المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رقي الدسوقي Headshot

كل ما تبقى

تم النشر: تم التحديث:

2015-10-05-1444038932-349912-fatherbikeson.jpg

البداية مكررة
عقد عمل في الخليج... سنوات من الغربة ....
العودة لمصر لتكملة نصف الدين... زواج ....
يعود للخليج بزوجته... بضع سنوات.... انتهاء عقد العمل
العودة لمصر.... الريان..... ضاع شقى العمر

طوابير طويلة مهينة وحزينة على أبواب الشركات المغلقة بأمر القانون، الكل خاسر بعد أحلام الكسب السريع وضياع "تحويشة العمر "
بعد وعود سرابية من مسئولين ليسوا مسئولين يعود الرجل لبيته لا يعلم ماذا يقول لزوجته، هل يقول لها أن أحلى سنوات العمر راحت هباء منثورا؟

أم يقول أنهما الآن بلا دخل شهري؟ الأسئلة لا تنتهي والألم أصبح ونيسا، الأمر كله لك يارب
يطرق الرجل باب بيته مترددا حائرا ولكن ما لبث أن تبددت هذه الحيرة عندما رأى زوجته تفتح الباب وهي في قمة زينتها وسعادتها!
أدرك الرجل أن المرأة فقدت عقلها ومصيبة جديدة تضاف إلى قائمة الابتلاءات

- لا حول ولا قوة إلا بالله، معلش خلي أملك في ربنا كبير، انـ...
- قاطعته سريعا: " أنا حامل "
- أ.... ام ..... ب ... بجد ؟ اتأكدتي؟ إمتى؟ إزاي..؟ طب ...
- تضع يدها على شفتيه في حنان و تقول في عذوبة: "والله حامل "

نسي الرجل مصيبته وكاد يطير فرحاً وكيف لا، عشر سنوات معاناة مع أطباء وأدوية وتحاليل إلى أن فقدا الأمل.. والآن فقط الحلم المستحيل يكبر في أحشاء زوجته. يقبل أحمد زوجته ويسجد لله شكرا ويعد نفسه وزوجته أن يكون هذا المولود "أحسن واحد في الدنيا "

وجاء بالفعل "أحسن واحد في الدنيا.... باسم" ليكبر سريعا وسط أم حانية وأب يدير في ساقية وظيفتين لتوفير الحياة الكريمة ، وتبتسم الحياة ثانية ويكبر باسم ويسترد الرجل جزءاً من أمواله وينتقل لمسكن أكبر في منطقة راقية ويمتلك سيارة.

من عاش في هذه الدنيا يعلم جيدا أن الحياة لا تبتسم إلا قليلا ...
باسم كان طفلا ذكيا لكنه كان مدللا، لا تنتهي طلباته ولا مشاكله، يكبر فتكبر مشاكله. أما مراهقته فكانت مرهقة فعلا! والأم لا تريده "أقل من زمايله" فكل طلباته مجابة ومشاكله محجوبة عن أبيه .

لم ينتبه الأب لذلك إلا متأخرا بعد مكالمة في منتصف الليل من قسم مصر الجديدة ليستيقظ من غفلته وهو يضمن "أحسن واحد في الدنيا" في محضر تعاطي حشيش !
بدأت المشاكل تزداد بين أب يريد أن يصبح أبا وابن لا يريد أن يكون ابنا وأم حائرة .

بعد رسوب متكرر ومحاضر في أقسام الشرطة يقرر الأب أخيرا أن يمنع المصروف ويأخذ مفتاح السيارة ولكن الأمور تتعقد أكثر و الزمام يفلت دون رجعة، حتى جاء اليوم الموعود .

مشادة كلامية أصبحت عادية لكن اليوم كانت أكثر قوة، فكان باسم مصمماً أن يأخذ أموالا وسط بكاء الأم وهياج الأب الذي حاول جاهدا أن يمنعه بالقوة فما كان من ابنه الوحيد إلا أن يدفعه دفعة قوية أطاحت بالرجل المسن ليصطدم بالحائط.. هرولت الأم صارخة إلى زوجها الملقى على الأرض الذي فتح عينيه بصعوبة ليقول كلمة واحدة: بره
نظرت الأم إلى ابنها الوحيد بعين تمطر دمعاً نظرة حزينة لائمة ثم أدرات وجهها. واختفى باسم واختفت البسمة

سنوات مرت لا يعلم أحد أين ذهب الابن، والأب أصبح مريضا والأم كذلك، لم يعد للحياة طعم ولا لون، كل شىء أصبح باهتا .

لا جدوى من البحث إلا أن أحد أصدقائه أكد للأب أن باسم سافر لكنه لا يعلم أين. الجرح يزداد وأصبحا وحيدين ثانية .

* * *

في أحد الأيام كان الأب يبحث عن مفتاح لعجل السيارة في غرفة على سطح بيته اعتاد أن يضع فيها "الكراكيب" وفجأة وجد دراجة قديمة صغيرة اعتاد باسم أن يركبها عندما كان طفلا. جلبت الدراجة ذكريات جميلة ومؤلمة.. أخذ الرجل الدراجة ونزل بها للمنزل ثم غاب ساعة ليعود ببعض قطع الغيار والدهانات، سهر الرجل طوال هذه الليلة منكبا على الدراجة.. استيقظت الزوجه لتجد زوجها العجوز نائما على أحد كراسي السفرة التى استقرت فوقها دراجة باسم وقد أصبحت شبه جديدة، بكت الأم لهذا المنظر وأيقظت الزوج الذي انتفض فجأة يطمئن على الدراجة وكأنها أهم ما في الحياة . ..

كلما نظر الرجل لهذه الدراجة يتذكر طفولة باسم وتعليمه قيادتها وسعادته عندما يمشي بها أمتاراً قليلة قبل أن يقع، لكنه يقوم ليقول لوالده " تاني" ليضحكا معا.. يكاد يسمع ضحكات طفله بعد كل هذه السنوات

أصبح جزءاً من يومه الاهتمام بالدراجة وعندما تسأله زوجته لماذا تفعل ذلك، ينظر إليها ويقول "هى كل ما تبقى "
قد تكون نهاية القصة أن يعود باسم بزوجه أجنبية وابن ويأخذ الجد الحفيد ليعلمه على الدراجة مثلما فعل مع أبيه، لكن الحياة أقسى كثيراً من مسلسلات التليفزيون

* * *

في إحدى زنازين سجن سانت فيتورو بمدينة ميلان الإيطالية جلس شاب في نهاية العشرينيات من عمره وقد امتلأ جسده بالوشوم و الجروح كأنهما رسما معا، يسند ظهره على الحائط يدخن سيجارة فاز بها في مباراة "رست" مع أحد المسجونين، ينفث الدخان في بطء لذيذ وينظر بإمعان للحائط المقابل وقد استقرت عليه بقايا صورة يكاد يظهر منها طفل صغير سعيد على دراجة صغيرة وشخص كبير يظهر منه فقط أرجل ويدان تمسكان الطفل .

يقطع الصمت صوت الضابط آمرا الجميع بالنوم ويقف عند هذه الزنزانة يقول للشاب بلكنته الإيطالية: "لم أر أي أحد من قبل يطيل النظر لصورة... بل بقايا صورة قديمة "

بدون أن يرفع بصره عن الصورة، يرد الشاب بصوت خافت وبلغة عربية "هي كل ما تبقى "

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.