الراب التونسي.. من فن "سوقي" إلى سلاح ثوري

تم النشر: تم التحديث:
ARRAB
هافينغتون بوست عربي

من الأحياء الشعبية الفقيرة إلى الصدارة في المشهد الاجتماعي والسياسي، ومن شريحة اجتماعية مهمّشة إلى صوت مرتفع ناقد، هذا هو حال فن الراب في تونس قبل وبعد سقوط نظام ابن علي، فهو اليوم ينتقد ويثور ويعبّر ويحسب له ألف حساب.

حمادة بن عمر البالغ من العمر 26 عاماً هو أول من برز على ساحة غناء الراب مع انطلاقة شرارة الثورة التونسية في مدينة سيدي بوزيد 2010، ففي الوقت الذي التزم فيه الفنانون والإعلاميون الصمت خوفاً من النظام، ثار عمر.

"ريس البلاد" رسالة مباشرة لابن علي


هموم المواطن التونسي هي الموضوع الأساسي في أغاني عمر الملقب بالجنرال ومن الأغاني التي لاقت صدى كبير في تونس هي أغنية ريس البلاد، وعنها يقول لـ"هافنغتون بوست عربي" إنّ "نظام ابن علي الاستبدادي من قمع الحريات وزج الناس الأبرياء في السجون والتنكيل بهم بسبب انتماءاتهم السياسية والإيديولوجية والتضييق على حرية اللباس هي المواضيع التي تناولتها الأغنية لتكون رسالة مباشرة لابن علي ومن حوله".

الأغنية التي بثها مغني الراب الشاب بتاريخ 6 يناير-كانون الثاني عبر وسائل التواصل الاجتماعي كانت سبباً في اعتقاله، حيث اقتحمت مجموعة من الأمن بيته وقاموا باعتقاله واستجوابه في وزارة الداخلية ولكن "التغطية الإعلامية لقنوات إخبارية عربية والضغط الإعلامي الخارجي واحتجاجات الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في إطلاق سراحي وعدم تعرّضي لأي نوع من أنواع التعذيب" على حدّ قوله.

الشاب التونسي الذي أصدر أول أغنية راب وهو بعمر السابعة عشر تمّ اختياره من قبل مجلة تايم الأميركية وقناة "سي إن إن" من بين 100 شخصية مؤثرة في العالم خلال استفتاء مشترك أجرته هاتين المؤسستين الإعلاميتين سنة 2011.

أغنية الراب "ريس البلاد" التي ساهمت في الثورة التونسية


شبح الدولة البوليسية مستمر!


وسائل التواصل الاجتماعي هي الوسيلة الأسهل والأسرع لانتشار أغاني الراب، وهي وسيلة محمد الجندوبي الأساسية أيضاً، حيث اعتمد الشاب البالغ من العمر عشرين عاماً على التواصل الاجتماعي في بث أغانيه التي تحظى بشعبية كبيرة بين الشباب التونسي، ولكن ليس عند الجميع! فهناك من اتهمه "بالتشجيع على التطرف والتحريض على العنف" على حدّ قوله، وأضاف لـ "هافنغتون بوست عربي" موضحاً "أنا قبل كل شيء تونسي ومسلم وأتشرّف بديني ووطني ومن هنا كان اختياري لنوعية أغان أعتبرها هادفة خالية من الكلمات المسيئة دون تقليد أعمى للراب القادم من الغرب وخلق راب ثوري واع وملتزم بقضايا الإنسان".

أما عن الاتهامات الموجهة له بالتشجيع على التطرّف الديني وعلى الإرهاب والعنف يقول "بسيكو ام"، وهذا اسمه الفني، إن "أعداؤه في الفن والإعلام النوفمبري الذي لا زال يخدم السلطة والدولة العميقة يحاربونه لتطرّقه قضايا تعدّ من الخطوط الحمراء كقضية البترول والثروات المنهوبة في البلاد والتضييق على الحريات الدينية".

يرى المغني التونسي أنّ الإعلام كان ولازال جزءاً من النظام وأداة يستخدمها الحاكم والسياسيون لتخدير الشعب بالتالي من الطبيعي مهاجمة كل صوت ثوري معارض، ولم يخف خشيته من عودة دولة البوليس.

انتقد الجندوبي قضايا مختلفة وخاصة تلك التي لها علاقة بمشاكل الشباب العاطل عن العمل والقابع في السجون أو المدمن على المخدرات، أو من يحلم بالهجرة إلى أوروبا عن طريق قوارب الموت، ويضيف الجندوبي "أحذر من خلال الأغاني على قمع الحريات بعد الثورة، وتصنيف الناس على أساس اللحية".

الراب بديل ثوري


arrab

برز فن الراب مؤخراً ليثبت أنّه أكثر قدرة على التعبير عن هموم الناس والالتزام بقضاياهم قبل وبعد الثورة بلغة سلسة وبسيطة بعيداً عن التكلف والرسميات، في الوقت الذي عجز فيه الفن الرسمي عن التعبير عن المزاج الشعبي والشبابي في تلك اللحظات التاريخية التي عقبت الثورة في تونس ولم يخرج الفنانون من خانة التقليدية والدعاية السياسية والحكومية الرسمية.

من جهته اعتبر طارق بالحاج محمد الباحث والمختص في علم الاجتماع أنّ "فن الراب الذي كان حكراً على شرائح اجتماعية وعمريّة معيّنة قبل الثورة تحوّل فيما بعد إلى عنوان لقيم التمرّد والثورة والرجولة، تمرّد للفئات المهمّشة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ومهنياً، وكذلك الفئات الأقل تهميشاً حيت أصبح يستهوي المنحرف والعاطل عن العمل والتلميذ والطالب والموظف والرياضي والأب والابن والفتاة والفتى وأبناء الأحياء المرفهة والفقيرة على حد سواء ومدن الساحل والداخل".

ويذهب بالحاج إلى تحوّل الراب بعد الثورة وسقوط ابن علي إلى ثقافة اجتماعية فرعية مضادة للثقافة السائدة ثقافة ما فتئت تتوسع لتشمل شرائح اجتماعية متزايدة وغير متجانسة لأنها تمكنت من كسر القوالب والنمطية للفن وإنكار المجتمع لها، كم تمكنت من أن تتحوّل إلى جزء من اهتمام الرأي العام بين مؤيد ومعارض، في وسائل الإعلام والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء والمختصين والشخصيات العامة.

التطبيل للحكام مستمر!


arrab

برز أحد فناني الراب ويدعى كافون إلى جانب الرئيس التونسي الحالي الباجي قائد السبسي خلال حملته الانتخابية الماضية ووجهت له وقتها انتقادات من أصدقاء له في نفس الميدان، واتهم "ببيع ذمته" لا سيما وأنه اشتهر بنقده في أغاني سابقة السلطة الحاكمة ورجال الأمن والوضع الاجتماعي للطبقات المفقرة في الأحياء الشعبية في تونس وغنى أغنية "حوماني" إلى جانب صديقه مغني الراب محمد أمين حمزاوي والتي وصل عدد متابعيها عبر يوتيوب الى نحو 20 مليون مشاهدة وهو رقم قياسي لم تبلغه أي أغنية تونسية.

وقد وصل الأمر إلى حدوث قطيعة ومشادات لفظية بين الصديقين حيث كتب حمزاوي حينها تدوينة عبر حسابه الرسمي على فيسبوك موجهاً انتقاداً لاذعاً لكافون قائلا فيها "وفجأة أصبحت على فراش كل حزب قريب من السلطة، يسقط من كان صديقا وأصبح متملقا".

وفي هذا الصدد علّق حمزاوي على الهجوم الذي شنه على صديقه كافون

لـ "هافنغتون بوست عربي" أنّه "غير نادم على ذلك الوصف بعد أن أضحى كل فنان قابل للشراء والبيع بثمن بخس في مزاد السياسة"، وأضاف "كنت أظن أن التطبيل للرؤساء انتهى بنهاية حكم بن علي وقيام الثورة التي أعادت للجميع كرامتهم لكن يبدو أنني كنت مخطئاً".

حمزاوي أعرب أيضاً عن خشيته من عودة "الدولة البوليسية" والضغوطات التي تمارس على حرية التعبير لاسيما مع سن قانون الإرهاب الجديد ويرى أن اعتماده في بعض الأغاني على كلمات "سوقية" لا يمثل له أي إحراج طالما اقتضت الضرورة دون أن يعمم ذلك على باقي أغانيه.

وفي السياق نفسه أصدر فنان الراب الجنرال أغنية دعم فيها المرشح السابق للرئاسة المنصف المرزوقي ويقول إنه لم يندم على ذلك وأن اختياره كان عن وعي ويبرر قائلا "بعد الثورة عاود نظام التجمع وفلول بن علي الظهور ونظموا صفوفهم ضمن أحزاب جديدة ساهم خلالها الإعلام في تبييض صورتهم أمام الرأي العام من هنا كانت مساندتي للمرزوقي ليس حباً في شخصه بل من باب أنه يمثل المعارضة الشريفة والحقوقي المدافع عن الحريات".

الراب ولعبة السياسة


الراب الذي ولد من رحم الأحياء الشعبية الأكثر فقراً وجهلاً في تونس وظل لسنوات عصياً على الحاكم والدولة وشوكة في خاصرة النظام تحول هو أيضاً إلى أداة تتقاذفها أمواج السياسية يميناً و شمالاً بعد الثورة وكسائر التونسيين قسمت السياسة فناني الراب بين مؤيد لهذا الحزب السياسي ومعارض لذاك، بل وتحّول بعض فناني الراب إلى وقود للمعارك السياسية الطاحنة واستخدموا في الحملات الانتخابية إبان الانتخابات الرئاسية بين الرئيس السابق المنصف المرزوقي والرئيس الحالي الباجي قائد السبسي حيث اقتنص السياسيون القاعدة الجماهيرية لهؤلاء.