المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد طلب Headshot

الدولار يعقد المعادلة المصرية

تم النشر: تم التحديث:

ربما يدرك المصريون جميعًا الآن لماذا تمت تسمية العملة الأمريكية "الدولار" بالعملة الصعبة!.. فبعد أن بات الدولار هو رمز أغلب الأزمات الاقتصادية في مصر، برز الجوهر الصعب لهذه العملة التي أصبحت تؤرق الصغير والكبير في البلاد، فالجنيه أضحى بلا قيمة أمام العملة الملعونة، والاحتياطي الدولاري يتبخر بسرعة الصاروخ، وبسبب الدولار تطاردنا أشباح الأسعار.. ولكن هل العيب في الدولار؟!

بالطبع الدولار ليس هو الجاني ولكن الجاني هو من تركنا نصل لهذه المرحلة المعقدة، فمنذ يوليو الماضي عندما حرك البنك المركزي سعر الدولار مع بعض الإجراءات التي كان هدفها محاربة السوق السوداء، لم يحدث أي تغير يذكر سوى اشتعال الأسعار وعودة السوق السوداء للنشاط بعد أيام من الهدوء النسبي، وبالرغم من اتفاقي التام مع الجميع أن قيمة الجنيه الحالية أعلى كثيرا من قيمته الحقيقية، فمن وجهة نظري لو ترك الجنيه لقوى العرض والطلب لقفز إلى 12 جنيه للدولار في أيام معدودة.

ولكن لا يجدر بدولة تخشى على اقتصادها وعلى قيمة عملتها أن تعالج الأثر وتترك السبب، فتراجع الجنيه هو أثر لعدة أسباب تدور معظمها حول مصادر الدولار، حيث أن المصادر الرئيسية للدولار في مصر هي: "السياحة، قناة السويس، تحويلات العاملين بالخارج، الصادرات، الاستثمارات الأجنبية، البترول" وجميعها بلا استثناء تسقط بصورة مخيفة، فالسياحة تتراجع كل يوم ولا أدري أسباب ذلك فنحن نمتلك من المعالم السياحية ما لا يمتلكه أحد في العالم، ولكن للأسف أيضا لدينا أسوء إدارة سياحية في العالم.

وبحسب بيانات المركزي فقد بلغت عوائد السياحة للعام المالي 2014/2015، نحو 7.3 مليار دولار، وذلك بعد أن كانت قد تجاوزت حاجز الـ 13 مليار دولار في العام المالي 2009/2010، وهي معدلات يستحيل الوصول إليها الآن، في ظل الظروف الداخلية المصرية السياسية والأمنية الصعبة.

وبخصوص قناة السويس وهي المفاجأة للكثيرين، فلم يغير المشروع العملاق "قناة السويس الجديدة" شيئًا بل العكس فقد جاء التأثير سلبيًا، فبحسب بيانات هيئة قناة السويس، فقد تراجعت إيراداتها من رسوم عبور السفن خلال أغسطس الماضي بنحو 9.4% مقارنة بأغسطس 2014، الأمر الذي يعد انتكاسه بكل المقاييس، والأمر لا يختلف كثيرا بالنسبة إلى تحويلات المصريين العاملين بالخارج التي تعد مصدراً مهما أيضا للعملة الصعبة.

أما فيما يخص الصادرات فالأمر أكثر سوءًا مما سبق، فصادرات مصر غارقة في الهبوط بشكل مخيف، والميزان التجاري يعاني من الاختلال المتواصل وهذا سبب جوهري لانهيار العملة، حيث أظهرت بيانات المركزي تعمق أزمة الميزان التجاري، فقد زاد العجز بنهاية يونيو الماضي، إلى 38.7 مليار دولار، مقارنة بـ 34 مليار دولار عن نفس الفترة من العام السابق، حيث نجد أن الصادرات المصرية بشكل عام تراجعت من 26.1 مليار دولار، بنهاية يونيو 2014، إلى 22 مليار دولار، أي أن قيمة التراجع بالصادرات بلغ نحو 4.1 مليار دولار، وبما يعادل نسبة 15.7%.

ولن أفصل الوضع في الاستثمارات الأجنبية فنحن وبلا فخر في مقدمة الدول التي تنافس على نسبة هروب الاستثمارات، وكذا البترول فحدث ولا حرج، بالطبع كل ما ذكرته مجرد عناوين عريضة للأزمة ولأن المجال لا يتسع للسرد أكثر، لننظر إلى الوضع الدولاري الحالي وهو:

- قد اتجه البنك المركزي المصري "الخميس 15\10\2015" إلى خفض جديد لقيمة الجنيه، وذلك للمرة الأولى منذ يوليو، حيث هبط الجنيه في عطاء البنك المركزي لبيع الدولار بنحو 10 قروش ليصل سعر بيع الدولار في البنوك إلى 7.93 جنيه بينما قفز الدولار في السوق الموازية "السوداء" إلى أكثر من 8.25 جنيه وسط امتناع التجار عن البيع.

لا شك أن الأغلب ينتظر خفض جديد للجنيه بالعطاء القادم وهذا وارد جدًا بل ربما يكون ضروريا جدا، وخاصة أن الأمر يتزامن مع وجود محافظ المركزي في بيرو لحضور اجتماعات البنك والنقد الدوليين، وكذلك بعد أيام من زيارة وفد من صندوق النقد الدولي لمصر، حيث أن موقف النقد الدولي واضح في هذا الشأن وهو المطالبة بمزيد من الخفض، ومعنى استجابة المركزي لذلك؛ أن الحكومة تقترب من قرض النقد الدولي بقوة.

خفض العملة.. ماذا يفعل؟!

بالنسبة للموقف المصري فخفض العملة يعزز موقف الحكومة بشأن الإصلاحات الاقتصادية الذي يطالب بها النقد الدولي، الأمر الذي يسهل من مفاوضات الحكومة على قرض تقول التوقعات أن حجمه 3 مليارات دولار من البنك الدولي لتخفيف حدة نقص العملة الصعبة، وذلك بعد كبوة الاحتياطي النقدي، حيث أعلن البنك المركزي عن انخفاض احتياطياته من النقد الأجنبي إلى 16.3 مليار دولار بنهاية سبتمبر الماضي، ليصل حجم التراجع إلى 1.7 مليار دولار، مقارنة بما كان عليه الوضع نهاية الشهر الذي سبقه.

فيما يخص التأثير سواء الإيجابي أو السلبي من خفض قيمة العملة، فقد يؤدي السماح بنزول الجنيه إلى رفع الصادرات وجذب مزيد من الاستثمارات، ولكن في المقابل يرفع هذا الإجراء فاتورة واردات الوقود والمواد الغذائية المرتفعة أصلا، كما يؤجج خفض الجنيه التضخم في البلاد مما يزيد من معاناة الطبقة المعدومة التي تشكل أغلبية سكان مصر.

الخلاصة..!

ارتفاع الدولار وعجز الحكومة عن توفير رصيد من الاحتياطيات الأجنبية يغطي احتياجات 6 أشهر على الأقل؛ يعني الوصول لمرحلة ستجلب على المصريين مزيداً من المتاعب أبرزها:
مستوى المعيشة: فإن انخفاض العملة مع زيادة قيمة فاتورة الواردات، وتراجع قيمة الصادرات، معناه قفزة في تكاليف المعيشة، وتعرض الطبقة المعدومة التي تمثل أغلب المصريين إلى موقف غاية في الصعوبة.

الأسعار: وكما حدث منذ 5 أشهر من خفض سعر الجنيه، قفزت الأسعار إلى حد أدنى من 15% ووصل الأمر إلى تضاعف في أسعار بعض السلع، الأمر الذي يشير إلى قفزة جديدة في الأسعار ربما تكون أكثر عنفا، ستدفع فاتورتها أيضا الطبقة الفقيرة.

الصناعة: خفض العملة وتراجع الاحتياطي يضعف الموقف التنافسي للصناعات المحلية، وذلك بسبب الضغوط التي سيخلقها تراجع على سعر الصرف، مما يزيد من تكلفة مدخلات الصناعة المحلية، مما قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المصانع التي تغلق يوميًا بسبب الأزمات المختلفة.

الحل..!!

ربما تكون الصورة قاتمة بعض الشيء فسلة الحلول أصبحت فارغة من الحلول السريعة، سوى الطريق السهل الذي تعتمد عليه الحكومة دائما وهو الاقتراض الخارجي، وذلك في ظل التوقعات بعدم عودة الدعم الخليجي الذي كان سببا رئيسيا في تماسك الاقتصاد المصري حتى الآن.

ولكن الاقتراض من الخارج، يعود بنا إلى نفس الدائرة المغلقة ونفس العواقب الوخيمة، ويبقى السؤال هل يمكن أن نجد في مصر حكومة تتبنى حلا مبتكرا بخلاف الاقتراض؟!.. ربما يأتي هذا اليوم ولكن حتى قدومه سيبقى الاقتصاد المصري في رحلة المجهول في ظل ديون مرشحة للزيادة ودولار يزيد العقدة أكثر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.