"الأقدام السوداء".. مستوطنون أوروبيون من أيام الاستعمار يطالبون بالجنسية الجزائرية

تم النشر: تم التحديث:
FRENCH ALGERIA
| Nacerdine ZEBAR via Getty Images

يطالب أوروبيون ولدوا في الجزائر إبان فترة الاستعمار الفرنسي، والتي امتدت لأكثر من قرن، بالحصول على الجنسية الجزائرية، لـ"شعورهم بالحنين للوطن وعدم رغبتهم في فقد الارتباط بجذورهم العائلية".

ويؤكد هؤلاء، الذين يطلق عليهم في الجزائر "بالأقدام السوداء"، أن مطلبهم لا يتضمن استرجاع ممتلكاتهم التي تركوها وراءهم في الجزائر بعد خروجهم عام 1962، بل إن كل ما يطلبونه هو "الاعتراف بأنهم جزائريون كباقي المواطنين".

ويقدر المؤرخون أعداد "الأقدام السوداء" في الجزائر بقرابة المليون نسمة، نزح منهم 800 ألف إلى فرنسا عام 1962، فيما بقي 200 ألف منهم في الجزائر، قبل أن يسافروا هم أيضاً سنوات بعد ذلك.


من هم الأقدام السوداء؟



هم أوروبيو الجزائر قبل الاستقلال، والذين تم استقدامهم منذ 1830 للسكن في الجزائر، ليصبحوا مع مرور الوقت من الأهل بعد توالدهم وامتزاجهم مع بنية مجتمعهم الجديد. وبعد استقلال الجزائر عن فرنسا عام 1962، اضطر هؤلاء للخروج من الجزائر، بعد انتصار جبهة التحرير واستقلال البلاد.

واشتهر هؤلاء في الجزائر بـ"الأقدام السوداء"، نسبة إلى الجنود الفرنسيين الذين دخلوا البلاد أول مرة، مرتدين أحذية طويلة سوداء. وحسب رواية أخرى، يعود أصل التسمية إلى المزارعين من المستوطنين الذي كانوا يسحقون العنب بأقدام حافية لاستخراج العصير والخمور. أما في فرنسا، فيعرفون بـ"العائدين".


الجنسية الجزائرية



ورغم غياب أرقام دقيقة، إلا أن هناك عدداً من "الأقدام السوداء" الذين تقدموا في السنوات الأخيرة بطلب الحصول على جواز السفر الجزائري، باعتباره "حقاً يمليه الحنين إلى أرض الميلاد والجذور العائلية".

ومن بين هؤلاء، جاك كافانا، المحامي ورئيس جمعية الحفاظ على المقابر الفرنسية بالجزائر، والذي يقول أنه تقدم بالطلب "حتى لا تندثر علاقتي بجذور آبائي وأجدادي، وحتى أقول للجزائريين إني أيضاً جزائري مثلهم، وأنا وأمثالي من الأقدام السوداء القاسم المشترك بين الجزائر وفرنسا الذي يجب الحفاظ عليه"، على حد تعبيره.

ويضيف كافانا في حديث مع "هافينغتون بوست عربي" أنه ولد عام 1946 بحي الأبيار في العاصمة الجزائر، واضطر أن يغادر البلد سنة 1962 مثل الجميع"، لكنه مازال متشبثاً بالحصول على جواز سفر جزائري، "رغم أني لا أتلقى أي رد من السلطات الجزائرية بعد 3 سنوات من تقدمي بالطلب".


العلاقة مع الجزائر مستمرة



ويأتي كافانا في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام على رأس وفد من "الأقدام السوداء" لزيارة مقابر أجدادهم المدفونين في الجزائر والوقوف على وضعيتها.

ويبرر كافانا سبب اختيار هذا التاريخ، لكونه يوافق ذكرى الثورة الجزائرية التي أدى نجاحها إلى خروجهم من البلاد، بأن الأمر مجرد مصادفة، "فمنذ 15 سنة ونحن نأتي للجزائر، في إطار الاحتفاء بعيد القدسيين، الذي يصادف أيضاً أول نوفمبر من كل عام بالنسبة للمسيحيين، ولا نبحث عن أي إشهار خاص أو دلالة أخرى، غير الترحم على موتانا"

ويؤكد أنهم "يحترمون سيادة وقوانين الجزائر، ويرفضون في المقابل، الطرح القائل بأن الأقدام السوداء يريدون استعادة ممتلكاتهم"، موضحاً أن هذا "لم يكن يوماً من مطالبنا، والبعض للأسف يأخذ الكلام دون التأكد من الحقيقة، وكل ما هنالك، هو أن بعض العائلات كانت لها ممتلكات، وقد تمت إحالة ملفاتهم على العدالة لتأخذ مجراها القانوني".


الثورة لم تكن ضد الأقدام السوداء



وعن كون خروج "الأقدام السوداء" من الجزائر، جاء بسبب "تهديد حياتهم"، أكد المؤرخ الجزائري محمد القورصو أن "كافة مواثيق الثورة الجزائرية، وعلى رأسها بيان أول من نوفمبر لاندلاع الثورة، لم تنص أبداً على أنها ثورة دينية تقصي الأقليات الدينية الأخرى، بل كانت ضد الاحتلال الفرنسي".

وتابع القورصو قائلاً "إن من المستوطنين من انضم للثورة وجاهد ضد الاحتلال الفرنسي، ومنهم من ساعد قادة الثورة أو دفع أموال دعم للمجاهدين في صمت، بينما كانت هناك فئة متطرفة ترفض فكرة استقلال الجزائر، وكانت وراء تشكيل منظمة اليد الحمراء الإرهابية، التي كانت ترفض استقلال الجزائر، وتخرج المستوطنين من منازلهم وتقتلهم".

أما بخصوص رغبة البعض منهم في استعادة الممتلكات، يشير القورصو إن " السلطات الجزائرية منحت في مارس/ آذار 1963 مهلة للأقدام السوداء حتى يحافظوا على ممتلكاتهم بطريقة شرعية، ومن غير المعقول أن يعود الآن من لم يقم بذلك حينها ليطالب باستعادة ممتلكاته".

ويستطرد المتحدث "بأن تلك الممتلكات في أصلها جزائرية وسلبت من الجزائريين غداة الاحتلال الفرنسي، بقوة القانون وقوة السلاح، إذ أن المؤرخين الفرنسيين أنفسهم، كتبوا أن المستوطنين حلوا بالجزائر حفاة عراة لتحلوا إلى أغنياء، وبات لهم نفوذا سياسيا كبيرا حتى هددوا مرارا فرنسا نفسها في حالة ما إذا استسلمت وخرجت من أرض الجزائر".