"زعفراني" و"رمضان" و"شوقية" مأساة في ليلة الإسكندرية الممطرة

تم النشر: تم التحديث:
AAA
social media

قد لا تهتم وأنت تمر بسيارتك في برك المياه التي تنتج عن الأمطار الغزيرة لرؤية أطفال شوارع أو فقراء يتخذون من أسفل الكباري أو الأنفاق، "مأوى" لهم، بعدما جلدتهم الطبيعة، وحولت "السيول السماوية" قطع الكارتون التي ينامون عليها في الهواء الطلق إلى أوحال و"مستنقعات" كما حدث للعشرات بعد موجة الطقس السيء التي اجتاحت عدة مدن مصرية أشهرها الإسكندرية.

"هافينغتون بوست عربي" التقت بعض هؤلاء المنكوبين أسفل الكباري والحدائق العمومية، للتعرف عن قرب على مآسي إنسانية لهؤلاء الذين اضطروا للبحث عن مأوى آخر (ولو مؤقت) في مداخل العمارات "العتيقة" التي تخلو من حراس.


"زعفراني" طفولة اغتالها المجتمع


محمود والذي يلقبه زملاؤه بـ "زعفراني" طفل صغير عمره لم يتجاوز الـ (10) سنوات، ممن يطلق عليهم في مصر "أطفال الشوارع" الذين تقدر منظمة اليونيسف عددهم بمليوني طفل، يقف بالقرب من كوبري "الرصافة" بمنطقة محرم بك، الذي يقع على بعد أمتار محدودة من إستاد الإسكندرية، ملابسه "مهلهلة" و "متسخة"، تكشف "نهش" الفقر في جسده، وبريق عينيه يعكس "مأساة" ربما تفوق إمكانات عقله على استيعابها.

يروي الصبي اللحظات الأولى للأمطار الغزيرة قائلاً "اعتدت أنا وعدد من أصحابي النوم أسفل كوبري الرصافة، الذي تمر فوقه القطارات، ونفترش الكرتون من بقايا صناديق البقالين، للنوم عليها".

ويكمل "فوجئنا أثناء النوم بالمياه تغرق أجسادنا بعدما تجمعت تحت الكوبري بفعل المطر الغزير، فاستيقظنا لنصطدم بالرعد والبرق، فهرولنا إلى مدخل عمارة قريبة من الكوبري وخلعنا ملابسنا، التي ابتلت تماماً، وفوجئ رجل عجوز من سكان العمارة، أثناء نزوله لصلاة الفجر بأجسادنا شبه العارية والمرتعشة، فعاد إلى شقته وأحضر لنا بطانية وطعاماً".

وحول دور رعاية الأيتام وأطفال الشوارع التي تبدو منتشرة في منطقة محرم بك، قال زعفراني "المسؤولون عن دور الرعاية هذه بتوع مصلحتهم لا يتذكروننا إلا عندما تكون هناك لجان تفتيش، فيبحثون عنا في الشوارع ويمنحوننا مبلغاً مادياً لا يتجاوز (20) جنيه وملابس جديدة، مقابل أن نقوم بدور النزلاء، وعقب انتهاء التفتيش يقومون بطردنا".
الصبي الذي اغتالت الظروف الصعبة براءته يكمل: "نحن لسنا في حسابات الحكومة وربما نموت قبل انتهاء الشتاء سواء بكابل الكهرباء كما حدث مع الطفلين أحمد وعلي، أو من البرد الشديد".


عازف الكمنجة المشرد


yyy

نموذج آخر مختلف من المشردين تحت الكباري، هو "رمضان إبراهيم"، استطاع أن يصنع لنفسه مكانة أكثر تميزاً، يعرفه أهالي الإسكندرية جيداً بأنه "عازف الكمنجة المشرد"، والذي أغرقته "الأمطار" أثناء جلوسه تحت كوبري كليوباترا يعزف "الكمنجة" أملاً في الحصول على جنيهات قليلة "قوت يومه" من المعجبين بفنه.

في لحظة فاصلة، بقي وحيداً مع "الكمنجة" في مواجهة "تسونامي مصغر"، وغاب الناس عن المشهد مختبئين خلف جدران منازلهم، ليعيش هذا الشاب العشريني ليلة مأساوية وصفها بـ "بروفة الموت".

يعقد مقارنة بين حالته في مواجهة "السيول"، وبين ساكني العقارات قائلاً: "إذا كان من يحتمون في الجدران، خاصة من ساكني الأدوار الأرضية اشتكوا من تسرب المياه إلى بيوتهم وتعرضهم لما يشبه الغرق، فماذا فعلت الأمطار فيمن يعيشون في العراء بلا أي مأوى؟

ويضيف: "عليكم أن تتخيلوا المشهد جيداً لتتعرفوا على كارثية المأساة التي تعرضنا لها في هذه الليلة الرعدية"، ويروي "رمضان" تفاصيل مأساته قائلاً: "هربت من الملجأ واتخذت من الكورنيش والرصيف وتحت الكباري مأوى، وساقني القدر إلى إحدى الجمعيات التنموية، التي دربتني على الموسيقى ونظمت لي حفلاً بمكتبة الإسكندرية، لكن مازال عنواني الشارع، والحكومة لا تقدم لنا أي دعم بل في كثير من الأحيان تطاردنا وكأننا "مجرمو حرب"، بل وطاردتني شرطة المرافق وأخذت "كشكاً خشبياً متنقلاً صغيراً كنت أعرض فيه بضاعتي البسيطة".

الشاب العشريني يعود بالذاكرة على الطريقة السينمائية ويروي تفاصيل سنواته الأولى قائلا: "توفيت أمي وأنا طفل صغير، فقام أخوالي بالاستيلاء على الميراث الملعون، وتركوني في الشارع، تربيت في ملجأ، بصورة غير آدمية، وفى النهاية رفضت أن أكون مجرماً عقب طردي من الملجأ، وأمارس التسول على طريقة أطفال الشوارع، وقمت بمغامرة فقطعت المسافة بين الإسكندرية والقاهرة مترجلاً على قدمي في رحلة استغرقت 7 أيام، معتقداً أنني سأجد من يقدر موهبتي كعازف كمنجة وشاعر، ولكن عدت إلى الإسكندرية مفلس الأحلام والطموح، ومازلت أعزف بلا مأوى في مواجهة الأمطار، ومزاحمة الحيوانات الضالة على مكان للمبيت".


"شوقية" والأيتام الـ 3 والكوخ الغريق


yyy

"شوقية عبد الهادي" سيدة خمسينية" تعيش في "كوخ صفيح" في إحدى عشوائيات الإسكندرية، المعروفة باسم "نجع العرب" التي تطل على شريط القطار بمنطقة "الورديان" تروي مأساتها مع ليلة الأمطار المفزعة قائلة: "أنا وأبنائي كنا أقرب إلى الموت غرقاً، بعد أن تحول الكوخ إلى ما يشبه البركة، وسقف الكوخ من الخشب تسللت المياه بين ثقوبه بسهولة، لنبقى فريسة سهلة لهذه الأمطار، ومللنا من الوعود الحكومية، بشأن هدم هذه الأكواخ ونقلنا إلى مساكن آمنة خاصة وأن الأكواخ تتأرجح بنا وتصبح مهددة بالسقوط في كل مرة يمر بها القطار".

وتربي "شوقية" أبناءها الـ 3 الأيتام، الذين توفي والدهم، بعد سنوات قليلة من مجيئهم إلى الحياة، والذي كان يعمل وفقاً للهجة المصرية الدارجة "على باب الله" أي لم يكن له دخل ثابت أو تأمينات.

هذه السيدة تضطر إلى الجلوس عدة ساعات، تحت كوبري الإبراهيمية لـ "بيع المناديل" لتوفير ما تستطيع من خلاله إقصاء "شبح الجوع" عنها وعن أبنائها. وقالت: "أصبح لي زبائن من الذين يمرون تحت الكباري بسياراتهم لشراء المناديل من أجل مساعدتي، وتلاميذ المدارس القريبة، هذا أفضل من التسول في الشوارع والمقاهي والأزقة، ولم أستطع الجلوس أسفل الكوبري في اليوم الذي غرقت فيه الإسكندرية، خاصة وأنه تحول إلى بحيرة صغيرة أغرقت السيارات".