ترقب في الجزائر بين حلم الدولة "المدنية" وهاجس ترسيخ "الحكم الفردي"

تم النشر: تم التحديث:
BOUTEFLIKA
ALAIN JOCARD via Getty Images

حالة من الترقب يعيشها الشارع الجزائري، خلال الأسابيع الأخيرة، بعد حملة تغييرات متواصلة لرئيس البلاد، عبد العزيز بوتفليقة، طالت مناصب عسكرية هامة في هرم الحكم.

وكل ذلك يسير وسط وعود من الحزب الحاكم، بوجود رغبة في التوجه نحو إرساء دولة مدنية، عبر الحد من نفوذ الجيش في الساحة السياسية، ومخاوف المعارضة من وجود مشروع لتكريس حكم فردي لبوتفليقة ومحيطه.

وفي بيان لها، الخميس الماضي، قالت الرئاسة الجزائرية، إن "التغييرات التي شهدتها المؤسسة العسكرية جاءت في إطار حركة الإصلاحات الأمنية والسياسية الواسعة عام 2011، بدأت برفع حالة الطوارئ، وتنفيذ عدة قوانين ذات بعد سياسي".

وأضاف البيان أن الإصلاحات شملت أيضاً المؤسسات المكلفة بالحفاظ على الأمن، كلما اقتضت الضرورة، على غرار عمليات إعادة التنظيم التي جرت على مستوى دائرة الاستعلام والأمن (المخابرات)، التي ساهمت بتفان في الحفاظ على الدولة".

وأطلق بوتفليقة عام 2011 "حزمة إصلاحات"، تم بموجبها رفع حالة الطوارئ في البلاد، كما شملت قوانين الانتخابات، والأحزاب، والجمعيات والإعلام لمواجهة موجة ما أُطلق عليها "ثورات الربيع العربي" التي وصفها في عدة مناسبات بأنها "ديمقراطية مستوردة"، كما اعتبر بلاده "استثناءً"، فيما قالت المعارضة إن "إصلاحاته شكلية لتجنب ثورة الشارع".

ومنذ عام 2013 تتواصل في الجزائر، موجة تغييرات مست هرم المؤسسة العسكرية، بصفة خاصة، كان أهمها قرار أصدره بوتفليقة، الشهر الماضي، بإقالة مدير المخابرات، الفريق محمد مدين، من منصبه، وتعيين مستشاره للشؤون الأمنية، عثمان طرطاق، خلفاً له.

ووفق وسائل إعلام ومراقبين في الجزائر، يُعد مدين، أكثر ضباط المؤسسة العسكرية نفوذاً في البلاد، خلال العقدين الماضيين، حيث قاد المخابرات منذ عام 1990، وشهدت فترته قيادة 5 رؤساء للبلاد، و10 رؤساء حكومات، وعشرات الوزراء، فيما يصفه محللون سياسيون بـ "صانع الرؤساء" لدوره الحاسم في وصولهم للحكم.

وقسمت هذه التغييرات الطبقة السياسية في البلاد، إلى فريق مؤيد يقول إن بوتفليقة يريد التوجه نحو دولة مدنية، تكون الكلمة العليا فيها للسياسيين، والشعب، وفريق معارض شكك في نوايا هذه التغييرات، وبوتفليقة، بالسعي لإرساء حكم فردي، عبر إضعاف المؤسسة العسكرية القوية، في وقت يلتزم فيه فريق ثالث من السياسيين، الصمت إزاء التغييرات، كون ظروف إجرائها وأهدافها غامضة، ويرون أن الوقت كفيل بالكشف عن مآلاتها.

وتلتقي تحليلات المراقبين، والمؤرخين، وحتى مذكرات مسؤولين سابقين، في أن مؤسسة الجيش بقيت منذ استقلال الجزائر عام 1962، لها اليد العليا في اتخاذ القرار في البلاد.

وجاء في كتاب صدر مطلع العام الجاري "باريس- الجزائر.. علاقة حميمية"، للصحفيين الفرنسيين كريستوف دوبوا، وماري كريستين تابت، أن هناك "3 أقطاب تُسَيّر النظام الحاكم في البلاد؛ هي الرئاسة، والجيش، والمخابرات، في إطار توازنات، غير أن العلاقة بينها تتأرجح بين التكامل والصراع".

ويُعد عمار سعداني، الأمين العام لحزب "جبهة التحرير الوطني" الحاكم، أهم المروجين لمشروع الرئيس "لتمدين الحكم"، حيث قال في تصريحات صحفية، الأحد الماضي، إن "هذه القرارات قام بها رئيس الجمهورية بحكم صلاحياته الدستورية، وتأتي في إطار بناء دولة مدنية".

وأضاف: "الجزائر تتوجه نحو دولة مدنية، وهذا خيار لا رجعة فيه، وسيتم تكريسه خلال التعديل القادم للدستور".

وكان أحمد أويحي، مدير ديوان الرئيس الجزائري، كشف الشهر الماضي، أن تعديل الدستور سيكون قبل نهاية 2015، على أن يحدد رئيس الجمهورية في وقت لاحق، فيما سيُعرض التعديل على استفتاء شعبي، أو على نواب الشعب بالبرلمان.

وعرضت الرئاسة الجزائرية، مسودة التعديل الدستوري، للنقاش في مايو/أيار 2014، وتضمنت 47 تعديلاً للدستور الحالي، مست بالدرجة الأولى تحديد الفترة الرئاسية في ولايتين، وتوسيع صلاحيات رئيس الوزراء، وحق المعارضة في فتح نقاشات في البرلمان، إلى جانب ضمانات للحريات الفردية، وإجراءات لمكافحة الفساد.

من جهته قال عمر غول، وزير السياحة ورئيس حزب "تجمع أمل الجزائر"، في تصريحات صحفية، قبل أيام، إن "هذه التغييرات هامة، وتدخل في إطار مسار طبيعي لتقوية وعصرنة مؤسسات الدولة".

بدورها، شكّكت المعارضة في نوايا النظام الحاكم، من هذه التغييرات.

وفي تعليقه على تلك التغييرات، قال علي بن فليس، رئيس حزب "طلائع الحريات" وهو رئيس حكومة سابق في الفترة 2000 ـ 2003، في تصريحات صحفية سابقة، إن "النظام السياسي القائم في الجزائر لا يؤمن بالديمقراطية، والتزامه بالتقيد بمقوماتها لا يعدو أن يكون لفظياً، وهو يسعى للحد من التعددية السياسية".

من جهته أكد حزب "جبهة العدالة والتنمية" الذي يقوده المعارض الإسلامي عبد الله جاب الله، في بيان له الأسبوع الماضي: "بخصوص التغييرات التي أقدمت عليها الرئاسة على مستوى بعض هياكل الدولة، نرى أنها إجراءات عادية من الوهم اعتبارها تضع البلاد على طريق الدولة المدنية".

وتابع: "ذلك أمل نرجوه، لكن طريق النضال من أجل تحقيقه مازال طويلاً، فالمسألة تحتاج إلى تغير القناعات لدى النخب الحاكمة، فتزول أفكار الشمولية، ويحل محلها منطق الحق والعدل، وتصبح الأمة صاحبة الحق في السلطة، والحاكم خادماً للأمة منها يستمد الشرعية، ومن أجل خدمتها يتولى المسؤولية".

ويقول محمد شراق، الصحفي الجزائري المتخصص في الشأن السياسي، للأناضول: "أعتقد أن الترويج للدولة المدنية من قبل الموالاة، دافعه يحتمل رسالة برأسين، واحدة لمؤسسة الاستخبارات على أنه لم يعد لها دور سياسي في البلاد، وأن أولوية العسكري على المدني قد ولّت، وقد نفّذ الرئيس جزءاً كبيراً في هذا المسار، وهو بذلك يريد أن يكون له شرف إحداث القطيعة مع نظام العسكر منذ 1962 (تاريخ استقلال الجزائر)".

أما الرسالة الثانية، بحسب شراق، فهي "دفع المعارضة إلى تعديل مواقفها الراديكالية، خاصة بعد مطالبتها بانتخابات رئاسية مبكرة، عبر تسويق فكرة أن الرئيس لا يريد الاستئثار بالحكم، وأن مسعى الدولة المدنية، يكفل مكانة للمعارضة، في المرحلة المقبلة".

وأشار شراق إلى أن الهدف العميق والأول بالنسبة للسلطة الحاكمة "هو السير نحو الترويج للتمدين، بشكل يفضي في النهاية لتقديم مرشح، يحظى بالقبول الشعبي كخليفة لبوتفليقة الذي يعاني من المرض".

وفي هذا الصدد، اعتبر أن تمدين الحكم "لا يأتي بمثل هذه القرارات، ولكن يكون بغرس ثقافة الدولة في المؤسسات، ومراجعة الدستور بما يكفل حقيقة ذلك، واستعادة ثقة المواطن وتكريس العدل والمساواة، وعندما تتحقق هذه الأشياء سيأتي تمدين الحكم دون الحاجة إلى قرار".

من جهته، قال علي زاوي، الخبير الأمني الجزائري، إن "التغييرات التي أجراها رئيس الجمهورية داخل المؤسسة العسكرية، تدخل في صميم صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة، وتصب في إطار دعم احترافية الجيش لمواجهة تحديات أمنية تواجهها البلاد، على طول حدودها، بسبب الإرهاب والاضطرابات الحاصلة في المنطقة".

وأضاف: "لا أعتقد أن هناك صراعات في هرم السلطة بين السلطة المدنية ممثلة في الرئيس، وقيادة الجيش، وحسب علمي لم يحدث أن هاجمت أية جهة الأخرى في تصريحات صحفية".

وفيما يتعلق بالحديث عن تقليص دور الجيش في صناعة القرار، تساءل زاوي "هل يُعقل أن تكون مؤسسة عسكرية في العالم لا تشارك في صنع القرار السياسي، خاصة في ظرف أمني صعب؟"، معتبراً في هذا الإطار أن "جهاز الاستخبارات في الولايات المتحدة الأمريكية هو في قلب صناعة القرار".