الطفل أحمد.. بقّال فلسطيني ضُرب بالرصاص ويحاكم على سرير موته

تم النشر: تم التحديث:
PALESTINEIN CHILD
social media

طفل مضرّج بالدماء على قارعة الطريق وأشخاص حوله يشتمونه ويحاولون الاعتداء عليه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ورجال شرطة يحيطون به، وأصوات سيارات إسعاف لا تقترب من الجريح، هكذا كان المشهد الذي نقلته عدسات الكاميرا، الثلاثاء 13 أكتوبر/تشرين الأول 2015، من مدينة بيت حنينا، شمالي القدس.

أحمد المناصرة، الطفل الفلسطيني الذي ظهر في الفيديو جريحاً، من مواليد عام 2002، عقدت له المحكمة العسكرية الإسرائيلية جلسة محاكمة فيما كان يصارع الموت على سرير أحد مستشفيات مدينة القدس المحتلة، مكبّل اليدين، ولا يُسمح لأحد غير المحامي بزيارته، ولا يتاح للأخير نفسه أن يسمع من الطفل أية كلمة نتيجة وضعه الصحي الصعب.

الرواية الرسمية الإسرائيلية تقول إن الشرطة أطلقت النار على أحمد بعد أن نفذ عملية طعن بالاشتراك مع ابن عمه حسن، ذي الـ15 عاماً، داخل إحدى الحافلات بمستوطنة "بسغات زئيف" القريبة من مدينة القدس المحتلة، وهو الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في مكان إطلاق النار عليهما.

هي إذن رواية أحادية المصدر في وقت شكت فيه منظمات حقوقية إسرائيلية من تزايد عمليات القتل التي يقوم بها أفراد الجيش والشرطة الإسرائيليان في الأيام الأخيرة "تحت ذريعة شكوك تنفيذ عملية طعن".

9 منظمات حقوقية إسرائيلية اتهمت ساسة إسرائيل بـ"استباحة الدماء، من خلال دعوتهم عناصر الشرطة والجيش للقتل عوض الاعتقال"، حسب ما جاء في بيان مشترك لها.

وقالت المنظمات التسع إنه "في حالات كثيرة جداً بدلاً من التصرف بطريقة تتناسب وطبيعة كل حدث، يهرع رجال الشرطة والجنود إلى إطلاق النار بقصد القتل"، معتبرة الدعم السياسي والشعبي لهذه العمليات يعني "استباحة دماء الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل".

وأشار الموقعون على البيان إلى أنه منذ بداية التوتر الأخير الواقع بين الفلسطينيين والإسرائيليين "نشهد ظاهرة خطيرة لإطلاق النار بهدف قتل فلسطينيين مسّوا بإسرائيليين أو اشتُبه بهم في ذلك".

وأكدوا أن الأمر "يتعلق بسلسلة حالات تمّ توثيقها ونشرها، تثير مخاوف من أن النهج الذي تمّ اختياره للتعامل مع هذه الحالات هو الأسوأ، وبهذا كانت النتيجة قاتلة أو لا لزوم لها"، ناقلة تصريحاً لموشيه ايدري، قائد الشرطة الإسرائيلية في القدس، قال فيه إن "كل مَن يطعن اليهود أو يصيب أبرياء فحكمه القتل".


من يكون الطفل أحمد؟


ولكن هل فعل أحمد ذلك؟ أهله وجيرانه يؤكدون أن هذا الطفل لم يكن يوماً مسيساً، ولا شيء في حياته يدل على أنه فكّر يوماً في ذلك، وبناءً عليه فإما أن الرواية مكذوبة وأن الطفلين راحا ضحية أعمال اعتداء عنصرية، أو أن سياسات الحكومة الإسرائيلية نجحت في زيادة الغضب لدى جيل جديد لم يبلغ بعد مرحلة الشباب.

"هافينغتون بوست عربي" حاول زيارة عائلة الفتى أحمد ببلدة بيت حنينا، شمالي القدس، لفهم القصة والتعرف على أحمد أكثر، إلا أن الإجراءات التي اتخذها الجيش الإسرائيلي ضد الأحياء الفلسطينية بمدينة القدس المحتلة، والطوق الأمني المفروض عليها، حالا دون ذلك، فكان لابد من اتصال مع أحد أفراد العائلة.

يقول عم الطفل أحمد، واسمه هو الآخر أحمد، إن ابن أخيه كان "فتى متعاوناً ويحب مساعدة الآخرين"، كما أنه كان يرتاد المدرسة بشكل يومي هو وابن عمه حسن المقتول، وكانا من المنتظمين في دراستيهما كما باقي أبناء الحي الذي يعيشان فيه.

ولم يسبق لأحمد، حسب رواية عمه لـ"هافينغتون بوست عربي"، مهاجمة جنود أو مستوطنين إسرائيليين، أو تعرّض للاعتقال سابقاً، كما "لم تكن له اهتمامات سياسية، بل كان الشغل الوحيد الذي ينخرط فيه هو مساعدة والده في البقالة التي يديرها في البلدة".

أحمد كذلك كان مولعاً بتربية الطيور، لاسيما العصافير، حيث تعجبه أصواتها، وكان يقتطع من مصروفه اليومي حتى يشتري مثل هذه الطيور.

أما طموحاته المستقبلية - فحسب عمه - كانت "لا تختلف كثيراً عن أقرانه في هذا الجيل، وهو السعي لتحصيل علامات دراسية تمكنه من النجاح في دراسته"، مستغرباً طبيعة الاتهامات التي يحاكم بها الآن، "فلم يكن يتوقع أحد من العائلة أن يقوم أحمد بمثل هذا العمل على الإطلاق"، حسب تأكيده.


حزن وخوف


وبصوت مُثقل بالحزن والخوف مما تحمله الأيام المقبلة، يتحدث يحيى مهاني، قريب الفتيان أحمد وحسن، قائلاً: "حتى الآن نعيش حالة من الصدمة مما جرى، فأحمد وحسن لم يعهد عنهما أي مشاركة من قبل في أي أعمال تجاه الاحتلال الإسرائيلي، وهما يرتادان المدرسة بشكل يومي دون أدنى مشكلة".

"لا يعلم أحد حقيقة ما جرى أو يستطيع أن يؤكده، فالرواية الوحيدة الموجودة هي ما يقوله الإسرائيليون"، هذا ما يردده يحيى حين يُسأل، قبل أن يضيف أن "المستوطنات الإسرائيلية تحيط بنا من كل جانب، ولا تبعد عن بيوتنا سوى بضعة أمتار، وإمكانية الاحتكاك بين المقدسيين والمستوطنين واردة نتيجة هذا القرب والأوضاع المشحونة". وفي المقابل، يتساءل يحيى عن احتمال أن يكون الموضوع "محاولة تلفيق قضية للفتيين أحمد وحسن، من أجل إبعاد تهمة الاستهداف عن الاحتلال".

ويطالب يحيى المؤسسات الحقوقية الدولية بالتحرك في القضية، "فليس من المعقول أن يُستهدف طفلان في هذا العمر بشكل مباشر، تحت ذرائع لا يمكن أن تكون دقيقة، بينما هناك جرائم متتالية من قبل المستوطنين ولا يوجد من يمنعهم"، حسب تعبيره.


محاكمة على "سرير الموت"


ويؤكد يحيى أن أحمد، المتواجد حالياً في أحد المستشفيات الإسرائيلية بالقدس المحتلة، ويعاني من إصابة خطيرة تتضمن كسوراً في الجمجمة، وإصابات في الصدر وأماكن أخرى بجسده، "تجعله عالقاً بين الموت والحياة".

ويشير إلى أنه رغم حالة أحمد الصحية، إلا أن المحامي المكلف بمتابعة ملفه، أبلغ العائلة بأن المحكمة العسكرية الإسرائيلية عقدت جلسة محاكمة له، وأصدرت قراراً بتمديد اعتقاله لمدة 72 ساعة لاستكمال التحقيقات، "ولم يسمح للمحامي بالاطلاع على ملف الاتهام، أو حتى بالحصول على بروتوكول القضية المقدمة بحق الفتى"، على حد قوله.