النفط سلاح داعش الأقوى.. و1,5 مليون دولار يومياً مكسب التنظيم في سوريا

تم النشر: تم التحديث:

على أطراف حقل "العمر" النفطي، شرقي سوريا، تصطف الشاحنات بطول 6 كيلومترات للتزود بالوقود، بعضها ينتظر شهراً كاملاً قبل أن يأتي دوره، حتى أن أكشاك الفلافل والمقاهي افتتحت لتوفير خدماتها للسائقين.

هذا المشهد يدور على أرض تنظيم "الدولة الإسلامية" "داعش"، الذي يتحكم في أجزاء كبيرة من سوريا والعراق، ويعتمد في موارد دولة "الخلافة" التي أعلنها بشكل كبير على تجارة النفط، ما جعل التحالف الدولي يضع ضمن خططه غلق منافذ التنظيم لبيع النفط، إلا أنه لم ينجح حتى الآن.

تقرير، نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، أكد أن النفط بات هو "الذهب الأسود" الذي يموّل علم "داعش الأسود"، ويمول آلتها الحربية، ويوفر الكهرباء ويعطي للتنظيم نفوذاً كبيراً في مناطق سيطرته.

تقديرات التجار والمهندسين المحليين، تشير إلى أن إنتاج النفط الخام في الأراضي التي تسيطر عليها داعش ما بين 34 ألفاً إلى 40 ألف برميل يومياً، فيما يحصل التنظيم من 20 دولاراً إلى 45 دولاراً للبرميل الواحد، وتصل القيمة الإجمالية لمكاسب التنظيم من بيع النفط إلى 1,5 مليون دولار يومياً.

وبعد أكثر من عام من انطلاق ضربات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، لمواقع التنظيم فإن الطلب المستمر على النفط في حقل "العمر" و8 حقول أخرى يمثّل المعضلة التي تواجهها قوات التحالف، التي لا تجد سبيلاً للقضاء على التنظيم في وجود 10 ملايين مدني في مناطق حكم داعش.

صمود التنظيم، وضعف الحملة التي تقودها الولايات المتحدة، كانا الذريعة التي اتخذتها روسيا للتدخل بقوة في سوريا وحدها.

عشرات المقابلات الصحفية مع التجار السوريين ومهندسي البترول، تكشف عن توسع التنظيم في إنتاج النفط، وصارت حقوله أقرب إلى شركة نفط حكومية، تتوسع كل يوم، وتزداد خبراتها، بتعيين مهندسي البترول والمدربين والمديرين، وكل ذلك على الرغم من المحاولات الدولية لتدمير قدرات التنظيم.

أحد قادة المعارضة السورية بحلب، يضطر لشراء وقود الديزل من المناطق الواقعة تحت حكم داعش، بينما قواته تحارب الجماعة على الجبهة، ويقول تعليقًا على الأمر: "إنه موقف يدفعك للضحك والبكاء، لكن لا خيار أمامنا، نحن ثورة فقيرة، ولا يوجد أحد يزودنا بالوقود"


النفط كسلاح استراتيجي


بدأ التحضير لاستراتيجية داعش النفطية منذ تصدرها للمشهد ورأى التنظيم النفط كسلاح مهم واعتبره عاملاً رئيسياً لضمان بقائه، وتمويل طموحه في إقامة الخلافة.

وأغلب النفط الذي تتحكم فيه داعش متواجد في شرق سوريا، حيث وطدت داعش وجودها هناك في 2013، بعد انسحابها من الشمال الغربي، وهي منطقة ذات أهمية إستراتيجية لكن بلا نفط.

وعندما شقّت داعش طريقها إلى شمالي العراق، واستولت على الموصل، حازت أيضاً حقلي "عجيب وعلاس" في إقليم كركوك.

سكان محليون في كركوك العراق، يقولون إنه في ذات يوم الاستيلاء على المدينة، أمّنت القوات موقعي الحقلين وأرسلت المهندسين لبدء العمل وشحن النفط إلى الأسواق.

صحيح أن داعش خسرت الحقلين فيما بعد، لكنها حققت أرباحاً تقدر بحوالي 450 مليون دولار في 10 أشهر.

وبينما كانت القاعدة تعتمد على التبرعات من داعميها الأثرياء، تستمد داعش قوتها المالية من احتكارها إنتاج سلعة أساسية تُطلب بكميات مهولة ضمن المنطقة التي تحكمها، حتى مع عجز داعش عن تصدير النفط الذي تنتجه، ما زال لديها سوق واسع تحت قبضتها، في سوريا والعراق.

حتى المناطق المتحاربة مع داعش تضطر إلى استهلاك الوقود الذي تنتجه، مثل الشمال السوري الذي يسيطر عليه الثوار، حيث أن المنطقة تعتمد على النفط الذي ينتجه التنظيم لاستخدامه بالمستشفيات، والمحال، والجرارات والمعدات التي تسحب الضحايا من أسفل الركام، حيث تعمل كلها بمولدات يغذيها الديزل الذي تنتجه داعش.

أحد تجار النفط الذين يسافرون من حلب كل أسبوع للتزود بالوقود يقول: "في أي لحظة، يمكن لإمداد الديزل أن ينقطع، وداعش تعرف أن حياتنا تنتهي بدونه".


شركة نفط قومية


استراتيجية داعش، تركزت على تصوير نفسها على أنها دولة قيد الإنشاء، وهي تحاول الآن محاكاة طرق إدارة شركات النفط القومية لإدارة صناعة النفط الخاصة بها.

وطبقاً للسوريين الذين حاول التنظيم تجنيدهم، فإن الجماعة تستهدف المهندسين، وتعرض عليهم رواتب عالية.

كما تشرف لجنة متنقلة من الخبراء على الحقول، وتراقب الإنتاج وتستجوب العمال، وتعيّن أعضاء داعش الذين عملوا في شركات النفط سابقاً، في السعودية أو غيرها من الدول، "كأمراء" لإدارة المنشآت الأكثر أهمية.

رامي - اسم زائف - كان يعمل في مجال النفط في دير الزور بسوريا، قبل أن يصبح أحد قادة المقاومة السورية، لاحقاً، حاول أمير داعشي إبرام عقد معه من خلال WhatsApp. يقول: "كان من الممكن أن أختار أي منصب أريد، قال لي الأمير: 'يمكنك تحديد راتبك الذي تريد'"

لكن رامي اختار رفض العرض، والهرب إلى تركيا.

أيضًا، فإن داعش تنتهج في محاولتها لبناء حكومتها نهجاً يتميز باللامركزية، حيث تعتمد على "الولاة" الإقليميين بشكل كبير في إدارة الأراضي الواقعة تحت سلطتها، طبقاً لتعاليم مجلس الشورى المركزي.

لكن في مجال النفط، فإن الإدارة مركزية مثل العمليات العسكرية والأمنية، والإعلامية، ويقول ضابط استخبارات غربي رفيع المستوى:"إنهم منظمون في هذا المجال، النفط مجال يدار مركزياً، وهو قضية شورى أساسية".

كما أن الإشراف على آبار النفط يقع على عاتق "الأمنيات" أو ما يسمى بـ" بوليس داعش السري"، الذي يحرص على أن تذهب الأموال إلى أماكنها، ويعاقب بمنتهى الوحشية عند أي خطأ، فيما يقوم الحراس بدوريات في محيط محطات الضخ، بينما الآبار البعيدة تحاط بسواتر ترابية، ويتم تفتيش كل مشترٍ بعناية قبل دخوله لملء خزان الوقود.


شبكة توزيع داعش


طبقاً لأحد التجار الذين يبتاعون النفط من حقل العمر، فإن هناك طابور انتظار يبلغ 6 كيلومترات، بطيء لكنهم اعتادوا عليه، ويقدّم السائق مستنداً برقم لوحة السيارة، وسعة خزان الوقود، ليسجله المسئولون التابعون لداعش ويسلموه رقماً.

يعود أغلبهم إلى قراهم، متفقدين الموقع كل يومين أو 3 للاطمئنان على مركباتهم، وفي بعض الأحيان، يقيم بعضهم الخيام في نهاية الشهر لانتظار أدوارهم.

ما إن يصبح النفط في حوزتهم، فإنهم إما أن يأخذوه إلى معامل التكرير المحلية، أو يبيعوه إلى وسطاء بشاحنات أصغر، أو ينقلوه إلى المدن البعيدة شرقاً، مثل حلب وإدلب.

لكن حظ داعش مع النفط ربما لا يدوم، فقنابل الحلفاء، والتدخل الروسي وأسعار النفط المنخفضة ربما تقلل من الأرباح، لكن الخطر الأكبر الذي يواجه نفط داعش هو الآبار السورية القديمة التي شارف مخزونها على النفاذ، وغير المزودة بالتكنولوجيا الكافية لمواكبة الطلب المرتفع وبطء الإنتاج.

كما أن حاجة داعش نفسها إلى الوقود من أجل عملياتها العسكرية تعني بيع نفط أقل في السوق.

لكن، إلى الآن، داعش تفرض سيطرتها على الأرض والآبار، ولا تواجه مشاكل في تلبية الاحتياجات، ويقول رجل أعمال يقع عمله بالقرب من حلب: "الكل هنا يحتاج الديزل من أجل الماء، الزراعة، المستشفيات، المكاتب، إن انقطع عنا الديزل فإن الحياة ستنقطع، وداعش تدرك جيدًا كم أن هذه الورقة - ورقة النفط - رابحة."