أميركا تتفرج على تورط روسيا في رمال "داعش" المتحركة

تم النشر: تم التحديث:
RUSSIAN PRESIDENT PUTIN
الرئيس بوتين | Sasha Mordovets via Getty Images

بعد أن زعم تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) إسقاطه للطائرة الروسية، لم ترمش للمخابرات الأميركية ومسؤوليها الأمنيين أي عين ولم تهتز لهم شعرة، إذ عوضاً عن الهلع والذعر من استهداف "داعش" لطائرات مدنية أخرى في المنطقة، كان جل تركيز الأميركيين: كيف سيتأذى بوتين من الحادثة وكيف ستستفيد الولايات المتحدة من ذلك؟

منذ بدأ بوتين بقصف المسلحين في سوريا بقنابله وصواريخه، والمسؤولون الأميركيون يتجادلون فيما بينهم، معتبرين أن بوتين قد ارتكب غلطة العمر بتدخله في سوريا.


خطأ بوتين الجسيم


بالفعل كان مسؤول استخباري أميركي قد وصف الحملة الروسية على سوريا بـ"خطأ بوتين الجسيم" قبيل كارثة الطائرة متروجيت. فالخطأ جسيم استراتيجياً لأن من شأنه إضعاف جنوده وكذلك شعبيته، هذا فضلاً عن تأليب المتشددين الإسلاميين ضده من جديد واستفزاز ثاراتهم ونقمتهم، عليه وعلى بلاده مرة أخرى.

وفي حديث أجراه موقع ديلي بيست مع 6 مسؤولين عسكريين واستخباراتيين أميركيين، أعرب هؤلاء عن أملهم في أن تصدق "داعش" في زعمها إسقاط متروجيت، لأن اعتداءها على المدنيين الروس –إن ثبت– سيكون بمثابة دعوة رسمية لبوتين ليشدد ضرباته ضد مواقع "داعش" بدرجة أكثر عمقاً، وهو ما تأمل فيه أميركا بعد أكثر من عامٍ كاملٍ من الحملات العسكرية الأميركية على داعش من دون طائل.


استهداف داعش بدرجة أكثر عمقاً



بالفعل تهللت أسارير المسؤولين العسكريين الأميركيين واستبشروا خيراً بتبني "داعش" لكارثة متروجيت، لأن هذا الاعتداء كفيلٌ بتحويل أهداف بوتين العسكرية في سوريا من ضرب مواقع الجيش الحر والثوار في سوريا، الأمر الذي خدم "داعش" ويسّر لها التقدم في حلب، إلى ضرب "داعش" ذاتِها، وبذلك تكون "داعش" قد أوغرت صدرَ الدب الروسي عليها.

وهذا ما حصل، فبعد حادثة الطائرة قامت روسيا باستهداف معقلين لـ"داعش" في الرقة وتدمر، ويعلق على ذلك التصعيد أحد كبار مسؤولي المخابرات في مقابلة الـ"ديلي بيست": "أعتقد أن بوتين سيهاجم داعش الآن".

لا يخفي البعض في الحكومة الأميريكية ارتياحهم تجاه تورط بوتين أكثر فأكثر في رمال "داعش" المتحركة، حتى أن البعض منهم غمرته نشوة التشفي ببوتين الذي يدفع الآن ثمن مزاحمته أميركا في الشرق الأوسط، فقد توعّدته "داعش" بـ"الويل والثبور" بعد تدخله العسكري دعماً للأسد.


داعش والقاعدة في عيون الأميركيين


لقد أظهر تبني "داعش" لإسقاط الطائرة الروسية النظرة الجيوسياسية التي تنظر بها أميركا إلى "داعش" وكيف أنها تراها بعين مختلفة عن تنظيم "القاعدة".

فالمسؤولون الأمنيون في أميركا عملوا على مدى عقودٍ للحيلولة بين "القاعدة" وبين تكرار سيناريو تفجير الطائرات المدنية، والآن أتت "داعش" ونجحت في تحقيق ما فشلت "القاعدة" بتكراره، لكن هناك فرق: فناقوس الخطر لم يقرع في واشنطن هذه المرة.

يهز مسؤولان أميركيان برأسيهما في المقابلة قائلين: الطائرة ليست أميركية هذه المرة، ولو كانت كذلك لتغير الحوار كله. ليست مسؤولية الولايات المتحدة تأمين مطار شرم الشيخ ولا حماية طائراته. لماذا صمتت الولايات؟ لأن الصمت أفضل ردٍ لدينا."


شرم الشيخ مشهور بضعف أمنه




وأشار بعض المسؤولين أن أمن مطار شرم الشيخ مشهور بضعفه، ولذلك السبب لا تسمح الحكومة الأميركية بأية رحلة طيران مباشرة منه إلى مطاراتها. الاستخبارات الأميركية تتبادل المعلومات الأمنية حول أوضاع المطارات مع حلفائها في أوروبا وإسرائيل، أما عن مصر فرغم كونها أقوى حليف عربي لأميركا ورغم أن مطار شرم الشيخ رحب بالعديد من وزراء أميركا في أواخر حكم مبارك، إلا أن المخابرات الأميركية مُقلةٌ في مشاطرتها مصرَ معلوماتها الأمنية حول المطارات وأمنها كما هو حالها مع حلفائها الآخرين.

كما تساءل مسؤولون وخبراء مكافحة الإرهاب إن كان في وسع "داعش" تكرار الاعتداء الذي ارتكز في الغالب على عميلٍ لها من داخل المطار لكي يزرع العبوة الناسفة على متن الطائرة.

يقول كريستوفر هارمر المحلل السياسي في معهد دراسة الحروب "إن كانت داعش المسؤولة عن العملية، فلا أعلم إن كان باستطاعتها تكرارها بنفس الشدة أو أعنف. فشرم الشيخ مشهورة بموقعها الخطير وتدابيرها الأمنية الرديئة."


المأزق مأزق بوتين وليس مأزق أميركا


سبق أن تعرضت روسيا في 24 أغسطس/آب 2004 لاعتداء انتحاريين من الشيشان فجرا نفسيهما على طائرتين منفصلتين غادرتا من موسكو، ما أسفر عن مقتل 98 شخصاً، لكن –ويتحدث هنا مسؤول أميركي أمني سابق – لو كانت هذه الحوادث حصلت في أميركا أو دول غربية لكان أمكن درؤها ومنعها نظراً لتدابير الغرب الأمنية الصارمة في المطارات (وإن كانت هذه ليست معصومة عن الخطأ، ففي 2009 نجح أحد عناصر القاعدة في تهريب قنبلة على متن خطوط نورث ويست الأميركية في رحلة من أمستردام إلى ديترويت، إلا أن القنبلة لحسن الحظ لم تنفجر.)


ليس فشلاً استخباراتياً أميركياً


هناك سبب ثان وراء ارتياح أميركا وعدم خوفها من استهداف "داعش" لطائراتها، وهو أن حادثة متروجيت لم تكن نتيجة فشل استخباراتي أميركي أو فشل تدابيرها الأمنية. فالمخابرات الأميركية تمكنت بالفعل من الحصول على معلومات مفادها أن مقاتلي "داعش" يدبرون "عملية كبيرة" في الأيام التي سبقت حادثة متروجيت، لكن الغموض اكتنف ذلك الخبر الذي لم يكن محدداً.

يعوّل المسؤولون الأميركيون في إدارة أوباما كثيراً على أن تجري الرياح بما لا تشتهي سفن بوتين وأن ينقلب سحره في سوريا عليه ويصيبه في مقتلٍ بعقر داره في موسكو.

ففي الشهر الفائت عندما قال مراسل برنامج 60 دقيقة ستيف كروفت أن بوتين يتحدى زعامة أوباما، جاء الرد من الرئيس الأميركي "إن كانت الزعامة والقيادة برأيك أن تخرب اقتصاد بلدك بيدك وترسل بجنودك لدعم حليفك الوحيد في المنطقة، فنحن نختلف معك في تعريف القيادة."

لكن على الرغم من حكم الأميركيين على بوتين بالوقوع في دوامة، إلا أنهم يرون أن أمامه فرصة واحدة لتفادي أعمال الجهاديين الانتقامية في بلاده: أن يحذو حذو أميركا في حربها على القاعدة لا على أرضها، بل على أرض العراق.

عندما أرسلت أميركا قواتها وجيوشها إلى العراق تحولت بلاد الرافدين إلى حلبة صراع بينها وبين إرهابيي القاعدة، فأصبحت أرض العراق مقصد كل جهادي مسلح لقتال "الكفار الأميركيين"، فإن استطاع بوتين تجييش جنوده في سوريا أكثر وأن يحول أنظار الإرهابيين عن ضرب مدنيي روسيا إلى التنادي للجهاد في سوريا، يكون بوتين بذلك قد جنب مواطنيه بأس "داعش".