"الحرارة والغبار" في مخيمات اللاجئين السوريين بالأردن: نقمة الطبيعة

تم النشر: تم التحديث:


ما كاد الخمسيني "أبو إبراهيم" يتمكن من محو صور موجة الثلج الأخيرة وما خلفته من معاناة له ولأسرته، حتى وجد نفسه وجهاً لوجه أمام معاناة جديدة لا تقل ألماً عن سابقتها.. الحرارة والغبار.

فالرجل كان غادر حمص قبل سنتين و8 أشهر، ويعيش الآن في المخيم مع أبنائه وأحفاده في "كرفان" قدمته لهم إحدى الجمعيات الخيرية العاملة في "مخيم الزعتري" للاجئين السوريين في الأردن.

"التراب والغبار غطى المكان، وتقطعت أوصال الناس، ومتنا من الحرارة الشديدة التي لا نستطيع التعامل معها، وأولادنا على أبواب الاختناق والموت، وليس لنا معين إلا الله".

هكذا يصف الحمصي "أبو إبراهيم" حاله وحال أكثر من 85 ألف نسمة (عدد سكان المخيم حالياً) معه خلال اليومين الماضيين، "فالكهرباء مقطوعة طوال اليوم، ولا تأتينا إلا بعد الساعة الثامنة مساء وتغادرنا مع رحيل الليل عنا، ونبقى طوال النهار بلا كهرباء".

"هنا بداية المصيبة" كما يقول أبو إبراهيم، "لأننا لا نستطيع البقاء داخل الكرفان الذي لا يقينا ولا يخفف عنا حر الجو وفي نفس الوقت لا نستطيع مغادرته فدرجة الحرارة في الخارج لا تقل عن خمسين درجة مئوية".

المعاناة الأكبر مع الأطفال والصغار "فلا أستطيع السيطرة على أحفادي ولا أتمكن من حبسهم داخل الكرفان الملتهب أصلاً وإذا ما خرجوا تصبح إمكانية إصابتهم بضربة شمس واقعة لا محالة وخصوصاً وقت الظهيرة".

فالأماكن و المرافق العامة داخل المخيم لا يتوافر فيها تكييف ولا أي نوع من أنواع التبريد وحتى لو توافرت فلن تستطيع الوصول لذلك المكان لانعدام وسائل المواصلات إضافة إلى بعد المسافات واستحالة السير على الأقدام.

وعند سؤالنا عن الوسائل أو الطرق التي يلجؤون إليها للتأقلم مع هذه الأجواء، يطرق أبو إبراهيم قليلاً، ثم ينظر إلينا بعيون مليئة بالخيبة ويقول "هي وسيلة وحيدة ويتيمة ولا نملك غيرها، الماء، حيث نقوم بغسل رؤوسنا وأجسامنا كل ربع ساعة مرة وهناك من يقوم ببل قميصه بالماء ومن ثم وضعه على جسمه".


و عن تقييمه لهذه الوسيلة وفعاليتها رمقنا أبو إبراهيم، بنظرة جانبية وابتسامة صفراء رسمت نفسها على شفتيه بينما لسانه وكل ما فيه ينطق بكلمة: وسيلة فاشلة، ثم يكمل "هذه حيلتنا وهذا ما نملك هذه الأيام، ولو توفر لنا بديل عنها لن نعود لها".

فلماذا هي فاشلة؟ أجاب الرجل "بصراحة نحن نضحك على أنفسنا، هذا القميص المبلل لا يسمن ولا يغني من جوع، لأننا نقيم في منطقة صحراوية جوها حار جداً، وفي هذه الأجواء وبمجرد وضعك للقميص على جسدك الساخن فبالكاد يستمر شعورك بالبرودة من 20 إلى 30 ثانية فقط، ثم لا تعود الأمور إلى سابقتها، وإنما إلى أسوأ مما كانت عليه، بسبب عدم نظافة الماء أصلاً إضافة إلى أن القميص المبلل يمتص العرق الموجود على الجسم فندخل في معاناة جديدة تضاف لسجل معاناتنا اليومية".

من يساعد؟


azztry

و عن دور الجمعيات وما تقدمه في مثل هذه الظروف قال الرجل إن أغلب الجهات العاملة بالمخيم أعلنت مسبقاً أنها لا تستطيع العمل ولا تستطيع التعامل مع موجة الحر الحالية - مع العلم (والكلام لأبي إبراهيم) أن المنظمات مجهزة بالكهرباء– ولكنها ورغم ذلك آثرت الانسحاب من الموقع وأعطت موظفيها إجازات حتى نهاية موجة الحر، وبقي بعض المتطوعين من داخل المخيم وممن قدموا من خارجه يساعدون الناس ولكن تنقصهم الإمكانات.


عبد الفتاح الحريري، وهو من الشباب الناشطين داخل المخيم، أخبرنا بوجود فرق شبابية من الجنسين قامت وفور وصول خبر موجة الحر هذه بتقاسم الأدوار فيما بينهم وتوزيع أنفسهم على أحياء وحارات المخيم ثم انضم إليهم بعض الشباب المقيميين خارج المخيم– من أبناء سوريا والأردن – الذين قدموا ومعهم الماء الذي تم توزيعه على حارات المخيم وبعض المراوح التي لم نستطع الاستفادة منها لانقطاع الكهرباء نهاراً عن كامل حارات المخيم.

وفي الجانب الطبي توجهنا إلى المشفى السوري العامل على مدار الساعة لخدمة المخيم والقاطنين فيه والتقينا أسامة الزعبي– وهو من الفريق الطبي المشرف على المشفى– والذي أكد لنا عدم وجود أي حالة وفاة جراء موجة الحر هذه– لا في هذا المشفى ولا في غيره- ولكن هناك الكثير من حالات الاختناق والاختلاج جراء الغبار إضافة إلى المعاناة المستمرة لأصحاب الربو والأمراض الصدرية والذين تزداد معاناتهم في هكذا ظروف.

فليس الحر وحده من يعكر صفو قاطني المخيم فموسم الشتاء هو الأخر لا يقل ضراوة عن الصيف في بثلجة وبرده القارس.

فيقول "أبو ابراهيم" عن أحوالهم في الشتاء الفائت وما إن انتهينا من السؤال حتى تتالت الأجوبة من "أبي إبراهيم" تسرد تفاصيل دقيقة لكل ما جرى قبل 7 أشهر في الموجة الأولى، وبعدها بشهرين في موجة الثلج الثانية.

"الثلج غطى المكان، وتقطعت أوصال الناس، ومتنا من البرد"


mkhymazztry
هكذا باختصار يلخص أبو إبراهيم معاناة أكثر من 80 ألف سوري يعيشون في المخيم ويعانون الآلآم على مدار العام بسبب الظروف البيئية التي لا دخل لأحد فيها.