"كرفانات" المتضررين في غزة .. فقاسات دجاج صيفاً وثلاجات موتى شتاءً

تم النشر: تم التحديث:
GHZH
هافينغتون بوست عربي

تواجه 27 أسرة غزاوية تهدمت بيوتها بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع، أزمة الحياة في كرفانات اعتبروها غير آدمية، فلم تقهم حر الصيف ولا برد الشتاء، "هافينغتون بوست عربي تحدثت" إلى بعض هذه الأسر حول معاناتها اليومية.

فبعد أيام قليلة قضاها السكان داخل تلك الكرفانات بدأت عيوبها تتكشف لهم. ولم تتمكن بعض العائلات من تحمل حرارة الصيف داخلها، فهرب أفرادُها إلى بيوت أقارب لهم، بينما نصب آخرون خياماً على أنقاض منازلهم وراحوا يقضون بها فترة النهار ويعودوا إلى الكرفانات ليلاً، ولكن القوارض أبت أن تتركهم، وشاركتهم المكان مسببة لهم أمراضا جلدية.

ناهيك عما لاقوه في فصل الشتاء حيث غرقت المنطقة بالمياه بما فيها الكرفانات، فحاولت البلدية تفادي الأمر وقامت بنقل الرمال لاحتواء المياه، لكن سرعان ما تبين أن هذه الرمال مصدرها المقابر وظهرت بعض العظام والجماجم خلال عملية الردم مما أصاب السكان بالهلع.

فقاسات دجاج


خلال جولتي داخل تلك الكرفانات، استوقني بكاء السيدة فوزية النجار– 37 عاما- التي أصيبت بحالة هستيرية، فالكرفان الذي تقطن فيه مع عائلتها المكونة من 7 أشخاص سقطت أرضيته، ولم يعد صالحاً للاستخدام، خصوصاً مع مياه المجاري التي بدأت تقتحم المكان وساعدت على انتشار القوارض.

تقول السيدة "جميع أفراد عائلتي أصيبوا بأمراض جلدية، وأخشى فقدان جنيني، لم أعد أحتمل رائحة مياه المجاري وحر الصيف".

وأضافت "بعد مناشدات عدة جاء أحد المسؤولين من وزارة الإسكان، لكن دون أي حلول حتى هذه اللحظة".

فوزية أبدت اعتراضها قائلة "ألا يكفي أن بيوتنا هدمت وقدمنا الشهداء من عائلاتنا، وجودنا داخل الكرفانات فيه ذل إهانة".

ghzh

ولم تستطع السيدة فوزية استكمال حديثها حيث أصيبت بالإغماء، فوضعها الصحي مترد منذ الأيام الأخيرة، وأطفالها مصابون بحساسية من الحشرات التي تعيش معهم داخل الكرفان.

المكان ذاته تعيش فيه الفتاة شيماء عادل– 15 عاماً- برفقة عائلتها المكونة من 8 أفراد، تقول: "لا أستطيع النوم في الكرفان، أحزم أمتعتي يومياً وأذهب للنوم عند أحد أقاربي وفي الصباح أعود لمعاناة الحر داخل الكرفان".

شيماء ذكرت أنها تعاني من حساسية جلدية نتيجة تعرضها لقرص بعض الحشرات، بالإضافة إلى الالتهابات التي لم تستطع معالجتها.

ووفقاً لقولها فإن العيادة المتنقلة الموجودة بالقرب من مكان إقامتهم تفتح أبوابها في الصباح وتغلق وقت الظهيرة ولا تقدم سوى بعض الأدوية التي لا تجدي نفعاً.

ghzh

شيماء وصفت الكرفان الذي تعيش فيه بـ"فقاسة الدجاج" صيفاً، و"ثلاجة الموتى" شتاءً، متمنية أن يرأف المسؤولون بحالهم بدلاً من زيارتهم والتقاط الصور معهم ومغادرة المكان دون تحقيق أي شيء ملموس على أرض الواقع.

في المنطقة ذاتها طرقنا باب أحد الكرفانات دون أن يجيب أحد، حتى أرشدنا طفل صغير إلى صاحبه الخمسيني والمدعو "وصفي النجار" الذي نصب خيمة على أنقاض بيته المدمر.
وصفي ذكر بأنهم حصلوا على الكرفانات كإيواء مؤقت، وحينما اكتشفوا عيوبها حاولوا التخلي عنها والمطالبة بأموال للإيجار لكن لم يستجب لهم أحد بحجة أن نصيبهم كان الكرفان.
وروى أنه مع بداية نزول المطر في فصل الشتاء كاد أن يقتل عدد من ساكني الكرفانات حينما تسللت المياه الى الداخل وحدث ماس كهربائي، لكن تمت السيطرة على الأمر.

ghzt

كرفانات عُمانية الصنع


بعد سماع شكوى الغزاويين، ذكر حاتم النبريص، مسؤول الكرفانات بوزارة الإسكان، أن الكرفانات وصلت إلى قطاع غزة دون أن يكون لديهم أدنى تصور عن مواصفاتها.

وأوضح النبريص أن الأهم كان بالنسبة لهم توفير المأوى للمهدمة بيوتهم، بدلاً من إقامتهم في المدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".

النبريص أرجع تدهور حال الكرفانات إلى سوء الاستخدام من قبل القاطنين فيها، في حين أن هناك عائلات لاتزال تحافظ عليها وفقاً لقوله.

وقد لاحظت مراسلة "هافينغتون بوست عربي" وجود نوعين من الكرفانات. فالكرفانات المهترئة لا يتعدى سمك أرضيتها 3 سم وتتحول جدرانها المغطاة بالجلد إلى لهيب في فصل الصيف، إلى جانب أنها بدون صرف صحي.

على الجانب الآخر فإن الكرفانات التي بقيت صامدة هي تلك المصنوعة من الخشب الصالح للاستخدام والتي تتميز بوجود عازل حراري في جدرانها مما يجعلها ملائمة لتحمل درجات الحرارة المتقلبة بين الصيف والشتاء.

ghzh

إعادة الإعمار


وبالعودة إلى مسؤول الكرفانات في وزارة الإسكان، أكمل حديثه قائلاً "هناك جهة دولية داعمة وهي الإغاثة الكاثوليكية بصدد سحب الكرفانات السيئة واستبدالها بأخرى خشبية أفضل منها"، مؤكداً أن عملية الإعمار قد بدأت وهم في وزارة الإسكان لا يريدون حلولاً مؤقتة للمتضررة بيوتهم.

وبين النبريص أنهم أطلعوا الجهة التي وزعت الكرفانات على وضعها السيئ، لكن كان ردهم عدم وجود تمويل، والأمر كذلك بالنسبة لوزارة الإسكان.

وبحسب قوله فإنه وقبل تسلم وزارة الإسكان للكرفانات الأولى كان لديهم شرطان لبنائها؛ الأول حفظ كرامة المواطن، والثاني ألا يكون مكلفاً كي لا يتم استنزاف أموال العمال، لافتاً إلى أن الكرفانات الحالية هي "عُمانية" الصنع، والتي رفضت "إسرائيل" بعض مكوناتها، فتم تصميمها بطريقة تسمح بإدخالها.

وفي سؤال حول عدم إعطاء ساكني الكرفانات مالاً للإيجار أجاب "منذ البداية اختاروا العيش في الكرفان بدلاً من أخذ مال للإيجار وذلك لقربهم من أماكن عملهم ومدارس أبنائهم".

ووفقاً للوثائق فإن إسرائيل رفضت عينة الكرفانات المرسلة إليهم لإدخالها إلى قطاع غزة والمصنعة حسب المواصفات المتفق عليها في جداول الكميات للمنح، حيث تم رفض نوعية الحديد المستخدم في تصنيع الكرفانات، وذلك لدخوله ضمن البنية التحتية للأنفاق في غزة.