المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صالح أحمد عمر  Headshot

"علشان تبنيها" لا تستخدم عقلك!

تم النشر: تم التحديث:

ذات صباح وأنا في طريقي لإنهاء تقرير صحفي ما، صادفني أحد الأقرباء السلفيين بصحبة أحد أصدقائه، وحين اقترابي منهما قال محدثاً صديقه: "هذا ابن عمتنا، ولكنه مخالف لمنهج السلفي فإنه يسبّ الحكام في جريدته"، فاقتربت منهما مصافحاً مبتسماً، ومكتفياً بالقول إن لنا نقاشاً في وقت لاحق، وعندما هممت بالابتعاد عنهما باغتني صديقه بنصيحة لي بقوله: "متستخدمش عقلك يا شيخ".

رغم ابتعادي، توقفت عند كلامهما، فالأول خُيّل له أن نقدي سبّة للحاكم، وأني أستخدم مكان عملي في توجيه السباب للحاكم -ويكأنه مسموحاً به!- بينما نصحني الآخر بعدم استخدام العقل في توجيه نقدي للحاكم، مقتنعاً بأن طاعة ولي الأمر حتى في ظُلمه أمر من أصل الشريعة ولا خلاف عليه بين جمهور الفقهاء، متناسياً بكلمته تلك آيات القرآن الكريم التي تدعونا لاستخدام عقولنا أكثر من تلك التي دعت إلى طاعة ولي الأمر، وناسياً مئات العلماء المعارضين للحكام طيلة 1400 عام منذ قيام دولة الإسلام.

في ظُهر اليوم ذاته، أُرسل لي خبراً باختيار نجل شقيق شيخ الأزهر "أحمد الطيب" منسقاً لحملة "علشان تبنيها" لدعم ترشيح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لولاية ثانية في محافظة الأقصر، لأنتقل بعقلي بالمقارنة بين ذاك السلفي الذي يدعوني لإبعاد العقل والامتثال لأمر الحاكم أياً كان، وهذا الصوفي الذي كان منبراً في دعم الحاكم ومناصرته، بينما بَعُد منبره عن منهجه الرئيسي في شرح صحيح الدين أو الدعوة لانتشال المواطنين من فقرهم المدقع، ففي الأول سلفي اقتنع بأن الله اختار الحاكم، ومن اختاره الله وجبت طاعته، بينما يلوم في حواره قوم فرعون ويصفهم بالفسق؛ لأنهم -فقط- امتثلوا لأمر وليّهم المؤيد من الإله أيضاً في نظرهم، بينما الثاني صوفي نسي الصوف واكتسى زخارف الدنيا وللحفاظ عليها وجب عليه تأييد الحاكم الذي مهد له تلك الزخارف، مستخدماً الدين والسياسة معاً رغم تحريمه جمعهما لآخرين.

"متستخدمش عقلك"، تلك استوقفتني كثيراً من أين أتت، وكيف دخلت عقل المسلمين الذين بدأ قرآنهم بـ"اقرأ" ومليء بآيات من تلك "إن في ذلك لآيات لأولي الألباب" "أفلا يتفكرون"، ولم أصل لشيء سوى أن الواقع يؤكد أن الكثير من المسلمين مقتنعون بأن استخدام العقل قد يفسد العقيدة، بينما القرآن جاء بتجارب عقلية في أمور إذا ذكرتها اليوم فقد تُقتل في ميدان عام بتهمة الزندقة، فذاك إبراهيم -عليه السلام- سأل ربه عن طريقة إحيائه الموتى، فكان رد المولى -عز وجل- غاية في الإبداع والتعليم، بأن يقوم بتجربة عملية ليطمئن قلبه بقدرة الله عز وجل، وليعلم حينها أن الطريقة تكمن فقط في قول الله تعالى وأمره، والتجربة أيضاً هي ما استخدمها الله مع موسى -عليه السلام- حين طلب الأخير رؤيته.

في النهاية، أرى أن نقد الحكام ضروري "عشان نبنيها"، وأن حديث الرسول الكريم بطاعة ولي الأمر حتى وإن جَلد ظهرك إبان الفتن، لا يعني أننا نرضخ لحكام سعوا في الأرض فساداً، ولم يعملوا بالدين ولا بمبادئ الوطن، وسعوا إلى إفقار شعوبهم، واتخذوا شعارات القيادة والبناء لحملاتهم الانتخابية، وتركوا الدفع ببرامج حقيقية قابلة للنقد، وحتى لم يكلفوا همهم في الحديث عن أسباب فشل المشاريع ذات الأسماء الرنانة، فالعقل العقل فهذا هو ما كرمنا الله به وهو ما نهتم ببنائه ليبني.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.