"هيب هوب" موريتانيا... جيل ساخط يحافظ على خطوط المجتمع الحمراء

تم النشر: تم التحديث:
MWRYTANYA
هافينغتون بوست عربي

توحي أنغام الموسيقى الموريتانية عادة بمشهد فناني الصحراء الملثمين وهم يداعبون العود التقليدي بين كثبان رملية ذهبيّة في فضاء مفتوح تحت ضوء القمر وينشدون قصائد فصيحة تتغنّى بالنساء الجميلات والأماكن البعيدة.

لكن هذه الصورة لم تعد تعكس حقيقة المشهد الفني الموريتاني الذي تطوّر بشكل لافت، حيث بدأ الجيل الشبابي يكتسح الساحة الفنيّة بقوة ليفرض نمطاً موسيقيّاً جديداً أصبح فيه الفنّ فاعلا حياً في المجتمع والسيّاسية، بل صوتاً مطالباً بالإصلاحات في كافة المجالات أو حتى برحيل النظام أو بقائه.

الرّاب في بلد المليون شاعر


وصلت موسيقى الهيب هوب إلى موريتانيا بداية التسعينيات من القرن الماضي متأثرة بتيار الرّاب الأمريكي والإفريقي، هذه الروافد الأجنبية امتزجت بالموسيقى العربية المحلية من جهة، وتفاعلت مع واقع سياسي واجتماعي حافل بالأحداث، بدأت تأثيراته وارتداداتها تتسرب إلى فن الهيب هوب شيئاً فشيئاً في السنوات الأخيرة فأصبح لنجوم الراب تأثير في البلاد التي لم تعدّ بلد المليون شاعر فحسب بل أيضاً بلد مئات فناني الهيب هوب الشباب الذين ينشدون وطناً أفضل.

ارحل لا ترحل


تعدّ فرقة "أولاد لبلاد" الأشهر بين فرق الهيب هوب المحلية، تأسست بين عامي، 2000 ـ 2001 بمبادرة من 3 شبان هم "إسحاق، حمادة، لمرابط" جمعهم الشغف بالهيب هوب وتشابه أوضاعهم الاجتماعية، إذ ينتمون جميعاً لوسط اجتماعي فقير.

وعن تأسيس هذه الفرقة يقول حمادة لـ "هافينغتون بوست عربي" عندما "تركت المدرسة في سن مبكرة طلب مني أهلي الالتحاق بالجيش، ولكنني رفضت، كان لدي حلم واحد هو أن أصبح فنّان راب، ولكن هذا كان شبه مستحيل لأنني لا أنتمي إلى طبقة الفنانين، ومع ذلك أصررت على المحاولة."

في عام 2000 التقى حمادة بأعضاء الفرقة وقرروا معاً تحدي كل الصعوبات الاجتماعية والمادية وتغيير النظرة السائدة في موريتانيا التي تربط الهيب هوب بالمخدرات والإجرام.

الأمر الذي فرض عليهم الاعتماد على جهودهم الخاصة المتواضعة طيلة الـ10 أعوام الماضية وعن ذلك أشار حمادة "بدأت الأمور بعد ذلك تتحسن تدريجياً، كان أول مبلغ نحصل عليه من حفلاتنا هو 40 ألف أوقية "أي حوالي 137 دولار" لكن أغانينا كانت تلقى قبولاً في الأحياء الشعبية الفقيرة ولدى مختلف الفئات والأعمار، وهذا ما كان يشجعنا دوماً للمضي إلى الأمام".

تمتاز الكلمات التي يختارها أولاد البلاد بأسلوبها البسيط وتتناول حكاية جيل ساخط على الواقع اليومي من فقر وبطالة وانتشار المخدرات والفساد، لتعبّر بذلك عن آلام ومعاناة الشعب الاجتماعية.

تحرص الأغاني التي تقدمها الفرقة على عدم التصادم مع المجتمع وتقاليده من فلكلور وأزياء تقليدية، بل تركز على الفساد الاجتماعي.

في آب/أغسطس 2008 أصدرت الفرقة أغنية بعنوان "نحن ضد الانقلاب" إثر إطاحة العسكر بالرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله، في انقلاب عسكري قاده الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي أصبح رئيساً للبلاد، ومنذ ذلك الحين بدأت العلاقات تتوتر بين الحكومة والفرقة الموسيقية التي واصلت إصدار الأغاني المناهضة للسطلة، ومع اندلاع الثورات العربية، ومطالبة بعض الأحزاب المعارضة برحيل الرئيس الموريتاني أصدرت الفرقة أغنية "كَيّم" أو "ارحل" التي أصبحت من أكثر الأغاني إثارة للجدل في موريتانيا نظرً للانتشار الواسع الذي حققته على الشبكات الاجتماعية وفي أوساط الشباب، وأدت إلى أزمة سياسية بين الأغلبية والمعارضة في البلاد، وبعد أيام على صدور الأغنية، وتحديدا في 13 كانون الثاني/يناير 2015 ألقت السلطات الموريتانية القبض على عضو الفرقة حمادة سيدي بونه، بتهمة "انتهاك حرمات الله" و"تهريب المخدرات" بعد رفع دعوى تتهمه بالاغتصاب.

نجم الهيب هوب في سجن السلفيين


mwrytanya

حمادة في حديثه لـ "هافينغتون بوست عربي" دافع عن "براءته من كافة التهم" التي وجّهت إليه، واعتبر أنّ اعتقاله جاء ردّة فعل على الصدى الكبير الذي لاقته أغنية "ارحل" وعن ذلك يقول حمادة "تمّ تلفيق تهم ضدي لمنع الفرقة من انتقاد الرئيس، كان من المقرر أن أسجن في السجن المدني ولكن السجناء ثاروا تضامناً معي، فتقرر نقلي إلى سجن السلفيين، ولكن يجب أن أعترف أنني لم أتعرض لأية مضايقات طيلة فترة توقيفي التي استمرت 3 أشهر."

بعد اعتقال حمادة لجأ بقية أعضاء المجموعة إلى السنغال ومن هناك أصدروا أغانٍ جديدة تنتقد النّظام وتطالب بإطلاق سراح الفنان حمادة، وهو ما تحقق لاحقا بعد أن برأته في 17 آذار/ مارس المحكمة من التهم المنسوبة إليه.

وبعد أشهر على أغنية "أرحل" أصدرت فرقة "صوت الشّعب" للرّاب أغنية بعنوان "لا ترحل" دعت فيها الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز للبقاء في السلطة، الأغنية التي تم تداولها على نطاق واسع واتهمت معارضي النّظام بالفساد، وتضمنت الأغنية مقاطع من مداخلات مواطنين مناصرين للرئيس.

باقية وتتمدّد


في ظل الانقسام السيّاسي الحاد تعيش الساحة الفنية الموريتانية أيضاً مرحلة انتقالية بين الموسيقى التقليدية التي تخضع لقيم الاستهلاك في المناسبات الاجتماعية، وبين لون موسيقي شبابي يتبنى لغة الاحتجاج والرفض الحاد، والمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، وهو صوت يتزايد حضوره يوماً بعد آخر، ما جعل الفنانين التقليديين يسعون إلى التكيّف مع واقع التنافس من خلال مزيج فني يجمع الموسيقى العربية بالغربية كنوع من التّجديد، ولعل الصراع الفنيّ الراهن ليس سوى انعكاس للمرحلة التي يمرّ بها المجتمع الموريتاني أيضاً بين جيل تقليدي محافظ متمسّك بالقيم الموروثة وجيل شبابي طامح إلى الانعتاق والتغيير نجح في تحويل الفنّ إلى أداة فعّالة في معركة الصّراع على السلطة التي ظلت منذ استقلال البلاد حكرا على كبار الضّباط.

وفي هذا الصدد يرى الناشط في حركة 25 فبراير المعارضة، المدون الموريتاني أحمد ولد جدو أن "الأغاني السياسية المعارضة متجذرة في موريتانيا رغم تواضع عددها مقارنة مع تلك التي تمجد القبائل وتتقرب للأنظمة" وأضاف لـ "هافينغتون بوست عربي" أن "في عهد معاوية ولد الطائع برزت أصوات فنية معارضة ورافضة للفساد، مثل الفنانة المعلومة منت الميداح، وفرقة B.O.B للرّاب، واليوم نرى أولاد البلاد الذين أصبح لهم صدى كبير بين الشباب، فأغاني مثل "كيم، ارحل" أثارتا صخباً كبيراً في الشارع وعلى السلطات"، ويرى ولد جدو أن "هذا النمط الفني في طريقه للازدهار والتمدد نتيجة الفساد وغياب العدالة الاجتماعية والتوق إلى التغيير الجذري، فهذه الظروف هي التي يستلهم منها مغنّو الرّاب نبض اللحظة".