المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

زهرة منصور Headshot

إضاءات أورويل

تم النشر: تم التحديث:


الولاء يعني انعدام التفكير، بل انعدام الحاجة للتفكير، الولاء هو عدم الوعي.

كنت أقرأ في "رواية بجعات" برية الدراما الصينية في حياة نساء ثلاث، اعتمدت كاتبتها على سرد كفاح جدتها وأمها وهي أيضاً في ظل تعاقب الحكم والسياسة في الصين من الإمبراطورية للاحتلال الياباني إلى سلطة الكومنتانغ القمعية حتى الثورة الشيوعية، الروايات التاريخية السياسية لها الأثر الأكبر في تصورنا لواقعنا وتكوين رؤيتنا، وقرأت قبلها رواية "حفلة التيس" التي تحكي عن التاريخ السياسي الدّموي للدومينيكان في حكم الطاغية تروخييو، رواية شاقّة، يُعبّر فيها ماريو بارغاس يوسا بكل وضوح عن تصوره للسياسة بكونها "هي شقّ الطرق بين الجثث" بمعنى اتخاذ أي بلد كمزرعة خاصة وأنّ الحكم المطلق الشمولي الديكتاتوري لا يختلف في أي وقت أو مكان. تظن حقّاً أن هناك كتابا يحتوي على تعليمات ونصائح لتكون الأكثر وحشية وقهراً لشعبك!، وقرأت قبلها رواية "لقيطة استانبول" التي تطرّقت لقضية الأرمن من كاتبة تركية! إليف شافاق كانت الأجرأ والأشجع لتطرح مثل هذه القضية في قالب روائي اجتماعي ممتع! تحدثت عن الأرمن والمذبحة والتشريد والعذاب الذي رافقهم وشتّتهم وباتوا يعانون من أزمة الماضي والحاضر والمستقبل مع الأجيال المتعاقبة خوفا أن تتجاوز محنة أجدادها، الأرمن متمسكون بحقّهم على الأقل باعتذار تركيا، في النهاية اعطتنا إليف شافاق درسا ملخّصا مفاده أننا نحب اللعب على وتر الضحية!

الروايات الثلاث تحكي عن صراعنا مع إنسانيتنا، تمسّنا وتحاكي حياتنا كضحايا وجلادين ضدّ أنفسنا وضدّ بعضنا..

خرجت من هذه الرواية بفكرة متى عشنا في رخاء؟ في استقرار؟ في حرية؟ في ثلاث بقاع مختلفة شهدت الإنسانية قتلا بالتدريج وارتكبت أعظم المذابح والمجازر في حقّها! أينما كان الإنسان فهو مُعذب ومقاتل من أجل ماذا؟ إنه يموت في سبيل الحياة الكريمة! تزامنت أحداث الروايات الثلاث مع احتلال فلسطين ونكبتنا ونكستنا في سبيل أرضنا وسمائنا، تذكرت بأننا لسنا وحدنا في معركتنا من أجل حقوقنا! لسنا وحدنا الضحايا والمسحوقون في سبيل الحياة، لا أدري كيف يهوّن علينا تقديم التضحيات في معرفتنا بأن غيرنا أيضا يخوض بكل بأس وقوة من أجل حقوقه! لكن حتما هذا يجعلنا نفهم أكثر قضيتنا ونتشبث بها ونراها بوضوح أكثر.
رأينا موقف بعض الفلسطينيين خلال الثورات العربية منهم من يتقمص موقف الأرمن في أننا نحبّ أنفسنا ضحايا مسحوقين أكثر من حبنا للحرية وهذا ينطبق علينا كأفراد عندما تلبسنا حالة الحزن والشعور بالعجز والظلم!! قابلنا الثورات بامتعاض وبحماس أقل لأننا أيضا اعتدنا على المذاق المرّ لفكرة الاستقلال والحرية، وأدمنا سماع المؤامرات ولأن قضيتنا بطبيعة الحال تتأثر بمواقف الحكومات العربية الهشّة وبأزماتها، وهكذا نجد قضيتنا على الهامش وليس من أولوياتها مراعاة طفولتنا، وكأنها كانت لنا دوماً ناصرا قبل الثورات! لا نريد الاعتراف أننا مغرورون، فنقول تُركنا وحيدين في مجابهة العدو الإسرائيلي وأننا خُذلنا حقّاً، وهذا حدث فعلاً لكن نحن بحاجة لعصف ذهني أكثر! لنعلم هل شاركنا بخذلان أنفسنا؟!

يقول أُورويل: "لن يثوروا حتى يعوا ولن يعوا إلا بعد أن يثوروا"

كشباب وأبناء هذه القضية الفلسطينية وبعد أن مضى ما مضى، نحتاج إلى أن نقف مع أنفسنا ونعلم كيف انتقلت قضيتنا من الثورة إلى السِّلم إلى هذا الحال المُزري على المستوى السياسي وحتى الاجتماعي والحزبي. من هنا يبدأ البحث، كطالبة هتفت في المدرسة لأبي عمار وخرجنا في ذكرى النكبات وذكرى الاستقلال عام 8819 وبعدها بذكرى رحيل القائد ياسر عرفات وغمرنا الولاء المطلق للثورة ، حان الوقت لندرك تاريخنا ولماذا وصلنا إلى هذا الحال؟
في ظني كان من ضمن الأخطاء الكبيرة التي ارتُكبت في حق القضية الفلسطينية هي اعتراف السادات بإسرائيل لكن سبقه خطأ أعظم.. هو الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد عن الفلسطينيين. المشكلة ليست بسعيها وبمفاوضاتها السرية في الاتصال مع إسرائيل وفي ايجاد حل سيّاسي! لأنه مع ذلك جميع الاحتمالات لحل القضية واردة. المشكلة الأكبر بأنها كانت توهم الشعب بالثورة وبالتحرير وبالحرية وبالأمن، المشكلة أنّها انفردت بهذه المزرعة التي تسمى فلسطين متجاهلة الدمار الذي لحق بشعب يعلق آماله عليها.. الاتصالات هذه بدأت عام 1977! ماذا يعني هذا التاريخ؟ يعني أنّها تاجرت بنا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ومازالت هذه المنظمة مع كهولتها وتقلّب مساراتها تحكم قبضتها سواء بسلطتها أو حتى بانقساماتها وتقسيم الشعب معها كلٌّ يتبع قائده وعلمه وأغنيته ولا أدري إذا كان وطنه ينفصل عن هؤلاء.

"إن كان هنالك من أمل، فالأمل يكمن في عامّة الشعب"

هذا ما أثبتته الانتفاضة الأولى التي تفاجأ بها أبو عمار نفسه في وقت كان يستعد لنبذ "الإرهاب" وللمزيد من التنازلات! وثورات الفلاحين سابقاً وتضحيات جنود عرب لم يكن لهم هدف سياسي ولا اقتصادي سوى الانتصار، كانت الانتفاضة تنبع من معاناتهم لم يكن يحركهم سوى أرضهم المغتصبة والذل الذي لاحقهم من عدو يفوقهم عتاداً وعدداً.. لم تحكمهم ايديولوجية حزب أو مصالحه السياسية مع أي حكومة عربية، كانوا يملكون كلمتهم!وهذا ما نحتاجه لتظل القضية بعيدة عن أي متاجرة.
مشكلة تكريس المجتمع الطبقي تظل أعمق وأشد تعقيدا، إذ ليس هنالك غير أربع "طرق لإزاحة فئة حاكمة عن سدة الحكم، فإما أن يتم قهرها من قبل عدو خارجي، أو أن تحكم بطريقة تعوزها الكفاءة وهو ما يدفع الجماهير للثورة، أو أن تسمح لمجموعة من الطبقة الوسطى القويّة والساخطة بالتشكل والظهور، أو تتزعزع ثقتها بذاتها وتفقد الإرادة في الحكم. ولا تعمل هذه الأسباب منفصلة بعضها عن بعض، فغالبا ما تجتمع معا بدرجة أو أخرى".
وهذه النتيجة، تلك الطُرق الأربعة تؤدي إلى سيادة طبقة واحدة وتمركزها في السلطة، نحن نحتاج لإزاحة الفئة الحاكمة بشكل جذري وهذا يأتي بتغير واسع في ثقافة المجتمع ونظرته للثورة وتقديم تصور معين للعدالة الاجتماعية بعيداً عن السعي نحو سُلّم السلطة والتحكم لكن كيف ذلك؟ وأصبح لدينا جماعة لها الغطاء الوطني مع حرصها على السعي للسلطة والمال من أصغر مسؤول وفرد في الشعب إلى أكبر رأس فيهم. تعززت هذه الأهداف في كل جماعة منتفضة يعطشونهم ليعيدوا الكرة نفسها، لذلك لا ينفع بناء ثورة قائمة على الحقد على الفئة الحاكمة في تصرفاتها فقط، بل أن يوجد فكر مناهض نسعى لتحقيقه وإشاعته أكثر من مجرد استلام سُلطة، لأنه عند الوصول لها طبيعي جدا أن ينسوا المبادئ التي أوصلتهم لها.

" ثائر اليوم هو طاغية الغد" التحذير الأخير

الثورة ليست جريمة والحق بيِّن، لكن اليوم وُضِعنا في قالب ننسى فيه ماضي قضيتنا وجذور مقاومتها، وهكذا ينظر لنا العالم ليس كضحية حتى ولا كشعب مُحتل بل ينظر لنا كإرهاب وقد يأتي زمن فيما بعد نتساءل من احتل الآخر من هو الإرهابي؟!
المشكلة تكمن في تمجيدنا للبطولات الفردية ! ولنتجاوزها بحاجة لهبة شعبية والآن نشهد أحداثا قد تكون فارقة في تاريخ قضيتنا، قد تعود انتفاضة حقيقية حتى في أفكارنا ومشاعرنا وأهدافنا وإن لم تحقق مرادها على الأرض، على الأقل في نفوسنا لنستمر في مسيرتنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.