المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يثرب يونس Headshot

الكعبة والحنين

تم النشر: تم التحديث:

لن نبالغ إذا قلنا إنه لا يوجد مسلم أو مسلمة لم يتعجب في صغره من حنين والديه وأجداده المتجدد في كل عام للذهاب لأداء فريضة العمرة أو الحج!

وكنا نتساءل: كيف تهوى النفس المشقة في تأدية مناسك الحج أو العمرة؟ وكيف تقوى عليها مع تقدم العمر وبدأ ذبول الصحة؟!

ألا يكفي مرة واحدة في العمر كما حددها تشريع ديننا السمح، واقتداءً برسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الذي حج مرة واحدة فقط؟

ولماذا يستجمع الزائر لبيت الله الحرام المال والصحة ليعيد الزيارة كل عام، ألم يكفه ما رأى من أماكن مقدسة وقبر النبي والكعبة المشرفة؟!

أسئلة ساذجة، كنت أطرحها في صغري، الى أن جاء اليوم الذي أراد فيه الله أن يجيب عن تعجباتي، ولكن الله - جل علاه - أزال تعجبي وأحل محله الإبهار.

شاء المولى أن يريني مكة وجبل النور والكعبة المشرفة والروضة الشريفة "بين قبر الرسول ومنبره"، وقبر الرسول وصاحبيه "أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب"، ويريني جبل أحد كما ذكره الرسول "أحد جبل يحبنا ونحبه"، ويريني ولو من بعيد غار حراء، حيث هبط الوحي جبريل (عليه السلام) على النبي لأول مرة، ولأرى مكان قبر السيدة خديجة أم المؤمنين (رضي الله عنها)، والبقيع حيث دُفن الصحابة والسيدة عائشة (رضي الله عنهم وأرضاهم)، وأراد المولى أن يجيب عن استفهاماتي البريئة، لكن بما يتناسب مع عظمته وجل جلاله.

حينما دخلت الى الحرم المكي مهرولة، متعجلة، مسرعة، كأني على ميعاد مع الله الذي دعاني وقدرني حتى ألبي النداء، وبعد عبوري مدخل الحرم فإذا بي أمام الكعبة المشرفة مباشرة ولأول مرة، نعم رأيتها كثيراً في التلفاز، كل يوم وكل أذان، نعم أعرف حجرها الأسود وكيف أنه حجر أبيض من الجنة اكتسب سواده من خطايا بني آدم، لكن اختلفت رؤيا الصورة عن الواقع حين استشعرت عظمة المكان وهيبته.

ما إن وقعت عيناي على الكعبة حتى سحرتني المشرفة بإجلالها، فأصبحت أطوف في فلك من نور ليس على الأرض بل في فلك الزمان، فبدأت بالطواف بين أعمالي، ذنوبي، أحبابي، هنا بدأت رحلتي بين يدي الله (عز وجل)، حيث أراد المولى أن يريني دنياي بكل ما مضى منها، من عمل، فقد، احتياج، فرح، ألم، فرأيت عباداتي ضئيلة في ظل شعوري بعظمة الله، ورأيت دنياي لا تستحق المعاناة بل الزهد فيها هو طوق النجاة.

شعرت برهبة شديدة لأني أطوف تحت عرش الرحمن، وأحسست بالألفة للمكان كأني أطوف على الأرض مع رسول الله، وأسمو مع الملائكة في السماء، وبدأت أناجي ربي فإذا بصوتي يفقد صداه، ولم يعد يسمعه إنسان، فعرفت أن الله سبحانه وتعالى يطلب منجاتي بنبض قلبي المتسارع الطالب من الدنيا النجاة، وبذرف دمعي الطالب للعفو والغفران.

وأخذت وجنتي في الاحمرار لشدة خجلي من ذنوبي وأنا أطوف بين يدي الله، وأخذ عقلي يذكرني بأفعالي وأعمالي لأستغفر الله عليها، حتى لا أترك معصية أو ذنباً لي دون عفو، ومع كل خطوة في الطواف كان لي ذنب أستغفر الله منه، وطلب أطمع فيه من الله المنان.

وكأن الكعبة فيض رحمة لكل من ظمأ لرضا الله، فاستغفرني يا عبدي كي تنول عفوي، وادعوني ألبي لك رجاءك، وبدمعك أغسلك وأطهرك من خطاياك، وبخجلك من ذنوبك أمحوها وأجعلك من التوابين، ومن عباد التواب.

شعرت بأن الدنيا وما فيها حِمل ثقيل قد خلعته عند أعتاب الرحمن، وزهدت في دنياي حين تذوقت الأمان بين يدي الله.

7 أشواط تمر مسرعة في تناغم كوني، فيه يذوب الفؤاد في حب الله، وتطيب الدمعة في غسل الخطايا واستشعار الندم، وتمتلئ الروح بالسكينة، وتسمو النفس الواقفة على باب الرحمن طالبة الجنة، طامعة في الغفران.

هي دقائق تطوف بك خلال عمرك بأكمله، مستعرضة زلات النفس وحوائجها، تذكرك بصغر حجمك أمام الخالق، وبكبر معصيتك أمام الغفور، وبشح نفسك عن الخير أمام الكريم، وبغفلتك أمام المجيب.

وتنتهي مناسك العمرة وأعود لبيتي، لكني أشعر برغبة شديدة في العودة لمكة، للكعبة، كأن شيئاً ينقصني، أو كأن هاتفاً يستدعيني، فيتجدد الشوق للكعبة وللعمرة، بل للحج لكي أنهل من مناسك الحج ما يروي اشتياقي للقاء الله في بيته الحرام، وإذا بدعاء سيدنا إبراهيم (عليه السلام) يتجسد (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (37).

وأصبح كمن سبقوني، يهفو فؤادي لتكرار الحج والعمرة، كالظمآن الذي لا يشبع مهما ارتوى من فيض الرحمن، ويغمرني الحنين للقاء يدعوني فيه الله كلما طلبت رضاه، لأكون بين الملبين والساعين في رحاب الله.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.