اليمن.. "مرضى عقليون" يعيشون حرباً لا يدركون وجودها

تم النشر: تم التحديث:
E
e

أن تدرك أنّ هناك حرباً هو أمر مهم كي تخطط يومك على أساس هذه الحرب، أي طريق تسلك؟ وكيف تنتقل من مكان لآخر متفادياً رصاص القناص علّ هذه الاحتياطات تكون سبباً في بقائك حياً، أما إن لم تكن تدرك ما يدور من حولك فهنا تكمن المشكلة، تماماً كحال محمد الوليدي الذي يعاني من مرض عقلي، ووضعه الصحي جعله فريسة سهلة لرصاص القناص!..

لم يكن محمد الوليدي يتوقع أن يأتي اليوم الذين سيكون فيه هدفاً لقناص يطلق عليه الرصاص لمجرّد تواجده في منطقة الخصوم، فهو لم يكن مدركاً حتى للحرب التي تدور من حوله.

اعتاد اليمنيون رؤية الوليدي في الأربعينات من عمره وهو يتجوّل بالقرب من مكتب المالية في تعز، يمدّون له يد المساعدة بقليل من المال أو الطعام.

ولكنّ هذا المكان تحوّل بعد اندلاع الحرب إلى منطقة تماس مشتعلة بين المسلحين الموالين للحكومة المعترف بها دوليا والمسلحين الحوثيين، ومع استمرار المعارك تحوّل هذا الموقع الحيوي الذي يضم مقرات لدوائر حكومية وخاصة، إلى مربع لا يجرؤ على اقتحامه سوى محمد وغيره ممن يعانون من مرض عقلي تمنعهم من تقدير خطورة المكان الأمر الذي أدى إلى مقتل 3 منهم.


جواسيس لا مختلين عقلياً


e

كلّ من يمرّ أمام النقاط المرصودة من قبل القناص معرّض للقتل، الأمر الذي حصل في مدينة تعز وخاصة أن ملابس هؤلاء المشردين قد توحي للبعض أنهم جواسيس كما أشار "محمد الباروت" رئيس منظمة آفاق الإنسانية لرعاية أمراض النفس والعقل في تعز والذي أضاف بقوله لـ "هافينغتون بوست عربي" أنّ "عدد المرضى العقليين الذين قتلوا في مدينة تعز منذ اندلاع المعارك 7 أشخاص سقطوا في مناطق قريبة من بعضها تمتد من حوض الأشراف إلى مكتب المالية".

قامت المنظمة بدفن أحد المقتولين وسلّمت آخراً لأهله بالإضافة إلى وجود 5 جثث في ثلاجات أحد المستشفيات الحكومية. ولكن "من المتوقع أن يكون العدد الحقيقي أكبر من ذلك. ولا يمكن معرفته بسبب صعوبة الدخول إلى مناطق صراع واشتباك وخاصة مع اختفاء عدد كبير منهم" على حدّ قول الباروت الذي أشار إلى وجود 240 شخص ممن يعانون من مرض عقلي يتجولون في شوارع تعز منهم 16 امرأة، وتم إخراج 70 شخص من المصح النفسي بعد تعرّضه للقصف وتحوله مركزاً للقنص.


تغيير الشكل لا يشفع!


e

ملابس المشردين المهترئة التي يرتديها هؤلاد جعلهم هدفاً للقنص، حيث يعتبرهم القناصون جواسيس لجهات معينة، الأمر الذي دفع عدد من المنظمات الإنسانية اليمنية إلى الاهتمام بملابس ونظافة هؤلاء المشردين، ولكنّ هذا الأمر لم ينعكس إيجاباً عليهم بل كان سبباً لتعريضهم لمساءلة أكبر كما أوضح الباروت التي كانت منظمته جزءاً من هذه المبادرة، ويقول "بداية حاولنا إقناع المسلحين أن هؤلاء ليسوا مجرد مشردين بل هم أيضاً يعانون من مشاكل مختلفة، ولكن قيامنا بإلباسهم ملابس نظيفة مرتبة عرّضهم للمساءلة واتهامهم بالجاسوسية".

إنّ المحاولات الكثيرة التي سعت إلى تغيير وترتيب الزي الخارجي للمشردين لم تأت بنتيجة إيجابية بل تسببت بالضرر لذلك اقتصر اهتمام هذه الجمعيات بالمرضى فقط بحلاقة الشعر والذقن وتنظيفهم كي لا يشتبه بهم، والعمل على إخراجهم من وسط هذه الحرب إلى خارج المدينة لمكان أكثر أمناً.


لا وجود لمصحات مؤهلة


e

"الإنسان غايتنا" هو الشعار الذي رفعته مؤسسة "إسناد" للتنمية الإنسانية في محافظة إب اليمنية والتي سعت من خلال مبادرات العاملين فيها إلى جمع المشردين من المرضى النفسيين والكبار في السن بهدف الاعتناء بهم بكل ما يتعلق بالنظافة والحلاقة وتقديم ملابس مرتبة، ولا تقف نشاطات هذه الجمعية هنا حيث أشارعبد الرحيم السامعي، وهو طبيب وناشط بقوله لـ"هافينغتون بوست عربي" إن "الجمعية تسعى إلى إنشاء مستشفى خاص ولكن الدعم المادي ما زال يحول أمام تحقيق هذه الخطوة" وتابع "المشكلة أن معظم المشافي المختصة بالأمراض النفسية توقفت عن متابعة الحالات التي كانت لديها، وخاصة أنها أصبحت هدفاً للقصف بعد تحصّن قناصين على أسطحتها، وبالتالي تشرّد عدد كبير من المرضى في الشوارع".


معارك الشوارع مستمرة!


e

بعد التأكد من سقوط 7 مرضى عقليين في تعز التي تشهد حرب شوارع منذ إبريل / نيسان الماضي، يقول ناشطون إن حوالي 5 سقطوا في عدن جنوبي اليمن، والتي انتهت فيها المعارك منتصف يوليو بطرد الحوثيين.

وبدأت بوادر حرب الشوارع تنفجر في محافظة إب وسط البلاد، وهو ما دفع مؤسسة "إسناد" إلى إطلاق نداء استغاثة للأطراف المتقاتلة، تطالبهم بتجنيب المحافظة التي شكلت منطقة خضراء للنازحين من مدن عدة بعدم الاقتتال فيها.

ووفقاً للمدير التنفيذي لمؤسسة إسناد، فإن أكثر من 170 مريض عقلي يتواجدون في شوارع إب.