المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

يثرب يونس Headshot

الخطبة بين الأزهر والأوقاف

تم النشر: تم التحديث:

جاءت الرسالات السماوية لتنير عقول الجهلاء، ولترشدهم للسبيل إلى الله وحده لا شريك له، فمنهم من عبد النار، ومنهم من عبد الأوثان، ومنهم من عبد البقر "ولا يزالون"، والأمثلة كثيرة على الشرك بالله العلي الكريم، في عقول مظلمة بجهلها بالله وعظمته.
جاءت الرسل بدعوة التوحيد، ولإقناع الناس وهدايتهم إلى الله؛ يبدأ الرسول الإجابة عن تساؤلات الناس عن قواعد حياتهم وتصرفاتهم ومعاملاتهم، ويحدد واجبهم ويُظهِر حقوقهم في الحياة في ظل ذلك الدين وتحت لواء صاحب التشريع الله عز وجل.
الديانات السماوية هي أول الطريق للعلم؛ العلم بالله، بالحياة، بحقوق الآخرين، وواجبات الفرد اتجاه ربه ومجتمعه، إيمانا منه بأن الجميع سواسية عند الحساب أمام الله في الحقوق والواجبات والثواب والعقاب.

ولأن بعد الرسل يأتي الولاة، وفقهاء الدين وشيوخه، يظل الدين مسؤوليتهم.
ولأن لكل دين أعداءه، كما لكل دين حماته، نعرف كيف نسخت الأديان بعضها بالتعاقب، وتولّد الاحتقان بين معتنقي الأديان المتعاقبة، فكان من الضروري أن يكون لفقهاء الدين وشيوخه وقساوسته دور في وأد وإخماد النعرات الطائفية والدينية بين الديانات بقاعدة اتبعها الرسول (صلى الله عليه وسلم) "لكم دينكم ولي ديني".

من هنا، نجد أن واجب الأزهر عظيم، وعلى عاتقه مسؤولية أمة من المسلمين المصريين الذين يبحثون عن تعاليم الله في دروس العلم الديني للمشايخ في برامج الفضائيات الدينية، في محاضرات الفقهاء وكبار علماء الأزهر في المساجد، في كتب الفقهاء الأولين، أو قد نجده في إفتاءات الشيوخ التي لا تنتهي في جميع أمور الحياة... وغالبا، يبحث المصري عن إجابات كثيرة لتساؤلاته المختلفة في أمور دينه وحياته ومعاملاته في خطبة الجمعة من كل أسبوع، وما يتم بعدها من إجابة الخطيب أو إمام الجامع عن تساؤلات مصلي الجمعة.

هنا، كانت البداية، وهنا باتت النهاية مع الأسف، اعتمد المصريون على إيجاد لكل ما يتعلق بحياتهم من معاملات مادية وشخصية ومجتمعية ومشاكلهم حتى في أفراحهم وأحزانهم، ولْنختصر ونقل في يومياتهم التي يجهلون رأي الدين فيها، وكان ملاذهم شيخ الجامع الذي يحرصون على الوجود فيه خلال صلاة "الجمعة خاصة" لانشغالهم طوال الأسبوع بالعمل، ولعدم قدرتهم على تخصيص وقت أكبر للمسجد فيما عدا يوم الجمعة.
لا ننكر أن إفتاءات الشيوخ قد تكون متضاربة، فنجد شيخا يحلل ما حرمه شيخ آخر، ونجد إفتاءات مواكبة للعصر وأحوال المسلمين في وقتنا الحالي، وقد نجد إفتاءات رجعية متشددة متزمتة لا تبيح مجالا لمقولة "الدين يسر"، ولا يخفى على الناس ما نتجت عنه تلك الإفتاءات المتشددة التي أهدرت دماء، وبسببها تكونت مجموعات دينية متطرفة، وهددت الآمنين وأرهبت دولا وشردت شعوبا بأكملها.

ولكن، يظل المسلم البسيط يبحث عن شيخ معتدل يفتي له في أمور دينه وحياته بشكل يقربه من الله وينير عقله بأحكام الدين التي يجهلها.
فبعد أن أصبحت المساجد بؤر تحريض على العنف ورفض الآخر وتحليل دمه وعِرضه، وبين غسل شيوخ المساجد عقول تابعيهم، فينقشون ما يشاءون في تلك العقول البسيطة، فيجعلون من عقولهم المنغلقة قنبلة موقوتة، تستخدم لمصالح إرهابية، أو أعداء للوطن، غاية ما يريدونه انهيار الدولة، وإشعال فتيل فتنة طائفية أو دينية، من شأنها تدمير الوطن وشعبه.

كان يتوجب على الجهات الأمنية طلب قرار من وزارة الأوقاف المنوط بها المسؤولية الكاملة عن ما يحدث في المساجد من خطب ودروس وحلقات علم ودروس فقه، طلب تقيد خطباء المساجد فيما يتناولونه من موضوعات في أثناء خطبة الجمعة، فخرجت علينا وزارة الأوقاف بفرض خطبة جمعة موحدة مكتوبة على خطباء جميع المساجد في مصر، يتم كتابتها من قبل وزارة الأوقاف ولا يتعدى وقتها العشر دقائق!

الأزهر الشريف، متمثل في كبار علمائه وفقهائه، رفضوا القرار ولم ينفذوه، إيمانا منهم بأهمية خطبة الجمعة لدى المصريين، والتي تختلف في مضمونها باختلاف مكان إلقائها، ففي النجوع مثلا تكون خطبتهم مختلفة عن خطبة جمعة الأماكن الراقية لاختلاف الفهم والإدراك والاحتياج الديني والمعيشي، ولأن الخطبة أصبحت مفرغة من هدفها التعليمي والتفقيهي والإرشادي، نظرا لأنها تكتب عن الخطوط العريضة جدا عن الأخلاق لا عن الإسلام في جوهره، وهنا يجب أن نذكر أن خطبة الجمعة الماضية كانت عن النظافة!

وهنا، يطرح التساؤل نفسه: كيف سيواجه الأزهر ومن خلفه وزارة الأوقاف الفتنة الطائفية في المنيا كمثال حي متجسد هذه الأيام في صعيد مصر بدلا من اختلافهم على أبجديات الإسلام، المتمثل في خطبة الجمعة!

كيف سيواجه الفكر الإسلامي المعتدل جموع المسلمين لتوجيههم بعيدا عن التطرف الديني، في حين الخطبة الصماء تحدثهم بعيدا عن مشاكلهم المعيشية التي تهدد بيوتهم وتقتل أبناءهم، في جهل شديد بسماحة الدين وتقبل الآخر، وعدم ترويع الآمنين وتحريم استباحة العرض أو الدم!
فيظل الدين حبيس قرارات وزارة معطلة لوصوله لمن يبحث عن تشريعاته، وبين شيوخ يستخدمونه وسيلة لقيادة الجهلاء علما ودينا. فتجني الدولة كمحصلة نهائية شعبا جاهلا بدينه يكفر بكل ما يجهله، ويرفضه ويلفظه كطريقة خاطئة للإبقاء على دينه في نبذ الأديان الأخرى، عادا إياها ديانات كافرة يجب استئصالها من مجتمعه ودولته بيده، فيصبح الجاهل بدينه مطبقا لما منعه دينه عنه ونهاه عن فعله بكل عفوية وجهل.

ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.