المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صالح ملص Headshot

عن الخوف وأشياء أخرى..

تم النشر: تم التحديث:

صور لدماء بعثرتها براميل فأحدثت مجزرة هنا وأخرى لإعدامات ميدانية كوّنتها أسلحة الموت هناك ورؤوس تتدحرج أمام الناس.. فؤوس وسكاكين تنغرس في جسد أحدهم عقابًا على الكفر الحرام!، تتفجر هذه الصور كل يوم كلقطات من أفلام رعب ممنوعة من العرض، ثم نشاهدها بأعيننا في صفحات الإعلام العربي والغربي، لتنذر بمستقبل مهول مرعب.

يهاجر السوريون من الجفاف الأمني في سوريا خوفًا على أيامهم القادمة من أن تُقْتَل برصاصة طائشة، فيهاجر قلقهم معهم ويجول في كل مكان يتواجد فيه الإنسان السوري، وإذا لم يصل السوري إلى شواطئ الغرب جثة طافية على سطح الماء، فإن "صديقه الأبدي" لا يلبث أن يأخذ غفوة حتى يستيقظ ويعود إلى نشاطه من جديد، فخوفه من فقدان الاستقرار وحالة هادئة ناتجة عن عدم وجود خطر ترافقه أينما اتجهت قدماه المتعبتان من التجوال من حدود إلى حدود أخرى.

لم يكن الخوف من المنفى هو الوحيد الذي يسيطر على السوريين، فهناك الوضعان الأمني والسياسي اللذان يخنقان الوطن يومًا فيوم، والتدهور الاقتصادي للعملة السورية و و و...إلخ من المصائب المحلية ذات الإنتاج الوطني بامتياز، ولعله، أي الخوف من المنفى، لن يكون خاتمة المخاوف، إلّا إنه من أكثر التعقيدات على الصعيد النفسي السوري، لأنه في أغلب الأوقات يكون أقرب إلى الخيبات الجمعيّة في المجتمع السوري، خيبة بعدم العودة إلى الوطن وترسيخ فكرة المواطنة في الفكر العام للشعب. أو في بعض الأحيان الخوف من الشتات، فلا هناك منفى ولا وطن أو هوية.

إن نظام البعث السوري هو الذي أودع الخوف في روح الشعب، فالحياة السياسية التي سعى لإنشائها تحمل بالفعل أبشع التجارب الأيديولوجية السلطوية المستبدة التي شهدتها سوريا، وباستخدامه لأجهزة الدولة الأمنية خاصة أدوات القمع من شرطة وجيش ومخابرات، فقد أجهض محاولة تثبيت دعائم الثقة بالأفكار التي يؤمن بها المجتمع السوري من حرية وكرامة ومواطنة وسيادة العدل والقانون، وأعاشنا ضمن نطاق مخيف ضيق عكس جهل فئات جماهيرية واسعة في سوريا، حتى بات السوريون لا يعرفون سوى الانزواء داخل قبو خوفهم، سجناء قمقمهم المظلم.

حين نخضع بهذه الكيفية لنزعة الخوف، ستظهر آثاره على واقعنا، حيث يكون الوجود السوري مؤرق، يرسم طابعًا شديد التعقيد بحيث لا يمكن فهمه أو صياغته وترجمته إلى الآخرين، ويضعنا في ثقافة التأطير لتكون خياراتنا أضيق من فضاء طموحاتنا الواسع، ويثقل خطواتنا بالتردد الدائم فتصبح حياتنا أقصر من المسافات التي ننشد الوصول إليها، ثم يبقينا في صمت عقيم، إلى أن يأكل الوقت أفكارنا.

في القرن الواحد والعشرين، وبينما كانت دول العالم الأول تحتسي فنجان القهوة في تطورها في كافة مجالات الحياة المتحضرة، تناهى إلى أسماعها صوت سقوط واقعنا المهترئ على أحلامنا، إثر تعرضه لنوبه من نوبات الصرع وهلوسات الحروب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.