"بيزنس" الاختفاء القسري في سوريا.. 30 آلاف دولار للحصول على معلومة

تم النشر: تم التحديث:
SYRIA
صورة أرشيفية لسوريين محتجزين بينهم طفل | ELVIS BARUKCIC via Getty Images

حين اعتقلت قوات النظام في سوريا زوجها للمرة الأولى، رفضت ميس زغلول دفع أي مبلغ لوسطاء لمعرفة مصيره، لكن حين اعتقل مرة ثانية رضخت للأمر الواقع لتصبح إحدى ضحايا منظومة الفساد المترسخة في سوريا.

زغلول (36 عاماً) التي تقيم حالياً مع أطفالها الثلاثة في السويد قالت لوكالة الصحافة الفرنسية "عندما اعتقل زوجي للمرة الأولى، رفضت أن أدفع لأنني لم أكن أريد تشجيع (هذه الظاهرة)، ولكن في المرة الثانية، كنت حاملاً ومنهكة، كنت مستعدة لأن أفعل أي شيء".


وسيلة للتربح


والخميس 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 اتهمت منظمة العفو الدولية السلطات السورية بالتربح من عمليات الاختفاء القسري المنتشرة على نطاق واسع في البلاد وذلك عبر المبالغ التي تدفعها العائلات بحثاً عن أفرادها، معتبرة هذه الممارسات "جرائم ضد الإنسانية".

المنظمة أفادت في تقرير أصدرته حول الاختفاء القسري في سوريا "عن جني الدولة أرباحاً جراء انتشار عمليات الاختفاء القسري بشكل منهجي على نطاق واسع بما يرقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية"، مشيرة إلى "بروز سوق سوداء من الخداع والحيلة على هامش هذه الممارسات تستغل رغبة أقارب الضحايا وتوقهم المفرط لمعرفة مصير أحبتهم المختفين مقابل حفنة من المال".

ووصل عدد حالات الاختفاء القسري وفق المنظمة إلى "مستويات مروعة"، ونقل التقرير عن "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" توثيقها "تعرض ما لا يقل عن 65 ألف شخص" للاختفاء القسري منذ العام 2011 بينهم "نحو 58 ألف مدني".


الوسطاء يتربحون


وبحسب تقرير منظمة العفو فإن الوسطاء "لديهم علاقات وثيقة مع السلطات السورية" وهم يمكن أن يكونوا "حراس سجون أو محامين أو معتقلين سابقين أو أئمة مساجد".

ويستغل هؤلاء، بحسب التقرير، قلق الأهالي على مصير أقاربهم المعتقلين لعلمهم أنهم "يتعرضون لمعاناة هائلة" مثل التعذيب والاغتصاب و"في بعض الحالات للموت".


5 آلاف دولار للمعلومة


ورغم ترددها إلا أن ميس زغلول، التي كانت أحد الشهود الذين استند إليهم تقرير منظمة العفو، رضخت في نهاية الأمر وقررت دفع المال مقابل معرفة مكان زوجها ويدعى محمد.

ومحمد هو محام وناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان اعتقل للمرة الأولى في أغسطس/ آب 2011 لمشاركته في تظاهرة ثم أطلق سراحه بعد أن وقع على تعهد بعدم تكرار ما فعل. ولكن في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 اعتقل عند حاجز تفتيش أثناء عودته من عمله.

وتقول ميس أنه لإطلاق سراح زوجها "طلبوا" نصف مليون ليرة سورية أي أكثر من 8500 دولار في حينه، دون أن تستطع تحديد تلك الجهة.

وعندما رفضت العائلة دفع هذا المبلغ نقل محمد، بحسب ما قيل لزوجته لاحقاً، إلى سجن تابع للاستخبارات الجوية، الفرقة المعروفة بأنها الأكثر قسوة في سوريا.

ولم توقف ميس مسيرة بحثها عن زوجها، حيث تقول أنها حاولت معرفة مكانة بواسطة "معارف لمعارفها" على حد قولها لتصل في النهاية إلى رجل عرف عن نفسه بأنه ملازم وعرض عليها المساعدة.

وتقول "أعطيته 5 آلاف دولار، وهو مبلغ كان زوجي وضعه جانباً من أجل عائلته".

وتضيف "لكن ما إن حصل الوسيط المفترض على المال حتى "اختفى" مؤكدة أنها لا تزال من دون أي معلومة عن مكان زوجها ولا تعلم ما إذا كان لا يزال حياً أم لا.


من أجل لا شيء


وميس ليست وحدها في هذا، فالروايات المتشابهة كثيرة جداً وفي بعض الأحيان "الوسطاء" هم من يبادرون إلى الاتصال بذوي المعتقلين عارضين عليهم خدماتهم.

وينقل تقرير منظمة العفو عن سعيد عيدو الذي اختفى شقيقه في 2012 قوله "نحن نتلقى اتصالات هاتفية طيلة الوقت من أناس لا نعرفهم، كل واحد منهم يقول لنا أن بوسعه العثور على شقيقي إذا دفعنا له المال".

كما نقل التقرير نفسه عن حكيم الصالح الذي يبحث أيضاً عن شقيقه أنه دفع مليوني ليرة سورية، أي ما كان يعادل في حينه 30 ألف دولار، مقابل معلومة عن مكان أخيه.

وقال "لقد بعنا أرضنا لكي نتمكن من أن ندفع لهذا الرجل، جدي لم يبع أرضه ووالدي لم يبعها لكنني بعتها وفي النهاية من أجل لا شيء"، مضيفاً "ولكن هذا كان القرار الصواب. إذا عثروا عليه سنعطي كل ما نملك".

وإذا كانت هذه هي معاناة ذوي المعتقلين فإن معاناة من هم وراء القضبان هي أكبر بكثير، فإضافة إلى كل ما يقاسونه من ظروف الاعتقال هناك ألم القلق على مصير العائلة.

وقال حسين غرير (33 عاماً) وهو مدون اعتقل وعذب طيلة ستة أشهر ويقيم حالياً في تركيا أنه في المعتقل "نقلق لأن عائلاتنا لا تعرف ما إذا كنا أحياء أم أموات، نقلق على صحتهم الجسدية والعقلية، نخاف من المخاطر التي تواجههم إذا حاولوا تقصي أخبارنا".