لهذه الأسباب.. إيران أيضاً تخشى من التدخل العسكري الروسي في سوريا

تم النشر: تم التحديث:
IRAN RUSSIA
ASSOCIATED PRESS

تبدو العلاقات الروسية الإيرانية أحد الأنماط التحليلية الثابتة في تناول قضايا الشرق الأوسط. فغالبا ما ينظر إلى البلدين بوصفهما يشتبكان معا في حلف استراتيجي لا ينفك، وقد عزز من هذه النظرة مواقف روسيا المؤيدة لطهران في برنامجها النووي من ناحية، ثم الموقف المشترك للبلدين برفض الخطة السعودية في الإبقاء على أسعار النفط منخفضة عبر زيادة الإنتاج للحفاظ على حصة السوق.

الاتفاق الأبرز والأكثر تأثيرا في صورة البلدين في الشرق الأوسط يتعلق بالتحديد بموقفهما في سوريا وتمسكهما ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد.

ووفقا لمعهد واشنطن، فإنه غالبا ما تتم دراسة العلاقات الإيرانية الروسية كنظام منعزل دون النظر إلى تأثره بالأحداث في الشرق الأوسط والقوقاز ووسط آسيا، والأهم بمعزل عن علاقة كلا البلدين بأميركا، حيث يلاحظ أن التقارب بينهما يصبح في أقصى درجاته حين تزداد مشكلات كل منهما مع واشنطن.


(1) في تفكيك العلاقات الروسية الإيرانية


تشهد العلاقات بين روسيا وإيران منحنيات من الشد والجذب غالبا ما يتم هضمها في خضم الانسجام الذي تبدو عليه سياسة البلدين، وقد بدأت الموجة الأخيرة من التقارب بين البلدين على خلفية صعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى رأس السلطة في بلاده مرة أخرى في عام 2014 وما يرتبط به بوتين بشكل عام من مناوشات مع الغرب، ارتفعت وتيرتها إثر العقوبات الغربية بعد تدخله في أوكرانيا وقيامه بضم شبه جزيرة القرم في عام عام 2013. وكان الربيع العربي قد طرق أبواب سوريا قبل ذلك، ما أضاف بعدا آخر للتقارب بين البلدين حيث يرتبط كل منهما بعلاقات وثيقة مع النظام السوري.

كان نظام موسكو هو الحليف الأقرب لسوريا في العالم العربي طوال أكثر من 40 عاما، وكانت سوريا قلعة أساسية للنفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط. وخلال فترة الحرب الباردة انتقل عشرات الآلاف من الروس إلى سوريا وقدرت أعداد الروس في سوريا إبان الربيع العربي بأكثر من مائة ألف شخص. كما ظلت روسيا لسنوات هي المورد الأساسي للسلاح للنظام البعثي في سوريا كما استثمرت الشركات الروسية ما يقرب من 20 مليار دولار في سوريا.

الأهم من ذلك أن سوريا بموقعها المطل على البحر المتوسط تعد أهم قدم لروسيا في المنطقة وقد جعل «بوتين» التوسع في قدرات القوة البحرية الروسية محور أهداف فترته الرئاسية الثالثة. تحتوي طرطوس آخر القواعد العسكرية الروسية خارج الفضاء السوفييتي وهي تمثل أهمية استراتيجية متزايدة مع خطط توسع الأسطول الروسي في البحر الأسود.

يشترك كل من روسيا وإيران أيضا في أن كلا منهما يتمتع بعلاقات متوترة مع الغرب، الأولى بسبب نشاطها في أوكرانيا وشرق أوروبا والثانية بسبب برنامجها النووي (فيما قبل الاتفاق)، وبسبب عدم قدرة روسيا على مجاراة التحركات الأمريكية فإنها غالبا ما تلجأ إلى اتخاذ تدابير بديلة عبر تكثيف التعاون مع معارضي واشنطن وأوروبا. إلا أن روسيا في المقابل لا تحمل التزاما استراتيجيا تجاه حق إيران في امتلاك السلاح النووي كما قد يبدو في ظاهر الأمر، بل في واقع الأمر فإن مخاوف روسيا من امتلاك إيران لأسلحة نووية ربما لا تقل عن مخاوف الغرب، حيث إن الموقع الجيوستراتيجي لإيران يتيح لها بعضا من النفوذ والسيطرة في أقاليم بحر قزوين والقوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط والخليج وهو ما قد يخل بتوازن القوى في هذه المنطقة، ولكن روسيا تحمل مخاوف مماثلة من انخراط كامل لإيران في الفلك الأمريكي بما تحمله من مفاتيح جيوستراتيجية في مناطق النفوذ الروسي.

أما عن مواطن الشد في العلاقات الروسية الإيرانية فيكفي الإشارة إلى 3 قرون من المنافسة والحروب الدموية الروسية الفارسية انتهت بترسيم الحدود في مطلع القرن التاسع عشر إلا أن ذلك لم يوقف النزاع بين البلدين حيث وجدت إيران نفسها (رغم كونها أعلنت الحياد) ساحة للاجتياح الروسي أثناء الحرب العالمية الأولى حيث اقتسم الروس والبريطانيون إيران في اتفاق ثنائي. انتهى الأمر إلى توقيع المعاهدة السوفيتية الإيرانية في موسكو يوم 26 فبراير/شباط عام 1921 حيث استقلت إيران تماما عن روسيا القيصرية.

بدأت تجليات العداء الإيراني للاتحاد السوفيتي خلال الثلاثينيات إبان حكم شاه إيران رضا بهلوي الذي قلص من مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية مع السوفييت، وفي حين شهدت الحرب العالمية الثانية تقاربا لحظيا مع السوفييت فرضته ظروف المواجهة مع ألمانيا النازية إلا أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سرعان ما ارتمى شاه إيران محمد رضا بهلوي في أحضان أميركا. وجاء تفاعل الاتحاد السوفيتي مع الثورة الإيرانية مرتبكا (كان قد تورط للتو في حرب مفتوحة في أفغانستان) إلا أن تأييد السوفييت للعراق في حربهم مع إيران كان أبرز محطات التوتر الحديثة بين البلدين.


(2) هل تتفق موسكو وطهران بشكل تام بشأن سوريا؟


في حين أبدت إيران، في المعلن على الأقل، التزاما راسخا تجاه نظام الرئيس السوري بشار الأسد منذ اندلاع الأحداث في سوريا وإلى الآن، فإن الموقف الروسي، وحتى ما قبل التدخل العسكري الأخير قد شهد منعطفات عدة، ربما كان أبرزها اتفاق جنيف 1 في 30 يونيو/ حزيران 2012 ، الذي نص على تشكيل حكومة ائتلافية تتضمن المعارضة السورية وبعض رموز النظام السوري في حين لا تشمل الرئيس الروسي بشار الأسد.

ورغم أن بيان جنيف 1 لم يحو تفصيلا دقيقا لهيئات المعارضة السورية المنتظر مشاركتها في الحكم الانتقالي أو لمستوى مشاركة نظام الأسد فيها إلا أن ما يعنينا في هذا الصدد أن التزام موسكو تجاه الأسد لم يكن مفصليا وحاسما وأنها قد أبدت استعدادا للإطاحة به ضمن اتفاق كلي، في حين أن إيران في ذلك التوقيت رفضت الاعتراف بما تمخضت عنه نتائج اجتماع جنيف 1 كما رفضت الاعتراف به كشرط مسبق حين تمت دعوتها لاجتماعات جنيف 2 قبل أن يتم إلغاء الدعوة في وقت لاحق.

لم يكن جنيف 1 هو المحطة الوحيدة التي لم تبد خلالها روسيا ذات الالتزام الصارم تجاه الأسد، فوفقا لما أوردته صحيفة الغارديان البريطانية وصحف غربية أخرى فإن روسيا قد عرضت على أميركا في نهاية عام 2012 الإطاحة بالأسد ضمن خطة شاملة.

ونقلت الصحف العالمية عن الرئيس الفنلندي الأسبق والحائز على جائزة نوبل للسلام مارتي أهيتساري، قوله إن الدول الغربية فشلت في انتهاز الفرصة والموافقة على الخطة. وكشف أهيتساري عن قيامه بعقد محادثات مع ممثلي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن مؤكدا أن السفير الروسي فيتالي تشريكين قد تقدم خلال هذه المحادثات بخطة تتكون من 3 نقاط تتضمن تنحي الأسد وعقد مباحثات بين المعارضة والنظام ولكن واشنطن وحلفاءها الغربيين قرروا ببساطة تجاهل الخطة نظرا لثقتهم المفرطة في سقوط الأسد في ذلك التوقيت.

ويرجح أن الموقف الروسي في سوريا قد ازداد تصلبا على إثر متغيرين رئيسيين، أولهما يتعلق بتطورات الأحداث في أوكرانيا والعقوبات التي تم فرضها على روسيا من قبل الغرب إثر قيامها بضم شبه جزيرة القرم، أما التطور الآخر فيتعلق بقيام النظام السوري بتجاوز الخط الأحمر الأميركي باستخدام الأسلحة الكيميائية في هجومه على الغوطة في أغسطس/ آب 2013 حيث لعبت روسيا وقتها الدور الأبرز في اتفاق مع واشنطن على تصفية الترسانة الكيماوية لنظام الأسد بحلول منتصف عام 2014 وهو الاتفاق الذي رفع من أسهم روسيا كلاعب فاعل في المسألة السورية.


(3) لماذا تخشى إيران من النفوذ الروسي في سوريا؟


وفقا لرواية وكالة رويترز للأنباء، فإن الجنرال الإيراني قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني هو من قام بجهود إقناع روسيا بالتدخل في سوريا لدعم نظام بشار الأسد، وبفرض التسليم بهذه النظرية فإنها لا تعني بالضرورة أن إيران تبارك التدخل الروسي بشكل كامل وهو ما تؤيده مؤشرات وأسباب عدة يمكن رصدها تجعلنا نذهب إلى القول إن التدخل العسكري الروسي في سوريا يشكل خطرا على إيران أيضا:


1- حلفاء بمصالح متعارضة أيضا


في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، وبعد أيام من إعلان روسيا دخولها رسميا في سوريا، نقلت وكالة رويترز للأنباء عن مصادر لبنانية قولهم إن مئات الجنود الإيرانيين وصلوا إلى سوريا خلال الأسبوعين الأخيرين وهو ما أثار ارتباكا في صفوف المحللين ففي حين ذهب بعضهم إلى القول بأن التعزيزات الإيرانية تأتي في سياق الاستفادة من الضربات الجوية الروسية في تعزيز التقدم البري فإن آخرين يذهبون إلى استنتاجات مفادها أن إيران تحمل مخاوف من تعاظم النفوذ الروسي في سوريا والمزاحمة في الكعكة السورية.

بخلاف ذلك فقد تواردت أنباء عن انتقال ما بين 2000 إلى 2500 مقاتل من مقاتلي الحشد الشعبي من العراق إلى سوريا وفقا لتصريحات وزير عراقي رفض الكشف عن هويته لصحيفة العربي الجديد وقد جرى نقل الميليشيات عبر طائرات تابعة للخطوط الجوية العراقية والسورية.

إيران قلقة من التمدد الروسي على الأرض أيضا، فقد كانت الخطة الإيرانية تسير وفق مقاربة (الأرض لإيران والجو لروسيا) ولكن التقارير الميدانية تشير إلى أن روسيا تنشر قواتها على الأرض أيضا ليس فقط في قواعدها في اللاذقية وطرطوس ولكن أيضا في حماة، فوفقا لمدير "مركز حماة الإعلامي" يزن شهداوي، فإن القوات الروسية أنشأت خلال الأسبوع الماضي مركزاً لقواتها العسكرية البرية في معسكر الفروسية، الواقع بين حيي الصابونية وجنوب الملعب في مدينة حماة، وتم إخلاؤه من القوات السورية ورفع العلم الروسي على المبنى. وقد بلغ عدد القوات الروسية في حماة أكثر من 1000 جندي وفقاً للتقديرات. ولم تقتصر الأمور على ذلك، بل تم إخلاء اللواء 47، الواقع جنوبي حماة، لتحويله إلى معسكر كبير للقوات الروسية الآتية مستقبلاً إلى حماة، هذه التطورات في التحركات الروسية تفقد إيران مكانتها كمتفرد بالقرار نيابة عن نظام الأسد وتجعله شريكا في الكعكة السورية وهو ما ترفضه إيران التي ترى أنها دفعت وحدها ثمن دعم النظام السوري طوال 4 سنوات.

من جانب آخر تحمل كل من إيران وروسيا مصالح متعارضة في المنطقة أيضا، فمن ناحية فإن النفط الإيراني الذي ينتظر أن يغرق الأسواق قريبا ينظر إليه على كونه منافسا للنفط الروسي، أما المخاوف الأهم فتتعلق بالغاز الطبيعي، حيث تخشى إيران أن تسعى روسيا لاستغلال نفوذها في سوريا لنقل الغاز عبر المتوسط.


2-قيادة العمليات في سوريا ومخاوف من تمدد روسي في العراق


مع قدوم روسيا إلى أرض المعركة كان من الطبيعي أنها لن تقبل العمل تحت قيادة ميدانية إيرانية. فكان البديل هو إنشاء مركز قيادة مشترك يضم كلا من روسيا وإيران وسوريا والعراق. تقرر أن تقام هذه القاعدة في بغداد وتتناوب على قيادتها الدول الأربعة بشكل دوري بمعدل 3 أشهر لكل منها على أن تكون العراق القائد الأول. وقد أعلنت عنها وسائل الإعلام الروسية بشكل موسع ومفصل. في الوقت الذي بدت فيه إيران متشككة ومتحفظة. حيث قال الرئيس الإيراني "حسن روحاني" أمام جمع من الإعلاميين خلال زيارته الأخيرة إلى نيويورك: «طلب مني الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل شخصي تشكيل تحالف استراتيجي معه ضد الإرهاب في سوريا. ومع ذلك لا يوجد الآن تحالف استراتيجي بين طهران وموسكو».

ووفقا لـ«عباس قايداري» وهو محلل إيراني في شئون الأمن الدولي وقضايا الدفاع، فإن إيران ترى أن تعزيز التواجد العسكري الروسي في سوريا سوف يضعف بسهولة المواقف القوية لإيران وحزب الله. مما سيؤثر على مكاسب طهران في أي تفاوض قادم بسوريا خاصة في ظل عدم الاتفاق بين البلدين على الرؤية النهائية وسقف المطالب كما سبق أن أسلفنا. إضافة إلى ذلك، فإن إيران تبدو قلقة إزاء التعليقات المشتركة التي تخرج من بغداد وموسكو وتشير إلى استعداد روسيا لتوسيع عملياتها إلى العراق في حال طلبت بغداد ذلك بشكل رسمي وهو ما سيضع إيران في موقف صعب، خاصة في ظل وجود القوات الأمريكية وبشكل أخص في ظل سعي الحكومة الحالية في بغداد بقيادة حيدر العبادي لتقليص اعتمادها على إيران وتحجيم النفوذ الإيراني، وهو ما يعني مزاحمة جديدة لنفوذ إيران وبخاصة أن إيران بالفعل تقوم بتقديم الدعم الاستخباراتي لكل من العراق وسوريا وترتبط معها باتفاقات ثنائية في هذا المجال.


3- مخاوف حول إسرائيل أيضا


تخشى إيران من أن التعاون الاستخباراتي مع روسيا قد يؤدي في النهاية إلى إكساب موسكو المزيد من المعلومات حول القدرات العسكرية لحزب الله وخطوط السير الخاصة بقواته، وهو ما تخشى إيران أنه يمكن أن يتم تمريره إلى إسرائيل بشكل أو بآخر كثمن لشراء صمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وموافقته على التدخل العسكري في سوريا.
وقد ساهمت الزيارة المفاجئة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية إلى روسيا للقاء الرئيس الروسي في زيادة هذه المخاوف، وهو ما ظهرت مؤشراته عبر الصمت الإسرائيلي على التدخل الروسي.