المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يثرب يونس Headshot

شارعنا..

تم النشر: تم التحديث:

يحكي التاريخ عن شارعنا كثيراً لما يتميز به من عبق الماضي المطرز بمبانٍ قديمة عريقة، ونافورتين جميلتين وساقية قديمة تروينا بمائها العذب.. شارعنا يحتل مكانة متميزة بين الشوارع المجاورة وأهله طيبون مسالمون.. وبما أن لكل شارع "كبيره" يقوم على متابعة مصالحه وقضاء أموره وحوائجه وحمايته وإدارته فلشارعنا أيضا "كبيره".

كبيرنا..
هل اختاره القدر لنا أم نحن اخترناه بنية ساذجة وقلة حيلة والكثير من الطيبة أو لأن بيته كبير وعائلته ممتدة في شارعنا من 60 سنة.. وأصحابه لهم الكلمة العليا في شارعنا لما يملكون من معدات نحتاجها لتأميننا! على كل الأحوال أصبح كبيرنا وعلى يده تُقضى مطالب حياتنا..

وبما أنه كبيرنا.. كان أولاد جيراننا "حسام، سيف، فارس".. رجاله المقدمين علينا والذين يسهرون على حمايته قبل أن يحمونا!
ويفرضون كلمتهم على الصغير فينا وعلى عجوزنا، ويقضون له أموره حتى لو على حساب أمورنا، ويساعدونه في كل كبيرة وصغيرة علينا أو على الشوارع المجاورة لنا.
وكان إمام مسجدنا "الحاج محمد" يدعو له في صلاتنا، ويطلب منا السمع والطاعة لكبيرنا حتى ننول رضى الله علينا، ويحذرنا إغضابه حتى لا يسخط الله علينا، ويدعونا أن نوافق على كل ما يطلبه منا لأنه أعلم منا بمصلحتنا وأمورنا!

و كان شريكا لـ"عم عيسى" الصائغ في محله، فيشاركه في أرباحه وإيراداته، بالرغم من أن عم جورج هو من يقوم بصنع الذهب وتشكيله وتخزينه وبيعه!
و لأنه كبيرنا.. كان هو من له الحق في التحدث لنا عبر مكبر الصوت الذي اشتراه ويمتلكه بأموالنا.. ليُعلمنا بقراراته علينا ولأنه وضع لنا في شارعنا سماعات صوت كنا نسمعه فقط ولا يسمعنا!

وجعل البيت المهجور على أطراف شارعنا مكانا يضع فيه كل من يتطاول عليه ويطلب أكثر من حقه "الذي حدده كبيرنا" أو يقتنص خيرات الآخرين دون إذن كبيرنا!
كبيرنا.. كريم في عطائه فقد حدد لكل أسرة في شارعنا بضعة أرغفة خبز والقليل من الخضراوات ولا ننكر أنه كان يصرف لنا قطعا من اللحم في الأعياد.. وكنا ندعو له.. ربنا أدم علينا نعمة الفقر فمعظم سكان الجنة من الفقراء!

ولأن العين لا تعلو على الحاجب.. فلا يصح أن يتكلم باسمنا إلا كبيرنا مع كبار الشوارع المجاورة لنا ويقوم بالاتفاق معهم على ما فيه مصالح مشتركة وحل مشاكلهم "قبل مشاكلنا دون الرجوع لنا" وجعل بعض أولاد شارعنا يقومون بحل مشاكل الشوارع المجاورة لنا ومناوشاتهم دون أن يكون لأولادنا حق الرفض في مهمة ليست تخصهم ولا صالح لهم فيها!

ويجب أن نذكر أن "عادل، فهيم، رزق، مؤمن" قد خرجوا من شارعنا وتسللوا في ظلام الليل وغادروا شارعنا إلى شوارع أخرى ربما بحثاً فيها عن مناخ أفضل من مناخنا! ولا أنفي أن كبيرنا كان يدع بعض أولادنا يغادرون شارعنا والعودة له متى أرادوا بعد أن يأخذ منهم مقابل سماحه لهم بالخروج وكرمه على تحمل فراق أولادنا!

لا ننكر أنا وابني.. ومن قبلنا جدي وأبي، أننا عشنا في نفس البيت نتوارثه ونحمد الله أن لنا جدارا يسترنا وبيت يأوينا بفضل الله وبفضل كبيرنا الذي تركه لنا بعد شرائه للكثير من البيوت في شارعنا!
"يتبع"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.