كيف تخوض يوتيوب معركة سرية ضد "داعش"؟

تم النشر: تم التحديث:
YOUTUBE ISIS
KRITI KAUR

في الخريف الماضي وذات ليلة خميس، همّ أمان علي الممثل الكوميدي المشهور في الأوساط الأميركية الإسلامية بمغادرة مقر عمله في مانهاتن (نيويورك) حيث يعمل خبير منتجات رقمية، وإذا برسالة بريد إلكترونية مفاجئة تباغته، والمرسل يوتيوب.

"نحن بحاجة إليك" هكذا قالت الرسالة التي كانت دعوة إلى مقر إنتاج الشركة الفسيح المنيف الممتد على زهاء 4000 متر مربع في لوس أنجلوس (غرب أمريكا). الرسالة وعدته بتذكرة طيران مجانية وإقامة مجانية في فندق لليلتين، وتابعت الرسالة: "إن قادة المجتمع المسلم يناضلون ليصل صوتهم إلى العالم أمام التيار الجارف من المقاطع والمواد المحرضة على التطرف والتعصب”.

ورغم أن الرسالة لم تأتِ على ذِكرِ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مطالبة المسلمين من أمثال علي باستلام دفة إدارة الحوار، إلا أن الرسالة وفحواها كانا واضحين، فالتنظيم يحصد انتصارات في حرب دعايته بفصل أذرعه الأخطبوطية عبر وسائل الإعلام وعبر مقاطع الفيديو المضللة التي يجنّد بها أتباعه، والآن على المسلمين أن يجدوا طريقة لمحاربتهم و"إيصال أصواتهم".

كان يوتيوب يواجه متاعب بعدما نشرت عليه مقاطع ذبح قبل أن يدرك القيّمون عليه ذلك ويحذفوها، وهاهو يوتيوب الآن يمد يد العون والمساعدة.

وبعد قرابة شهرين وفي أحد أيام السبت من شهر يناير/كانون الثاني 2015، حضر 70 مسلماً اجتماعاً مغلقاً في استديوهات يوتيوب، ضمت القائمة كوكبة من ألمع الأئمة والعلماء والناشطين ومدوني الفيديو وصناع الترفيه في الولايات المتحدة، منهم من كان شاهد عيان على أحداث عنف وتطرف مثل الإمام صهيب ويب الذي كان واجهة الجالية المسلمة في مدينة بوسطن إبان أحداث تفجيرات الماراثون هناك.

وعلى مدار ٩ ساعات متواصلة تحدث خبراء معظمهم من المسلمين إلى الضيوف المشاركين واشتركوا في عصف ذهني حول سبل مقارعة الإرهاب على الانترنت.

وهكذا جلس الضيوف أزواجاً : الأئمة مع صناع الترفيه، والعلماء مع بعض أنجح مستخدمي يوتيوب من غير المسلمين الذين قدموا نصائح حول كيف حصدوا نجاحاً بجمع ملايين من المتابعين عبر تعليقاتهم على الصفحات العامة والرائجة في أوساط الجماهير. من ثم انقسم الحضور مجموعات وناقشوا أي التقنيات والاستراتيجيات أجدى وأنجع.





أمان علي - Homegrown Homies

من بين التساؤلات الكثيرة التي تم طرحها ما يلي: يقوم أنصار تنظيم الدولة بإرسال عشرات آلاف التغريدات يومياً، وتعمل وزارة الخارجية الأميركية وأفراد من الأئمة على مجابهتها الواحدة تلو الأخرى، لكن يا ترى هل سيكون مقطع فيديو مدته 3 دقائق أكثر نفعاً في الرد على تلك التغريدات من التجاوب مع كل واحدة منها على حدة على وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل هناك فعلا متطرفون كل مشكلتهم أنهم فهموا الإسلام بصورة خاطئة وكل ما يحتاجونه هو تصحيح تلك الأفكار؟ هل سيتجاوب الجمهور أكثر مع المحتوى الكوميدي أم السياسي؟ تروج داعش لفكرة أن المسلمين في الغرب مضطهدون، كيف يمكن إثبات خطأ هذه الصورة؟

يقول علي ذو الثلاثين عاما "لم يطالبنا أحد بأن نظهر على يوتيوب لنتحدث عن داعش، لكنهم طالبونا فقط أن نظهر ونكون على سجيتنا"، ومنذ ذلك اليوم حصدت وثائقيات علي المصغّرة التي نشرها على يوتيوب حول حياة المسلمين في أميركا أكثر من 150 ألف مشاهدة. "كانوا يقولون لنا “فقط أخرجوا للعلن، وهذه هي خبرات اجتذاب اهتمام الناس بدلاً منهم".

وبينما تشن الولايات المتحدة حرباً شرسة على تنظيم داعش وتقبض على أعداد متزايدة من المتطرفين في منازلهم، يلتحم المسلمون وعمالقة التكنولوجيا معاً لخوض المعركة سوياً في سبيل مخاطبة قلوب وعقول المؤمنين. بعضهم يبدأ من الصفر ويصور مقاطع الفيديو من كاميرا انترنت بسيطة في المنزل ليصنع تدوينات فيديو حول حياة المسلمين، لكن العديدين أيضاً انضموا إلى يوتيوب.

فالشركة تقوم بهدوء بتدريب مدوني الفيديو والمخرجين الواعدين على كل شاردة وواردة بدءاً من زوايا الكاميرا ومتابعة التصوير، مروراً بتحسين نتائج محركات البحث وكيفية كتابة أفضل العناوين، وانتهاء بكيفية تحقيق انتشار واسع على الانترنت.

تقول فيكتوريا غراند، مديرة سياسات يوتيوب، في حديث وجهته لجمع من الرؤساء التنفيذيين في الحقل الإعلامي في مهرجان أسود كان الإعلاني: "لداعش حضور و انتشار واسع على مواقع التواصل الاجتماعي في حين أن تيار مقاومتها لا يملك القوة الكافية لصدها"، موجهة بذلك أحد أقوى التصريحات حتى يومنا هذا حول حرب الدعاية ضد هذه الشرذمة.

وأضافت: "إن يوتيوب ما زال يشهد مقطعين إلى ثلاثة مقاطع إعدام بقطع الرأس أسبوعياً."

ورغم أن يوتيوب يؤكد أنه يحذف المقاطع التي تخرق القوانين المحلية أو تحض على الإرهاب، لكن غراند كانت ضد الاتكال الكلي على الرقابة والحذف، ومن ذات المنبر تحدث ديفيد دراموند كبير الخبراء القانونيين لدى الشركة وحثّ أقطاب الإعلام المؤثرين على التركيز على "إغراق" تنظيم الدولة "برسائل أفضل وأكثر عقلانية".





هارون موغول - Avenue M

وقد رفض ممثلو يوتيوب الحديث المسجل إلى هافنغتون بوست حول برامج الشركة المناهضة للتطرف، قائلين إن الشركة تفضل دعم صنّاع مقاطع الفيديو. لكن مشاركين عديدين في برامجها أكدوا أن الشركة تلتزم الصمت وعدم الإفصاح حول عملها في هذا المجال لئلا تبدو نشاطها قريباً من الجهود الحكومية.

ومنذ عام 2013 تم تجنيد 150 أمريكياً معظمهم في العشرينات أو أصغر في صفوف تنظيم الدولة، ووجدت دراسة أجرتها جامعة فوردهام أن 47 دعوى على الأقل تم رفعها في المحكمة الفيدرالية ضد أميركيين بتهمة دعم التنظيم المتطرف.

ووفقاً لمسؤولين فيدراليين، فإن هؤلاء تمت استمالتهم للتطرف على الانترنت بعد زيارتهم مواقع دعائية ومشاهدتهم مقاطع فيديو متطرفة، أو بعد مصادقتهم لأجانب على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر أو تطبيق الرسائل كيك KiK.

وقالت تانيا سيلفرمان، من مؤسسة الحوار الاستراتيجي Institute for Strategic Dialogue التي تتخذ من لندن مقراً لها، "لدى داعش أعداد هائلة مجيّشةٌ يساعدونهم على بلورة سياستهم الإعلامية، وعلى الضفة الأخرى من التيار هدفنا هو إغراق ذلك السيل من الرسائل الإرهابية واحدة تلو الأخرى برسائل من مسلمين وسطيين حول ما يعنيه الإسلام لهم."

وتعمل المؤسسة على تعقب تنظيم الدولة وتموّل برامج محاربة الإرهاب حول العالم، كما تربط صناع الفيديو بيوتيوب وفيسبوك ومكاتب حكومية لدعم حضورهم ووجودهم الإعلامي.

ورأت تانيا أن نجاح الخطاب الإعلامي المعاكس لا يحتاج بالضرورة إلى دحض حجج أعضاء داعش ولا حتى ذكرهم، "فطالما ثمة من يشاهد مقطعك المصوّر حول حياتك كمسلم أميركي في نيويورك بدلاً من مقطع تستدرجك فيه داعش، فهذا كافٍ."

وبعد وقت قصير من قمة يوتيوب أطلق علي وأخوه سلسلة وثائقيات Homegrown Homies التي تناقش مواضيع ثقافية خفيفة (مثل تفنيد الرأي التقليدي السائد بين المسلمين والذي يقضي بحرمانية تربية الكلاب في المنزل)، بالإضافة إلى مواضيع موجعة (مثل عنف العصابات والفقر بين أوساط المسلمين السود في نيوآرك بولاية نيوجرسي)، وقد منحه يوتيوب فرصة الاستفادة من استديوهاته في مانهاتن لتصوير مقاطعه الخاصة، مثل ذلك المقطع الذي يكشف بشكل ساخر العقبات التي يواجهها المسلم العازب في المدينة.





كلية الدراسات الإسلامية العليا بيان كليرمونت- Shakes and Shaykhs

يقول محمد أحمد الصومالي الأميركي الذي يملك محطة للوقود في مينابوليس والذي استخدم مدخراته لإطلاق سلسلة كارتونية موجهة للأطفال عنوانها Average Mohamed :"المسلمون هم أكثر متلقي الدعاية، وعلينا لهذا أن نحارب بدعايتنا نحن".

إحدى أوائل حلقات السلسلة حملت عنوان Islamic State Job Description (التوصيف الوظيفي لعضو تنظيم الدولة) وفيها نسمع صوت الأربعيني محمد أحمد يقول: “طبيعة مهامكم هي أن ترتكبوا الإبادة العرقية ضد المسلمين والمسيحيين واليزيديين واليهود وترهبوا النساء والرجال والأطفال مثل أفراد عائلتكم حتى يطيعوكم طاعة عمياء. اقطعوا رؤوس الأبرياء الذين تأسرونهم، دمروا مواقع التراث العالمي الأثرية والجوامع والمقابر والأضرحة، ليس مثل عالم ديزني أو فيلم أكشن كما تقول الدعاية، أليس كذلك؟"

ورغم أن أحمد لم يكن حاضراً في اجتماع لوس أنجلوس، إلا أنه تلقى مؤخراً منحة مقدارها 5000 دولار من منظمة تعمل على محاربة التطرف من أجل حثه على صنع حلقات جديدة، كما أنه يتلقى نصائح من يوتيوب حول كيفية تحقيق أوسع انتشار.

وفي فيديو آخر مترجم إلى الصومالية والسواحيلية، يستشهد أحمد بحديث للرسول ليجادل ضد التفجيرات الانتحارية: " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً" وهو حديث من صحيح البخاري.

Shakes and Shaykhs أو "شيوخ واهتزازات" عنوان سلسلة أخرى انطلقت بعد اجتماع يوتيوب ويصوّر فيه أعضاء الهيئة التدريسية من كلية الدراسات الإسلامية العليا بيان كليرمونت بجامعة جنوب كاليفورنيا، وهم علماءٌ مسلمون يتناقشون في مواضيع تتدرج من كتبهم المفضلة وآرائهم في مدارس الشريعة الإسلامية وحتى برنامج تلفزيون الواقع Swamp People والذي يقتفي آثار صيادي التماسيح في ولاية لويزيانا.

برنامج نقاشي كهذا تلتقي فيه الثقافة العامة الشعبية بعلوم الدين هو نمط البرامج التي يشجع يوتيوب المسلمين على انتاجها. وفي فبراير/شباط 2105 حضر مسؤولون من يوتيوب وسط لفيف من الممثلين التقنيين قمة البيت الأبيض الأولى حول محاربة العنف والتطرف، حيث أعلنت الحكومة إطلاق سلسلة من معسكرات التقنيات لمحاربته.

وقال ممثل ليوتيوب إن الشركة كثيرا ما ترأست ورشات عمل وأفسحت المجال لصناع الفيديو لاستخدام استديوهاتها، لكنه أشار إلى أن ورشات العمل ضد التطرف أحدث وأجدد، ويتم التخطيط للمزيد من هذه الأنشطة في مدن متعددة حول أوروبا وآسيا حيث تتعاون الشركة مع منظمات غير حكومية في بلدان كإندونيسيا وماليزيا.



محمد أحمد - Average Mohamed

وفي حين لا يتحدث يوتيوب علناً عن دوره في توظيف المسلمين خدمةً لقضية مواجهة التطرف، فإن ممثلي الحكومة الأميركية كانوا أكثر جرأة في الإفصاح عن آمالهم بمزيد من التعاون بين عمالقة التكنولوجيا والمسلمين لمواجهة آلة داعش الإعلامية.

وبعد 6 أشهر من قمة البيت الأبيض يشق قانون جديد طريقه عبر أروقة الكونغرس من أجل تأسيس مكتب لمكافحة الإرهاب في وزارة الأمن القومي سيكلف 40 مليون دولار، وتتضمن مهامه دفع عجلة الإعلام الاجتماعي والفيديو، لكن نقاداً تساءلوا عن مقدار تركيز هذا القانون على المسلمين في ظل بيانات تظهر أن متعصبين من البيض وانفصاليين عن الحكومة وغير مسلمين تسببوا بوقوع العدد الأكبر من الضحايا منذ اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول 2011.

ويتساءل النقاد إن كان الأمريكيون قد تأخروا كثيراً ولا يفعلون ما يكفي، فأقل التقديرات تشير إلى أن داعش وداعميها ينشرون 90000 تغريدة يومياً وعدة فيديوهات أسبوعياً مابين مشاهد ذبح مروعة إلى دعاية أخف عنفاً.

ووفق ما ذكرته فرح بانديث التي أنهت للتو خدمتها كمبعوثة خاصة لوزارة الخارجية الأمريكية إلى الجالية المسلمة في يناير/كانون الثاني 2014، (وهو منصب تتضمن صلاحياته مكافحة التطرف)، فإن بث حملات وفيديوهات على يوتيوب وبرامج كوميدية لمواجهة تنظيم الدولة لن يحدث تغييراً جذرياً في أعداد المتطرفين المجندين ما لم يتم تكثيف هذه المواد عبر حملة اجتماعية على مدار الساعة وطوال الأسبوع.

في حين أن آخرين متفائلون أكثر حيالَ نتائج سريعة، فشاهد أمان الله، المستشار الكبير السابق للتكنولوجيا في وزارة الخارجية الأميركية، يقول: " إن المقياس الوحيد الذي يهم الحكومة هو القضاء على التفجيرات، ولا يمكن لمقطع فيديو أن يثبت ذلك"

وقد أسس أمان الله مؤخراً مختبرات أفينيس Affinis Labs وهي حاضنة لبرامج ناشئة ذات مضمون اسلامي، وتتضمن تطبيق تعارف اسلامي و ComeBack2.Us، وهو منصة تمنح عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الفرصة لإقناع ذويهم المغرر بهم للعودة إلى ديارهم.

وتسعى هذه البرامج لكسب واستمالة "سوق الطاقات الشبابية المسلمة البالغة 500 مليون شاب والذين لا تتم خدمتهم أو مخاطبتهم بالمستوى المطلوب"، بحسب ما ذكره أمان الله الذي حضر ورشة عمل يوتيوب.

واستطرد قائلًا: "لكنك عندما يكون لديك مشاهدون معينون لموقع أو لتطبيق ما فإن هذه أعداد حقيقية وأناس حقيقيون يتأثرون، نحن بمصادرنا الكثيرة أشبه بوول مارت، وهي شركة أميركية للبيع بالتجزئة، لكن شركة داعش الصغيرة تناورنا وتراوغنا وتنسل من بين أصابعنا. إنهم مدفوعون بالعاطفة ولا يهابون الخطر ولهم تأثير على الجمهور. علينا أن نقوم بالمثل.”

هذه المادة مترجمة من مقال للصحفي جاويد كليم في النسخة الأميركية لهافينغتون بوست. يمكنك الاطلاع على المادة الأصلية، من خلال الضغط على هذا الرابط.

حول الويب

على «يوتيوب»: خذوا أسرار «داعش» من «أحرار الشام»

بالفيديو.. «داعش» و«الحشد الشعبي» يجندان الأطفال للمعارك

مبادرات بريطانية لمواجهة «داعش» في وسائل التواصل الاجتماعي

مقتل جنيد حسين... الهاكر البريطاني الأبرز في "داعش"