ضخ مصر لمياه البحر يغرق تجارة الأنفاق في غزة

تم النشر: تم التحديث:
GAZA STRIP
Anadolu Agency via Getty Images

يتحدث محمود بكير بأسى عن الليلة التي صاح فيها في زوجته وأبنائه الخمسة ليفروا من المنزل الموجود على حدود غزة مع مصر حين اندفعت المياه إليه.

نجا الرجل وأسرته خلال عملية غمر الأنفاق الأسبوع الماضي، لكن المياه الآن تغطي شبكة الأنفاق الفلسطينية أسفل بلدة رفح الحدودية، فقد دمرتها القاهرة لتقطع ما تقول إنه طريق لتهريب الأسلحة من غزة للإسلاميين المتشددين في سيناء المصرية.

بالنسبة لبكير (61 عاماً) فإن فكرة اعتبار مصر التي كانت ذات يوم بوابة أبناء غزة البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة وراء معاناة أسرته مؤلمة بشدة.

وقال الرجل في منزله ذي الطابق الواحد الذي تسربت إليه المياه، بينما تزداد الشقوق في أرضيته اتساعاً: "احنا بنحترم جيراننا، وبنحب مصر، بس جيراننا تقلوا (أثقلوا) علينا كتير".


تلوث إمدادات المياه


وتضخ مصر المياه المالحة من البحر المتوسط في الأنفاق، وهي بذلك لا تلحق بها الضرر وحدها لأنها تصعد إلى السطح. ويقول مسؤولون فلسطينيون إنها أيضاً تلوث إمدادات المياه وتهدد بتدمير الرقعة الزراعية ونشر الأمراض.

ويقول سكان إنه في ذروة نشاط تجارة الأنفاق بعدما سيطرت حركة حماس على قطاع غزة في 2007 وشددت إسرائيل من إجراءات إغلاق حدودها مع القطاع تم حفر نحو 2500 نفق أسفل الحدود مع مصر.

وكانت معظم التجارة في اتجاه غزة، تدفقت إليها سلع تجارية وأسلحة هُرّبت في أنفاق منفصلة تسيطر عليها حماس وفصائل مسلحة أخرى، في تحدٍّ لما يندد به فلسطينيون وكثير ممن يؤيدونهم بوصفه حصاراً إسرائيلياً.

بين عامي 2008 و2010 تردد أن بعض ملاك الأنفاق قد أصبحوا من أصحاب ملايين الدولارات بعدما نقلوا كل شيء، من السيارات الهامر والغسالات إلى الأبقار والأغنام، عبر شبكة الأنفاق تحت الأرض. وفرضت حماس ضرائب على هذه السلع.

وفي إحدى المراحل قدر عدد الفلسطينيين الذين يعملون في "صناعة" الأنفاق بحوالي 22 ألفاً. لكن العدد انخفض بشكل حاد في 2010 بعدما سمحت إسرائيل، تحت ضغط دولي لتخفيف القيود على الواردات التجارية إلى غزة، بدخول المزيد من السلع عبر حدودها البرية.

بعدها في سبتمبر/أيلول هذا العام قررت مصر إغلاق الأنفاق نهائياً. وفي ظل إصرارها على وقف ما قالت إنه تدفق للأسلحة في الاتجاه المعاكس من غزة إلى المتشددين، أخلت مصر المنطقة على جانبها من الحدود وبدأت في ضخ المياه في هذه المتاهة الموجودة تحت الأرض فانهارت التربة.


ضخ المياه مرات عدة


وقال أشخاص يعملون في بناء الأنفاق إن مصر ضخت المياه مرات عدة منذ سبتمبر/أيلول، وإنها خلال أسابيع قليلة ألحقت من الضرر بالشبكة، التي قدر ذات مرة أنها تمد غزة بنحو 30% من وارداتها، ما يفوق ما سببه القصف الإسرائيلي خلال العقدين الماضيين.

والآن يقول هؤلاء إن أقل من 20% من الأنفاق لا تزال تعمل لجلب السلع التجارية، وعلى رأسها السجائر لسهولة تهريبها. ولا يستطيع أحد أن يقدر عدد أنفاق تهريب الأسلحة التي مازالت تعمل، وهو سر تتكتم عليه حماس والفصائل المسلحة الأخرى التي كانت آخر حروبها ضد إسرائيل في 2014.


آثار بيئية سيئة


قال سكان ومسؤولون محليون إن هذا التدفق للماء المالح يسبب مشكلة بيئية حقيقية؛ إذ تلوث مياه البحر احتياطيات مياه الشرب تحت الأرض. ووصلت المياه الزائدة إلى شوارع ومنازل على مسافة 100 متر من السياج الحدودي. فهناك تتناثر البرك والطين في كل مكان.

وقال تامر الصليبي، مدير دائرة المياه في سلطة جودة البيئة بغزة، وهو يعبر عن قلقه بشأن الضرر البيئي على المدى البعيد: "كوب واحد من مياه البحر سيقوم بتلويث 40 كوباً من المياه الجوفية".

وقال أيضاً إن ما تقوم به مصر قد يضعف أساسات المنازل، الضعيفة بالفعل جراء حفر الأنفاق، ويجعل التربة غير صالحة للزراعة في مناطق قرب الحدود. وهناك أيضاً مخاطر بيئية بينها ركود المياه الذي قد يسبب انتشار البعوض وحشرات أخرى ناقلة للأمراض.


الآبار مهددة بالتلوث


وقال صبحي رضوان، رئيس بلدية رفح، إن الآبار الستة التي تخدم المدينة البالغ عدد سكانها 230 ألفاً مهددة بالتلوث. وأضاف: "نحن نراقب الوضع، والمياه التي تضخ على الحدود، ولاحظنا وجود انهيارات في التربة في بعض الأماكن".

وقال رضوان أيضاً إن القوات المصرية ضخت يوم الجمعة الماضي مياهاً من البحر من الصباح للمساء. وتابع: "إذا ما استمروا في هذه الأعمال فسوف يعرضون حياة الناس ومساكنهم للخطر وقد يدفعونهم إلى تركها. نحن قمنا بمناشدة مصر أن توقف إغراق الحدود بمياه البحر".

ورفض قادة حماس مزاعم القاهرة عن تدخل الحركة في شؤون مصر وينفون أي وجود مسلح للحركة خارج غزة. والتقى ممثلون عن الحركة مع مسؤولين مصريين لكن فشلوا في إقناعهم بوقف هدم الأنفاق.

وفي منطقة الأنفاق يقوم العمال الآن بإزالة الطين من المكان الذي زخر بالنشاط ذات يوم وكان يوفر لسكان غزة احتياجاتهم من الإمدادات. وتغلق السلطات المصرية المعبر الحدودي لفترات طويلة.

وقال أحد ملاك الأنفاق وطلب عدم نشر اسمه إن إنشاءه تكلف 200 ألف دولار وإن غمره بالمياه اضطره لخفض العمالة من 54 فردا إلى ثمانية. وأضاف "ندخل السجائر في أيام قليلة من الشهر ونمضي بقية الأيام في إزالة الطين