بوتين وهولاند.. لقاء يائس لإقامة تحالف مشكوك في نجاحه

تم النشر: تم التحديث:
VLADIMIR PUTIN FRANCOIS HOLLANDE
ALAIN JOCARD via Getty Images

بدأ الواقع السوري البالغ التعقيد ينعكس على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي واجه أولى انتكاساته الثلاثاء 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 مع إسقاط تركيا مقاتلة روسية فوق الحدود السورية، بعد حوالي شهرين من حملة قصف جوي مركزة في سوريا.

ويأتي ذلك التصعيد الخطير للتوتر بين روسيا وتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، فيما يستعد بوتين لمحادثات مع نظيره الفرنسي فرنسوا هولاند في موسكو الخميس حول تشكيل تحالف واسع لمواجهة جهاديي تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعشِ).

ويسعى بوتين، الذي يدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، إلى الاستفادة من التحول في الدينامية الغربية في أعقاب الاعتداءات الدموية التي ضربت باريس في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني، وتبناها تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي ترجمة لترحيبه بدعوة هولاند إلى تعزيز التعاون في مكافحة الجهاديين في سوريا، أمر بوتين جيشه بالعمل مع فرنسا العضو في الأطلسي "كحلفاء"، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.

لكن محللين يقولون إن إسقاط الطائرة الروسية على الحدود التركية بمثابة تذكير بأن من غير المرجح أن تتوحد القوى العالمية والإقليمية في تحالف واسع نظراً إلى الاختلافات الصارخة حيال النزاع السوري، وليس أقلها حول مصير الأسد، صديق موسكو وعدو تركيا والغرب.


التحالف الدولي مستبعد


يقول رئيس مجلس السياسة الخارجية والدفاع في الحكومة الروسية فيودور لوكيانوف للوكالة الفرنسية إنه "من المستحيل تخيل روسيا وتركيا في التحالف نفسه".

واستدرك "لكن الوضع لم يتغير، وربما تحسن فيما يتعلق بالتعاون بين روسيا والولايات المتحدة وفرنسا".

حلفاء تركيا في الأطلسي دعوا إلى الهدوء ونزع فتيل التوتر سريعاً، وشددوا على ضرورة منع وقوع مثل تلك الحوادث في المستقبل.

من جهتها، أكدت روسيا أنها لن ترد عسكرياً، كما قال سفير موسكو لدى فرنسا ألكسندر أورلوف إن بلاده مستعدة لتشكيل "هيئة أركان مشتركة" ضد تنظيم الدولة الإسلامية تضم فرنسا والولايات المتحدة وحتى تركيا.

لكن غضب بوتين كان جلياً الثلاثاء عندما اتهم تركيا بخيانة روسيا ودعم تنظيم الدولة الإسلامية، مشيراً إلى أن موسكو قد ترد باتخاذ تدابير اقتصادية وسياسية.

وفي هذا السياق، اعتبر لوكيانوف أنه "بالنظر إلى وجه الرئيس أمس، فإن الخسائر التي يمكن أن تتكبدها الشركات الروسية لن تكون قادرة على إيقافه".

وأضاف إن "النموذج الكامل للعلاقات الاقتصادية مع تركيا، من سياحة ومواد غذائية وسلع استهلاكية وبناء وغيرها، سيكون تحت ضغط هائل".

وتعرض بوتين إلى حملة شرسة من النقاد المحليين على خلفية مقتل أحد الطيارين الروس وجندي آخر خلال عملية فاشلة لإنقاذ الطاقم.

والجنديان هما الحصيلة الأولى المعلنة للخسائر الروسية منذ بدأت موسكو حملتها الجوية في سوريا في 30 سبتمبر/ أيلول.

كما أن المقاتلة الروسية هي الأولى التي يعلن عن إسقاطها في سوريا، منذ سقوط طائرة أردنية في العام 2014.


صدمة المغامر


اتهم المراقب السياسي والكاتب الساخر فيكتور شينديروفيتش بوتين باقتياد البلاد إلى شفا حرب مع عضو في حلف شمال الأطلسي.

وكتب على مدونة إن "الإذلال الدولي للمغامر العسكري كان سيتم بطريقة أو بأخرى"، متوقعاً أن الكرملين سيحاول استغلال الحادثة لتحقيق مكاسب سياسية.

وقال "لا شك في أنهم سيتمكنون من استخدام صدمة البلاد لأغراضهم السياسية، وهذه ليست المرة الأولى".

واعتبر بعض المحللين الروس أن تركيا أسقطت المقاتلة الروسية بسبب غضبها من موقف بوتين المتسلط حيال النزاع السوري والتجاهل الواضح لمصالح أنقرة في البلد الذي مزقته الحرب.

وفي حين يصر بوتين على أن الطائرة لم تشكل تهديداً لتركيا، قالت أنقرة إن موسكو تقصف التركمان في سوريا، وهم أقلية تعتبرهم تركيا حلفاء في مواجهة النظام السوري.


منطقة حظر طيران


ومن ذلك المنطلق، يرى المحلل العسكري بافيل فيلغنهوير أن "الأتراك يريدون من روسيا أن تعترف بأن هناك منطقة على طول حدودها غير صالحة للقيام بطلعات جوية وغارات".

وأضاف إن "روسيا لا تقوم بمجرد قصف التركمان، إنها تمهد ممراً لهجوم من قبل الأسد وحزب الله".

واعتبر أن هذا الأمر "يمكن أن يؤدي إلى تطهير عرقي للتركمان، وهو أمر غير مقبول بالنسبة إلى تركيا".

وقالت روسيا إنها ستعزز قوتها النارية في سوريا، وسترسل أنظمة الدفاع الجوي الأكثر تقدماً إلى قاعدتها الجوية هناك، مضيفة أنه سيتم تخصيص طائرات حربية مطاردة لمواكبة طلعات المقاتلات الروسية.

وبناء على ذلك، فإن الحشد العسكري سيزيد بدوره من مخاطر وقوع حوادث جديدة.

وأشار لوكيانوف إلى أنه "كلما طال أمد العملية، زادت المخاطر".

وأضاف "عليك أن تكون مجنوناً بالكامل للاعتقاد، بعد كل ما رأيناه في الشرق الأوسط على مدى السنوات الـ15 الماضية، أن تدخلاً في حرب أهلية في الشرق الأوسط سيكون سهلاً وخالياً من المشاكل.


هولاند في موسكو


ويزور الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند موسكو الخميس في محاولة لكسب تنازلات من بوتين في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية والضغط من أجل حل سياسي في سوريا لكن دبلوماسيين حذروا من وجود خلافات هائلة ستجعل من الصعب تحقيق إنجاز.

لكن بعد اتفاق هولاند مع الرئيس الأميركي باراك أوباما الثلاثاء على توسيع نطاق العمليات العسكرية ضد التنظيم قلل مسؤولون فرنسيون من احتمال نجاح دعوات هولاند لتشكيل تحالف واسع ضد الدولة الإسلامية يشمل روسيا والولايات المتحدة.

وقال دبلوماسي فرنسي كبير "خلصنا لأن علينا العمل مع بوتين. يجب أن نحاول ضمه تحت بعض الشروط التي سنضعها بدقة."

وسبق لفرنسا القول إنها "قد تعمل عن كثب مع روسيا فقط إذا ضغطت موسكو على الرئيس السوري بشار الأسد لوقف قصف المدنيين ببراميل متفجرة وقصر غاراته الجوية على الدولة الإسلامية وجماعات متطرفة أخرى والعمل على تحقيق انتقال سياسي في سوريا ينتهي برحيله".

وقال المسؤول "إذا أفلحنا في دفعه للتحرك لتحقيق أحد تلك الأشياء فسيكون أفضل شيء نحققه."

مسؤولون فرنسيون أشاروا إلى أنهم قلقون من ألا تقوم روسيا بجهد كبير لتجنب إحداث ضرر مباشر بغاراتها الجوية في سوريا وهو أمر يجعل التنسيق أكثر صعوبة.

وحتى الآن لا يبدو أن بوتين سيتراجع لتحقيق أي من الشروط الفرنسية المسبقة وتمسك بموقفه أكثر بعد إسقاط المقاتلة- وهو أخطر حادث بين روسيا وبلد عضو بحلف شمال الأطلسي منذ أكثر من نصف قرن.