الحرب على "داعش" تحرق "السلة الغذائية" للعراق

تم النشر: تم التحديث:
FARMS IN DIYALA
e

"إبادة البساتين" هكذا وصف مزارعون من سكان محافظة ديالى ما قامت به المليشيات من موت بساتينهم ومزارعهم حرقاً وعطشاً، حيث منعت مليشيات في المنطقة المزارعين من ريّ بساتينهم فضلاً عن حرقها بعد تحررها من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".


المزارعون وأصحاب البساتين اعتبروا في حديث لـ "هافينغتون بوست عربي" أنّ ما قامت به الميلشيات من حرق ومنع سقيّ البساتين مصدر رزقهم هو جريمة إبادة لأشجار ممتدة على مساحات شاسعة في ديالى التي تشتهر ببساتينها، حيث يعمل 70% من السكان في الزراعة.

وقال النائب عن التحالف الكردستاني، شاخوان عبدالله، في تصريحات صحفية سابقة إن "مسلحي الحشد الشعبي حرقوا عدد من البساتين في ناحية السعدية التابعة لمحافظة ديالى"، وأضاف أن "الحشد الشعبي أخطر بكثير من تنظيم داعش"، متهماً إياه باستخدام العنف لإجبار السكان الكُرد على ترك مناطقهم وتهجيرهم.

كذلك اتهم عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني أحمد عمر خوشناو,عناصر الحشد الشعبي، بعمليات حرق للبساتين في مناطق الجاف والكرد والنور، لإجبار السكان المحليين على مغادرة أراضيهم التي عادوا إليها.

ولم تستطع "هافينغتون بوست عربي" التأكد بشكل مستقل من الاتهامات التي ساقها القياديان الكرديان بحق ميليشيات "الحشد الشعبي".


منع السكان من العودة إلى مزارعهم


farms in diyala

المزارع وعضو نقابة فلاحي ديالى الحاج عدنان عباس (63 عاماً) هو أحد الشاهدين عم حصل لهذه البساتين حيث أن الكثيرين نزحوا تاركين خلفهم مئات آلاف الدونمات من البساتين المُعمرة والمتنوعة الفواكه من نخيلٍ وبرتقال ورمان والتي لم يتمكنوا من العودة لريّها بسبب وجود "داعش"، إلا أن "المفاجئة كانت بعد إعلان القوات الأمنية تحرير كامل أراضي ديالى من تنظيم داعش"، إذ منعت الميلشيات المزارعين من دخول بساتينهم لغرض ريّها، وبعد أن جفت البساتين وماتت عطشاً، قامت المليشيات بحرق مئات الدونمات منها، بحسب ما زعمه عباس.

وبيّن عباس في حديثه لـ "هافينغتون بوست عربي" أنّ حرق بساتين ديالى جاء ضمن سلسلة حرق مزارع وبساتين أخرى في العراق، كما حصل في نينوى عندما أحرقت حقول الحنطة والشعير" وأضاف أنّ "الهدف من ذلك إفراغ المناطق من سكانها وتغييرها ديموغرافياً، بعد أن فشلت محاولات القتل والتهجير في تحقيق ذلك الهدف".


اثنين مليار دينار خسارة مزارع واحد



حالة المزارع أبو عواد (52 عام)، نموذج لما حصل لعشرات المزارعين والذي انهارت دموعه وهو يتحدث لـ"هافينغتون بوست عربي" عن بساتينه الممتدة على نهر ديالى، وعنها قال "كنت أملك 7 بساتين، كل واحدة لا تقل عن 20 دونماً مزروعة بما لذّ وطاب، ضاع كلّ شيء بعد أن أحرقتها المليشيات"، وأضاف "لم يعد هنالك غير أكوام من الأشجار اليابسة المحروقة، وخسارتي تقدر بملياري دينار عراقي، ضاع مستقبل أبنائي وأحفادي، بل ضاع تاريخي وإرثي، فكلّ شجرة في أي من بساتيني لها حكاية تختلف عن الشجرة الأخرى".


ونوّه أبو عواد أنه قام بمراجعة الحكومة المحلية في ديالى، وقدّم عدّة دعاوى مطالباً بحماية بساتين النازحين، إلا أنّ الأمر لا يتعدّى الوعود في ظل ما وصفه فوضى تعمّ مدينته التي يسودها الخراب.


تغيير طبيعة الأرض والبساتين الخصبة


farms in diyala

"خسائر لا تقدّر بثمن "هكذا يصف المهندس الزراعي عمار ألعزي خسارته، فهو كان يملك 70 دونما من البساتين المزروعة، وعن تفاصيل ما حصل معه يقول ألعزي لـ "هافينغتون بوست عربي" إن " حالتي كحال غيري من النازحين حرمنا من العودة إلى القرية وكان كل ما يشغلني أن أعرف ماذا حلَّ ببستاني، غير إني صُعقت بخبر حرقها".

وأضاف ألعزي إن "حرق الأرض له تبعات خطيرة أهمها الخسائر المادية التي لم تُكلف الدولة نفسها لإحصائها، وحتى لو أحصتها فهي لا تقدر بثمن نظراً أن تلك البساتين لا يمكن تعويضها".


وبيّن ألعزي أن الخسائر المادية تتبعها تغييّر لطبيعة الأرض، والتي يصعب زراعتها مرة أخرى كونها احترقت وتعرضت لحرارة وجفاف شديدين، كما يعكس هذا التغيّر تغيّرٌ آخر لطبيعة ديالى التي عرفت ببساتينها وأرضها الخصبة، فضلاً عن ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية وحرمان محافظات العراق الأخرى من تلك المحاصيل التي كانت تنتجها البساتين وتصدرها ديالى.


الزراعة تواجه كارثة حقيقية



وبحسب خبراء اقتصاديون، فإنّ الزراعة تواجه كارثة حقيقية، بسبب طول أمد الحرب، ما تسبب في خسارة العراق نحو 50 في المئة من مجمل الأراضي الزراعية التي تعتمد عليها، كما إن المزارعين هم الأكثر ضرراً من انهيار القطاع الزراعي، لاسيما في محافظة ديالى ونينوى وصلاح الدين وكركوك الانبار، بعد دخول داعش في العاشر من يونيو/حزيران العام الماضي لتلك المحافظات، واستمراره الحرب مع المليشيات، وقد نزح إثر ذلك أكثر من ثلاثة ملايين شخص من مختلف المدن.

تقع محافظة "ديالى، ومركزها بعقوبة 57 كم شمال شرق العاصمة بغداد، في القسم الشرقي من وسط العراق، تبلغ مساحتها 17,685 كم²، ولها حدودها مُمتدة شرقًا مع إيران، ما جعلتها عرضة للحروب، ويطلق العراقيون على ديالى تسمية مدينة البرتقال، حيث تشتهر بزراعته، ويشتهر قضاء المقدادية بزراعة الرمان، كما أنها تعتبر سلة العراق الغذائية، وحديقة بغداد الخلفية، وتضم ديالى ست مدن بعقوبة مركز المحافظة، المقدادية والذي يعرف محليًا بـ"شهربان"، خانقين، بلدروز، الخالص، وكِفري، كما وتمتد فيها سلسة جبال أو تلال حمرين، بالإضافة إلى حوض حمرين وبحيرة السعدية.