ليندسي غراهام، شعبيته صفر. صفر! دعوني أسألكم سؤالاً: أنا لا أفهم ليندسي غراهام هذا. إنه حرفياً صفر. يظهر على التلفزيون طوال الوقت ولا تزيد نسبة شعبيته، أفكاره سيئة للغاية".

المرشح التالي الذي تناوله ترامب هو جيب بوش، الحاكم السابق لولاية فلوريدا "نسبة شعبيته هي 3%! يقول إنه غاضبٌ مني بسبب اللهجة التي أستخدمها، لهجة دونالد ترامب ليست لطيفة. لدينا بشرٌ يتم تقطيعهم في الشرق الأوسط لأنهم مسيحيون. ثم نتكلم عن اللهجة!".


كسب التعاطف عبر الضحك


مثلما يبدو واضحاً من التعليق السابق، تقنية ترامب بسيطة للغاية: يكتسب محبة الجمهور عبر الضحك، ثم يسحبهم إلى عالمه أو مصيدته.

وأي عالم هذا! إنه عالم دونالد ترامب المليء بالخطر حيث يصوّر أن التهديد يتربص بالأميركيين في كل ركن، وأن البلاد تمضي نحو الهاوية بسرعة، وأن رجلاً واحداً فقط لديه القوة والقدرة لتجنب الكارثة.

وعند هذه النقطة يصرخ الحشد منادياً: "ترامب! ترامب! ترامب! ترامب!".

ويصور لجمهوره أن هذه التهديدات ليست تهديدات قديمة، بل "إنها التهديدات الأسوأ، الأكثر رعباً، الأكثر دموية التي يمكن لأي أميركي تخيلها". حتى أن بعض المعلقين قالوا إن ترامب بسبب مهاراته قد يبدأ مهنة جديدة كمخرج لأفلام الرعب إن لم يحالفه الحظ في الوصول إلى البيت الأبيض.

وبحسب ترامب لا يكتفي المكسيكيون بدخول أميركا بطريقة غير شرعية، بل أيضاً يغتصبون ويقتلون، وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) لا يقتل فقط، بل يذبح. والمسيحيون لا يُقتلون فقط في الشرق الأوسط، بل يُرمون في أقفاص فولاذية تحت الأرض.

الفوضى التي تعم العالم خارج أميركا -ودائماً بحسب ترامب- تصل إلى الولايات المتحدة عبر الهجرة غير المنضبطة لآلاف "المسلمين المجهولين الذين لا يجرؤ أحدٌ على إيقافهم وسؤالهم بسبب مخاوف تتعلق باللباقة السياسية والاتهام بالعنصرية". فبعد هجمات باريس وكاليفورنيا، يضيف "يجب أن لا نثق بأحد".

ويمضي ترامب في آرائه في إشارة إلى الهجوم الذي وقع في سان برناردينو ونفذه زوجان مسلمان: "وقعت تلك الحادثة أخيراً في كاليفورنيا، حيث كان أحدهم يصنع قنابل. رأتها الأم. لم تشعر الأم أن ثمة شيئاً مريباً. لقد رأيتها تتحدث في المقابلة وصدقوني، برأيي إنها كانت تكذب".

ويطرح سؤاله الأهم: "إذاً كيف وصلنا إلى هذا المكان المرعب؟" ويدخل الحشد في حالة تأمل، يفكر. وثمة طاقةٌ في القاعة، في الواقع الكثير من الطاقة، لكنها مروَّضة كنمر.

ويجيب "وصلنا إلى هذا المكان لأن الناس أغبياء. كل من هو خارج هذه القاعة في هذه اللحظة غبي، كل من لا يستمع إلى هذا الشخص الذي يخطب هنا غبي".

يقول ترامب الذي يطمح أن يصبح خليفة رونالد ريغان "هذه البلد غبية من عدة نواح. هل بوسعكم تخيل ما سيقوله قادتنا القدامى؟ هذه البلاد غبية، وأوباما بالطبع أكثر من غبي، حتى أنني لا أعرف ما إذا كان يعرف ما يحدث. حتى القادة العسكريون أغبياء. بدلاً من أن يحاولوا استئصال داعش في سوريا، يقضون وقتهم في مقابلات على شاشات التلفزيون. هل تصدقون هذا؟ التلفزيون!"

يضيف ترامب ذاكراً الجنرال الأميركي جورج باتون الذي اكتسب شهرته إبان الحرب العالمية الثانية "هل تعتقدون أنه كان يمضي وقته في المقابلات؟ لا، كانت المقابلات تأتي بعد تحقيق النصر النهائي. أطْلق النار أولاً ثم تحدثْ لاحقاً".

وبذلك ينقل ترامب جمهوره إلي المكان الذي يريده هو، ينقله إلى مكان "الإدراك النهائي" حيث تتلاقى كل الأفكار لتشكل "منطقاً في عالمٍ خالٍ من المنطق".

وما يصوره للجمهور هو أن: خارج القاعة، يوجد الذبح وقانون الشريعة، يوجد رئيس لا يدري بما يحدث وقادةٌ عسكريون يتباهون على التلفزيون. داخل هذه القاعة يوجد حلٌّ يمكن أن يعيد لأميركا عظمتها مجدداً.

يقول ترامب: "نحتاج شخصاً قوياً. شخصاً خارق الذكاء. هذا هو ما نحتاجه". فأيُّ حلٍّ هذا؟ وأين تلك القوة وذاك الذكاء؟

بالطبع "دونالد ترامب يعرف، فهل تعرف أميركا؟" بهذا يختم مؤتمره ويجر الجمهور إلى مصيدته.